فى ذكرى أكتوبر المجيدة تتجدد ذكرى الأبطال الشهداء، شهداء الوطن، فتعلو مشاعر الفخر ببطولاتهم، وتستحضر الأجيال قصص من بذلوا أرواحهم من أجل أن تبقى راية الوطن مرفوعة، وفى المقابل، تظل أسر الشهداء من أمهات وزوجات وأبناء، تتألم بفقدان الأحبة، إلى جانب فخر لا ينكسر بما قدموه للوطن، ورغم ألم الغياب تستمد هذه الأسر عزاءها من يقين راسخ بأن الشهداء أدوا الأمانة، وقدموا أعظم ما يملكون دفاعا عن وطنهم، مصداقا لقوله تعالى: «ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون»، وبين الفخر بالفداء ووجع الفراق، تبقى حكاياتهم شاهدة على أن تضحيات الأبطال لا تنتهى باستشهادهم، بل تظل حاضرة فى ذاكرة الوطن جيلا بعد جيل.
وتقول داليا ابنة الشهيد سيد أحمد، من شهداء حرب أكتوبر، أنا ابنة الضابط سيد أحمد دفعة 39 حربية من أوائل المنضمين لسلاح الصاعقة فى أبو عجيلة، الذى تولى تأسيسها البطل جلال هريدى، وشارك والدى فى حرب 56 وحرب اليمن، وحرب الاستنزاف، وصولاً لحرب أكتوبر 73، لم أكن قد أكمل عامى الخامس حينما استشهد والدى، لكن ذكراه العطرة هو ما ورثته عنه، فالجميع يحدثنى عن شجاعته وحبه لوطنه، وإلتزامه الشديد فى عمله، لكن كتب الله له شرف الشهادة فى حرب أكتوبر، وتحديداً فى 22 أكتوبر 1973، واستشهد على أثر شظايا لقنابل تم استهدافه بها عبر طائرة، ليتم إصابته وهو فى مهمة لوقف تحركات الثغرة ووقف القتال، ليصاب ويستشهد فى الحال والضباط المرافقون له».
وتابعت: فخر واعتزاز لكن ألم الفراق صعب ولا أملك حتى ذكرى مع والدى، ليس لدى سوى صورتين فقط حتى أننى لا أتذكر صوته، وأحمل تفاصيل وجه من هذه الصور القليلة، أما أخى الأصغر فلم يتعرف على والدى فقد كان رضيعاً ولا يعرفه سوى من حكايات الأهل والأقارب وحكايات والدتى، لكننى سعيت للتعرف عليه عبر أصدقائه وزملائه .
وأشارت «داليا» إلى أنها لا تزال تتذكر أجواء معرفتها بخبر استشهاد والدها إذ لم تكمل الخامسة من عمرها، بينما كانت والدتها فى العشرينيات من عمرها ولم تخبرها بالحقيقة لصغر سنها، وظلت لفترة تتساءل عن سر ارتداء والدتها الملابس السوداء وعن كثرة الزائرين للمنزل لتقديم واجب العزاء ومواساتها، حتى أخبرتها والدتها فى النهاية بأن والدها نال شرف الشهادة، وبعد استشهاد والدها بدأت والدتها رحلة الحياة من دونه ورفضت الزواج مرة أخرى، ورغم ما تشعر به من فخر واعتزاز ورضا بقضاء الله بأن والدها نال شرف الشهادة فإنها لا تنكر افتقادها لوالدها وحنانه وسنده فى مواجهة مصاعب الحياة.
ولا تنكر «داليا» أن ذكرى السادس من أكتوبر التى تمثل مصدر سعادة وفخر للمصريين بما تحقق خلالها من نصر عظيم واسترداد أرض سيناء الغالية، تحمل بالنسبة لها ولأسرتها مشاعر مختلطة من الفخر والحزن والألم بسبب فراق والدها، ومع نضجها تحول ألم الفقد إلى مصدر للفخر والاعتزاز، فهى ابنة شهيد وأسرتها أسرة شهيد، والشهادة عقيدة الأبطال، فليس هناك فرق بين أبطال أكتوبر وأبطال القضاء على الإرهاب؛ فالمبدأ واحد، إما النصر أو الشهادة، وحب الوطن يجرى فى العروق، والدفاع عنه واجب، وكما ضحى أبطال أكتوبر من أجل استعادة أرض الوطن، ضحى أبطال القضاء على الإرهاب من أجل تطهيره وحماية أمنه واستقراره، ولهذا يتنافس الجميع للالتحاق بالقوات المسلحة والشرطة المصرية.
وتقول: تحمل ذكرى أكتوبر مكانة لدى خاصة بعد تكريم الرئيس عبدالفتاح السيسى لأسرتنا ولأبطال وشهداء أكتوبر، مؤكدة أن تكريم الرئيس لروح والدها خلال الندوة التثقيفية الـ43 يعد من أحب التكريمات إلى قلبها، لأنه يمثل تأكيدا من القيادة السياسية والقائد الأعلى للقوات المسلحة على قيمة تضحيات أبطال وشهداء حرب أكتوبر، وأن ما قدموه من تضحيات بأرواحهم لا يزال محل احترام وتقدير، وهذا التكريم قوبل بمشاعر من الحب والفرحة الغامرة من جانب أسر الشهداء وأبطال حرب أكتوبر.
وشددت ابنة الشهيد على أهمية توثيق جميع تفاصيل حرب أكتوبر وتضحيات أبطالها وشهدائها، فبانوراما أكتوبر والمتحف الحربى أسهما فى توثيق الكثير من جوانب الحرب المجيدة، لكن مسئولية التوثيق يجب أن تمتد إلى مختلف الوسائل الإعلامية والفنية، سواء من خلال السينما والدراما أو أفلام الرسوم المتحركة ومنصات التواصل الاجتماعى، حتى تتعرف الأجيال الجديدة على حجم التضحيات التى قدمها الأبطال من أجل استقلال الوطن والحفاظ على أمنه وسلامته.
أما فاطمة عمار، شقيقة الشهيد مصطفى عمار، الذى نال شرف الشهادة فى سيناء خلال مواجهته للجماعات الإرهابية، فأكدت أن فقدان شقيقها يمثل جرحا كبيرا للأسرة، لكن الشهادة شرف عظيم، فقد كان الشهيد مصطفى يحلم بالشهادة، وبعد كل حادثة إرهابية ونشر أسماء الضباط والجنود الذين استشهدوا فى سيناء، كان يقول: يا ريت أكون زيهم، هو طلبها من ربنا وربنا استجاب له، وكان آخر اتصال جمع شقيقها بأسرته كان يتصل بوالدها للاطمئنان عليه، وقبل وفاته بيوم واحد اتصل وطلب أن يتحدث مع والدتى بمناسبة عيد الأم، وتقريبا كان هذا الاتصال الأخير أو الوداع لنا جميعا، وفى اليوم التالى استشهد.
وأشارت إلى أن 22 مارس 2017، يوم استشهاد مصطفى، لا يزال محفورا فى ذاكرتها، فقد كان صدمة كبيرة وإحساسا صعبا، فقد كانت أسرتها فى انتظاره ولكنه عاد شهيدا، نزل فى صندوق الموت وكان ملفوفا بعلم مصر، فقد كان لديه إحساس أنه سوف ينال الشهادة، قائلة: طبعا مش فاكرة أى حاجة عن يوم الاستشهاد، غير إنه يوم وجعه معلم فينا لحد دلوقتى، كنا واقفين وسط الناس تايهين، سامعين ناس بتنادى باسم أخويا مصطفى، وناس بتقول: لا إله إلا الله، الشهيد حبيب الله خلاص، مصطفى بقى من الشهداء.
وبينما تمسح بقايا دموع لا تجف من عينيها، تحدثت «فاطمة» بابتسامة عن شخصية شقيقها القوية، قائلة:مصطفى كان قلبه جامدا، لا يخاف من أحد غير الله سبحانه وتعالى، ومهما كان اللى قدامه ما كانش بيخاف، وأنا متأكدة إنه وقت استشهاده ما كانش خايف من أى شيء، لو كان قدامه حديد كان هيعدى منه، استشهد شقيقى فى انفجار دبابة، حسب ما أبلغنا أحد زملائه، وكان رافضا الحصول على إجازة، لأنه كان يريد أن يأخذ حق زملائه الذين استشهدوا، وكان يتمنى أن يلحق بهم وينال الشهادة، كل الناس كانت تحبه، وفاكرة مصطفى لحد دلوقتى بجدعنته ورجولته ووقفته جنب الجميع الناس كلها بتشهد باحترامه، حتى الأطفال كانوا بيحبوه، ويوم الجنازة كان الصغير بيعيط قبل الكبير، كانت جنازته زفة.
وقالت نضال عزت، زوجة الشهيد اللواء نبيل فراج، مدير أمن الجيزة، الذى استشهد خلال أحداث اقتحام منطقة كرداسة عام 2013، إن الشهادة منزلة رفيعة عند الله، وتعد منحة إلهية يمنحها لمن يستحقها، فالشهيد «فراج» كان يتمنى الشهادة، وكان كلما أُعلن عن استشهاد أحد من زملائه يقول: «ليتنى كنت مكانه»، والله سبحانه أكرمه فى النهاية بشرف الشهادة، والشهادة تحمل رسالة للجميع مفادها أن التضحية بالروح من أجل استقرار الوطن وحمايته هى من أسمى صور الوفاء..
ولم تنكر «نضال» شدة تأثرها بفقد زوجها، لكنها حرصت على الصبر والرضا بقضاء الله، فألم الفراق كان قاسيا إلا أنها تماسكت من أجل مواصلة تربية أبنائها بالصورة التى تجعل والدهم الشهيد فخورا بهم، فأبناؤها كانوا صغارا وقت استشهاد والدهم؛ إذ كان أحمد فى السادسة من عمره، وزياد فى الثامنة، بينما كان عمر، الابن الأكبر، يبلغ 17 عاما.
وأضافت أن ما تنعم به البلاد حاليا من أمن واستقرار وإنجازات ما كان ليتحقق لولا التضحيات الغالية التى قدمها شهداء القوات المسلحة والشرطة.
سوزان عبدالمجيد، والدة الرائد إسلام مشهور، شهيد معركة الواحات، تقول: إن الشهادة اختيار إلهي، وأن الله اختار نجلها إسلام لنيل هذا الشرف، فإسلام تخرج فى كلية الشرطة عام 2012، وشارك فى مواجهة الهجمات الإرهابية، ثم خدم فى قطاع الأمن العام بمنطقة الزاوية الحمراء لمدة عامين، قبل أن ينتقل إلى قطاع الأمن المركزى والعمليات الخاصة، ليلتحق بأخيه الأكبر، ورغم قلقها على نجليها اللذين كانا يعملان فى الأمن المركزى، فإنها كانت تدرك طبيعة رسالتهما، قائلة: «ربيت أولادى على الاحترام والتضحية وحب الوطن، وزرعت فيهم القيم والأخلاق قدر استطاعتى أنا ووالدهم».
وأضافت: فخورة بنجلى وبكل أم قدمت ابنها فداء للوطن، إلا أن الفخر لا يلغى ألم الفقد، فمشاعر الأمومة تظل حاضرة وأن لطف الله وحده هو ما يخفف عنى هذا الألم.
وأوضحت أن مشاعر الأمومة وفقدان الابن تظل الأقوى والأكثر إيلاما، لكنها فى الوقت نفسه تؤمن بأن تضحية نجلها كانت سببا فى حماية الوطن وتعزيز أمنه واستقراره، والمساهمة فى مواجهة الجماعات الإرهابية، مشيدة بالتكريم الذى حظى به الشهيد.