رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

شعبها.. جيشها.. وقوتها الناعمة


6-10-2026 | 13:25

.

طباعة
بقلـم: أحمد النبوى

ثلاثة وخمسون عامًا ونحن نحتفل بانتصار أكتوبر المجيد، وبالنسبة لنا هى ليست مجرد حرب انتصرنا فيها واستعدنا سيناء المحتلة، بل هى أكبر من ذلك؛ فالانتصار الحقيقى كان للشخصية المصرية التى ظهرت فى أحلك الفترات التى مرت بها مصر. لذا نحتفل كل عام ونتذكر البطولات؛ تخليدًا لذكرى الشهداء والأبطال، ولتعريف الأجيال المتعاقبة بالبطولات المصرية، والتأكيد على استمرار الشخصية المصرية ونقلها من جيل إلى جيل، لضمان استمرار الاستعداد للقادم ومواجهة الحرب الجديدة الدائرة، والتى لا يتم استخدام الأسلحة المتعارف عليها بين الجيوش فيها؛ فالحرب الدائرة هى حرب احتلال فكري، وهو الأمر الذى يجب أن نركز عليه للأجيال الجديدة من خلال تنمية الفكر، وزيادة الانتماء للوطن، والاستثمار فى ترسيخ الشخصية المصرية والهوية عند الأجيال الجديدة، ليس بالشعارات والتصريحات، ولكن بعودة القوة الناعمة المصرية إلى مكانتها فى مختلف المجالات.

 

ورغم تراجع هذا الدور، إلا أن الجيش المصرى ما زال محافظًا على قوته الناعمة المتفردة؛ فهو لم يكن يومًا قوة خشنة، كما لم ينجر خلف الخداع الاستراتيجى فى الدخول فى حروب الهدف منها استنزافه لتفكيك الدولة، كما حدث لعدد من أقوى الجيوش العربية، مثل العراق وسوريا، فى الماضى القريب؛ وقوة الجيش المصرى الناعمة تنبع من أن شعبها هو جيشها، فلا يوجد أجنبى أو مجنس بين أبناء الجيش المصري، بالإضافة إلى حكمة القيادة السياسية فى عدم الانجرار لمثل تلك الحروب التى تهدف إلى إسقاط الدولة، مهما كانت المغريات الظاهرية.

وهنا علينا جميعًا، أثناء الاحتفال بذكرى الانتصار، أن يتم التركيز على الفترة التى سبقت النصر، منذ الهزيمة فى 67، والحرب النفسية التى كانت ضد مصر، سواء داخليًا أو خارجيًا، لتقبل النكسة والوضع الذى كانت به مصر، وحالة الانكسار التى انتشرت بين أبناء الشعب المصرى بسبب البيانات الكاذبة التى كانت تُبث بالإذاعة المصرية، والتى زادت الفجوة بين الشعب والقيادة السياسية؛ لذا لجأ أغلب الشعب إلى إذاعات أخرى أجنبية، فى ظل الدعاية العالمية والصهيونية بأن إعادة بناء الجيش المصرى تحتاج إلى عشرين عامًا.

وكان لخطاب التنحى لعبد الناصر فى التاسع من يونيو دور محورى فى إظهار الشخصية المصرية مرة أخرى، مثلما ظهرت واضحة فى صد عدوان 56، ونزلت الملايين إلى الشوارع لرفض التنحي. وهذه حقيقة تاريخية مهما اختلف المؤرخون حول ما إذا كانت مظاهرات منظمة من الاتحاد الاشتراكى بنظام التعبئة، أم أنها عفوية. ورغم أننى لست ناصريًا، ففى كلتا الحالتين كانت النتيجة واحدة: أن الملايين نزلت إلى الشوارع ترفض التنحي، وحتى لو كانت منظمة، فهو اعتراف من المؤرخين بقوة تأثير الحزب على الشعب فى ذلك الوقت.

وأعتقد أنها مزيج بين التنظيم والعفوية، وهذه العفوية هى فى حقيقتها مرادف لكلمة الشخصية المصرية التى انتفضت بعد أيام قليلة من النكسة واحتلال سيناء، وهو ما ظهر جليًا فيما عُرف بحرب الاستنزاف، والتى بدأت بمعركة رأس العش ببور فؤاد فى محافظة بورسعيد على الضفة الشرقية لقناة السويس، وهى المنطقة الوحيدة فى سيناء التى لم يحتلها الكيان الصهيونى خلال الحرب.

واستطاع رجال الصاعقة المصرية، وكان عددهم 30 فقط، مسلحين بالأسلحة الخفيفة ومقذوفات «آر بى جى»، وقف العدوان والانسحاب بعد تدمير عدد من مدرعات العدو. وهذه المعركة كانت عكس كل التوقعات، ولكنها دليل واضح على الشخصية والهوية المصرية الحقيقية، وعقيدة المواطن المصرى، وكانت هذه المعركة دافعًا لرفع الروح المعنوية لكل الشعب المصرى، وليس للجنود فقط.

وتلتها بطولات كثيرة فى حرب الاستنزاف، بعضها معروف للجميع، وبعضها فردى غير معلن. وهنا أتذكر خالي، شهيد حرب أكتوبر، نقيب الصاعقة محمد نبيل عبد الفتاح الغازى، كنموذج لطريقة تفكير الشعب المصرى والاصطفاف خلف الوطن بالشخصية والهوية المصرية التى تظهر فى الشدائد وفى أحلك الظروف.

فعائلتى من مدينة شربين بمحافظة الدقهلية، وهى بعيدة عن الحرب، وخالى كان لاعب كرة قدم ومن أسرة غنية، فوالده تاجر ثرى يملك الأراضى والتجارة، ورغم ذلك لم يرفض أن يلتحق ابنه الصغير بالكلية الحربية التى كانت فى ذلك الوقت بالسودان. وبعد التخرج كان على الجبهة، وكان فى الإجازات القصيرة يحكى للعائلة عن حرب الاستنزاف وما يقوم به هو وزملاؤه، وكان يردد كلمة: «بِنزغزغ العدو»، وأنهم يعبرون القناة من المجارى ويظلون بها فترات طويلة، ويقسم أنهم يأكلون الفئران والثعابين وغيرها من الحكايات التى كان يرويها بفخر.

ورغم كون خالى الآخر كان مجندًا أيضًا كضابط احتياط بالجيش، لكنه كان فى سلاح المهندسين، فلم تكن له مواجهات مباشرة مع العدو خلال الاستنزاف.

وهنا، الاستشهاد بخالى ليس بدافع الفخر فقط، ولكنه نموذج لمئات الآلاف من الشباب المصرى فى ذلك الوقت، وللملايين من الشعب المصرى الذين آمنوا بالنصر من بعد النكسة؛ فلا يمكن لنا أن نحتفل بمجد أكتوبر إلا ببطولات الشعب المصرى وأبنائه فى الجيش طوال 6 أعوام، والتى مهدت للنصر.

وهنا أذكر فيلم «العصفور» للمخرج يوسف شاهين، ونتذكر جميعًا الرائعة القديرة الفنانة محسنة توفيق - بهية - وهى تجرى فى الشارع المظلم قائلة جملتها الشهيرة: «لا أبدًا.. هنحارب.. هنحارب»، ويستيقظ على صوتها أهالى الحى ويفتحون الشبابيك لينيروا الشارع، فى دلالة يعكس بها المخرج العبقرى يوسف شاهين الوضع العام للوطن.

وأصبحت «بهية» رمزًا للوطنية ولمصر، خاصة بعد أغنية تتر الفيلم التى كتبها الشاعر أحمد فؤاد نجم وغناها الشيخ إمام: «مصر يمه يا بهية.. يا أم طرحة وجلابية.. الزمن شاب وإنتِ شابة.. هو رايح وإنتِ جاية»، وهو ما يؤكد أن الفن هو أحد أقوى عناصر القوة الناعمة المصرية، مع الوضع فى الاعتبار أن فيلم «العصفور» لم يُنتج بعد انتصار أكتوبر، ولكنه أُنتج عام 72، ومُنع لأنه ناقش أسباب الهزيمة والفساد الموجود فى ذلك الوقت، ولم يُعرض الفيلم إلا فى عام 74.

لذا وضع شاهين تترًا فى بداية عناوين الفيلم يقول: «العصفور لم يكن يستطيع أن ينطلق، لولا الانطلاقة الكبيرة للإنسان المصرى فى يوم 6 أكتوبر العظيم»، وهو دليل على أن الشارع المصرى كان رافضًا للنكسة ومصممًا على الحرب والثأر واسترداد الأرض، مهما كان الثمن.

واستكمل الرئيس السادات حرب الاستنزاف حتى نصر أكتوبر المجيد، الذى غير كل القواعد والمسلمات العسكرية المعروفة، خاصة مع الدعاية الصهيونية العالمية حول خط بارليف، ولكنه انهار بأفكار الشخصية المصرية البسيطة.

ورغم فرحة الشعب المصرى بالانتصار وعودة جزء غالٍ من أرض الوطن، لم ينسَ الشعب المصرى من هو العدو، ورغم مرور 48 عامًا على توقيع اتفاقيات كامب ديفيد عام 1978، إلا أن الشعب المصرى رفضها ومستمر فى الرفض، ولم يعترف بها حتى يومنا هذا، وهذا الرفض أبلغ دليل على مدى وعى الشخصية المصرية بالعدو الحقيقي.

 
 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة