رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

سيناء.. مقبرة الغزاة والإرهابيين


6-10-2026 | 13:25

.

طباعة
تقرير: محمد زيدان

لم تكن «سيناء» فى الوعى المصرى يوماً مجرد مساحة من الأرض تفصل الوادى عن الحدود، وإنما كانت وستظل عنواناً للسيادة وذاكرة تختزن واحدة من أعظم صفحات التاريخ العسكرى المصري، وميداناً تعاقبت عليه أجيال من الرجال دفاعاً عن الأرض والهوية والأمن القومي، ففى أكتوبر 1973 عبرت القوات المسلحة المصرية قناة السويس؛ لتسترد الأرض وتعيد رسم معادلة القوة فى المنطقة، وبعد عقود وجدت الدولة نفسها أمام عدو مختلف تماماً لا يرتدى زياً عسكرياً ولا يتحرك فى تشكيلات معلومة، وإنما يتسلل عبر خلايا وشبكات سرية مستغلاً اضطرابات الإقليم ومحاولات تفكيك الدولة من الداخل، هنا بدأت معركة أخرى على الأرض نفسها لكن بأدوات مختلفة، لم تكن المواجهة فى سيناء مجرد مطاردة لعناصر مسلحة أو رد على عمليات متفرقة، وإنما كانت حرباً على مشروع حاول تحويل أرض مصرية إلى بؤرة للفوضى والإرهاب، وتهديد الدولة من أحد أكثر اتجاهاتها الاستراتيجية حساسية، ومع كل عملية إرهابية، كانت الدولة تخوض فى الوقت نفسه معركة أكبر، حماية الحدود، تأمين المواطنين، تفكيك الشبكات الإرهابية، تجفيف مصادر تمويلها، ومنعها من إعادة إنتاج نفسها.

 

وقال اللواء سمير فرج، الخبير الاستراتيجي، إن «نجاح القوات المسلحة والشرطة المصرية فى مواجهة الإرهاب بسيناء جاء نتيجة التخطيط وفق أسس ومفاهيم علمية تتناسب مع طبيعة المعركة، فالتعامل مع الإرهاب لم يكن خطة ثابتة يتم تنفيذها بمعزل عن تطورات الموقف، وإنما عملية مستمرة من التقييم والمراجعة وإعادة بناء الخطط وفقاً لما تكشفه المعلومات على الأرض؛ حيث إن أحد أهم عناصر النجاح تمثل فى تحديث المعلومات بصورة مستمرة وإجراء عمليات تطوير وتعديل للخطط، كلما ظهرت معطيات جديدة، كما أن القوات المسلحة لم تتعامل مع الأخطاء باعتبارها نهاية، وإنما باعتبارها فرصة للتعلم وتطوير الأداء، وهو ما انعكس على هيكل القيادة وإدارة العمليات فى سيناء، وهذا التطوير ظهر بصورة واضحة فى إنشاء قيادة للقوات شرق القناة، بعد أن كانت إدارة العمليات تعتمد بصورة أساسية على القيادات الموجودة غرب القناة، ثم جرى إنشاء قيادة مشتركة لإدارة العمليات شرق القناة، تضم مختلف الأفرع والتخصصات، بما أتاح توحيد الجهود وتعزيز القدرة على التعامل مع طبيعة المعركة المركبة فى سيناء، فاستحداث هذا النمط من القيادة لم يكن مجرد تغيير إداري، وإنما جاء نتيجة مباشرة لتقييم التجربة والاستفادة من الدروس التى أفرزتها العمليات، وكان أحد أسرار نجاح المواجهة قدرة القوات المسلحة على تطوير نفسها وتعديل أساليبها وعدم تكرار الأخطاء فى ظل عدو يغير تكتيكاته باستمرار، كما أن التعاون بين القوات المسلحة والشرطة المصرية كان أحد العناصر المهمة التى أسهمت فى نجاح المواجهة».

وأوضح «فرج»، أن «الروح المعنوية والانتماء كانا عاملين حاسمين فى المعركة، فخصوصية التجربة المصرية ترتبط بدرجة كبيرة بطبيعة العلاقة بين الجيش والشعب، فالجندى المصرى هو ابن هذا المجتمع ويحمل بداخله ارتباطاً مباشراً بالأرض التى يدافع عنها، وهو ما يمنحه دافعاً يتجاوز مجرد أداء الواجب العسكري، وهذه الروح ظهرت فى مواقف كثيرة خلال سنوات المواجهة».

فالروح القتالية لا تصنع بالتدريب وحده، وإنما تتشكل أيضاً من الانتماء والشعور بأن الأرض التى يدافع عنها هى أرضه، وأن منْ يقف إلى جواره هم أبناء وطنه، ونجاح مصر فى مواجهة الإرهاب لم يكن نتيجة عامل واحد وإنما حصيلة منظومة جمعت بين التخطيط العلمي، وتحديث المعلومات وتطوير هيكل القيادة والاستفادة من الخبرات والأخطاء، والتنسيق بين القوات المسلحة والشرطة، إلى جانب أهم عنصر فى المعادلة كلها، وهو الجندى المصرى الذى ظل، فى مختلف مراحل المواجهة، مستعداً للتضحية دفاعاً عن الأرض والوطن».

اللواء «فرج»، تابع أن «معركة مكافحة الإرهاب فى سيناء لا يمكن وصفها بأنها مجرد مواجهة أمنية مع مجموعة من العناصر المسلحة، وإنما كانت فى جوهرها معركة دفاع عن الأمن القومى المصرى والسيادة على كامل التراب الوطني، لأن حجم التهديد واتساع نطاقه تجاوزا حدود التعامل مع تنظيم أو خلايا محدودة، فمفهوم الأمن القومى المصرى يرتبط بحماية أربعة اتجاهات استراتيجية رئيسية، الشرق باتجاه سيناء والغرب باتجاه ليبيا، والجنوب فى اتجاه السودان ومنابع نهر النيل، والشمال باتجاه البحر المتوسط وما يرتبط به من ثروات ومصالح استراتيجية، ومن ثم فإن التعامل مع الإرهاب خلال تلك المرحلة جاء فى إطار حماية هذه الدوائر الاستراتيجية مجتمعة، وليس فى نطاق جغرافى ضيق، وتمثلت خطورة الموقف فى أن العناصر والتنظيمات الإرهابية لم تكن تتحرك من اتجاه واحد، وإنما استفادت من حالة الاضطراب التى شهدتها المنطقة، وحاولت التسلل عبر أكثر من مسار، بما جعل الدولة أمام تهديد متعدد الاتجاهات يمس منظومة الأمن القومى بأكملها، حيث كانت سيناء تمثل الهدف الرئيسى للمخطط الإرهابي، خاصة مع سعى التنظيمات إلى إقامة كيان أو إمارة تفرض من خلالها نفوذها على جزء من الأراضى المصرية، إلا أن التعامل مع هذا المخطط لم يقتصر على سيناء وحدها، وإنما امتد إلى حماية مختلف الاتجاهات الاستراتيجية للدولة ومنع أى محاولة لاستغلال الحدود أو الأوضاع الإقليمية فى تهديد الأمن المصرى».

وأوضح أن تما حقق فى النهاية يؤكد قدرة الدولة المصرية على حماية أمنها القومى والتعامل مع التهديدات متعددة الاتجاهات، ونجاح القوات المسلحة والشرطة فى إضعاف التنظيمات الإرهابية وفرض نفوذها فى سيناء أفشل المخطط الذى استهدف تحويل جزء من الأرض المصرية إلى بؤرة تهدد الدولة وسيادتها، فالدرس الأهم من هذه التجربة هو أن حماية سيناء لم تكن ملفاً أمنياً منفصلاً، وإنما كانت جزءاً من معركة أشمل عنوانها حماية الدولة المصرية وحدودها وثرواتها ومقدراتها، وهو ما يجعل ما تحقق فى مواجهة الإرهاب امتداداً طبيعياً لعقيدة الأمن القومى التى ارتبطت دائماً بحماية الأرض المصرية فى مختلف الاتجاهات».

وبين «فرج» أن «اختيار سيناء كهدف رئيسى للمخططات الإرهابية ارتبط فى جانب مهم منه بطبيعتها الجغرافية والديموغرافية، فوجود مساحات واسعة قليلة السكان بالقرب من الحدود جعلها بيئة حاولت التنظيمات استغلالها للتحرك وبناء نفوذها وتهديد استقرار الدولة المصرية، والتنظيمات الإرهابية كانت تنظر إلى سيناء باعتبارها منطقة يمكن استغلالها لتحقيق أهدافها، خاصة مع موقعها الحدودى الحساس وقربها من بؤر الصراع فى المنطقة، فضلاً عن رغبة بعض التنظيمات فى إقامة كيان تفرض من خلاله نفوذها على جزء من الأراضى المصرية، وهو ما جعل السيطرة على سيناء أو إيجاد موطئ قدم بها هدفاً استراتيجياً بالنسبة إليها، فلم يعد التعامل مع هذا التحدى قائماً على الانتشار الأمنى والعسكرى وحده، وإنما اتجهت الدولة إلى مفهوم أكثر شمولاً يقوم على أن التنمية تمثل أحد أهم عناصر تأمين سيناء، فوجود السكان والعمران والإنتاج وفرص العمل يجعل الأرض أكثر ارتباطاً بالدولة وأصعب على التنظيمات الإرهابية اختراقها أو استغلال فراغها، وشهدت سيناء تحولاً كبيراً مقارنة بما كانت عليه فى فترات سابقة، حيث ما تحقق من مشروعات صناعية وزراعية وسمكية وخدمية، ومن بينها مشروعات إنتاج الأسمدة، وتطوير منطقة بحيرة البردويل، وما يرتبط بها من أنشطة إنتاجية وخدمات لوجستية، إلى جانب تطوير مطار العريش وغيره من مشروعات البنية الأساسية، هذا التحول يؤكد أن معادلة تأمين سيناء لا تعتمد على القوات المنتشرة على الأرض فقط، وإنما على خلق مجتمع مستقر ومنتج ومترابط مع الدولة، لأن التنمية توسع نطاق الوجود المصرى وتعزز قدرة السكان على مواجهة أى محاولات للاستقطاب أو فرض النفوذ».

وقال اللواء إيهاب يوسف، الخبير الأمنى فى شئون الإرهاب، إن التجربة المصرية فى مواجهة الإرهاب تميزت بكونها تجربة متكاملة لم تعتمد على البعد الأمنى والعسكرى وحده، وإنما تحركت عبر مجموعة من المسارات المتوازية التى استهدفت التعامل مع التهديد من جذوره، وليس فقط مواجهة نتائجه على الأرض، فالدولة بدأت بتحديد طبيعة التهديد ومصادره بصورة واضحة، ثم تحركت لمواجهة التنظيمات المسلحة أمنياً وعسكرياً بالتزامن مع العمل على تجفيف مصادر الدعم والتمويل، وتشديد السيطرة على الحدود، إلى جانب تحقيق قدر أكبر من الاستقرار والتنمية فى المناطق التى حاولت التنظيمات الإرهابية استغلال ظروفها لخلق موطئ قدم لها، وتمثل أحد أهم عناصر نجاح التجربة المصرية فى عدم النظر إلى الإرهاب باعتباره مجرد مجموعة من العناصر المسلحة التى يمكن القضاء عليها بالوسائل الأمنية فقط، وإنما باعتباره تهديداً مركباً للأمن القومي، وهو ما استلزم التعامل معه من خلال منظومة متكاملة تجمع بين الإجراءات الأمنية والعسكرية، والتحرك الاقتصادى والاجتماعي، وتعزيز قدرة الدولة على فرض الاستقرار وحماية المجتمع، كما أن استمرارية المواجهة كانت من أبرز عوامل النجاح، إلى جانب تراكم الخبرات والمعلومات بمرور الوقت، وارتفاع مستوى التنسيق بين مؤسسات الدولة، فضلاً عن القدرة على تطوير أساليب التعامل مع التهديدات الإرهابية كلما غيرت التنظيمات من أدواتها وتكتيكاتها، وهو ما ساعد على حرمانها من فرصة إعادة بناء قدراتها أو استعادة المساحات التى فقدتها.

وأضاف «يوسف»، أن «التنسيق بين القوات المسلحة ووزارة الداخلية والأجهزة والمؤسسات المعنية كان بالفعل أحد أهم العوامل التى أسهمت فى حسم المعركة ضد الإرهاب، فطبيعة التهديد الإرهابى لا تسمح بمواجهته من خلال مؤسسة واحدة، وإنما تتطلب توحيد القدرات والخبرات المختلفة داخل إطار وطنى متكامل، حيث لكل مؤسسة دورها وقدراتها واختصاصاتها، فالقوات المسلحة تمتلك إمكانات كبيرة فى مواجهة التهديدات المسلحة وتأمين المناطق والحدود، بينما تمتلك وزارة الداخلية خبرات وقدرات أمنية واستخبارية فى التعامل مع العناصر الإرهابية والشبكات المرتبطة بها، إلى جانب أدوار مهمة تقوم بها أجهزة ومؤسسات أخرى وفق طبيعة اختصاصاتها، ولا تكمن أهمية هذه القدرات فى وجودها بشكل منفصل، وإنما فى قدرتها على العمل معاً من خلال التنسيق المستمر وتبادل المعلومات وتكامل الأدوار.

ولفت «يوسف»، أن «المعارك الأمنية لا تحسم بالقوة وحدها، وإنما بالقدرة على التعلم والتكيف بصورة أسرع من الخصم»، لافتاً إلى أن «نجاح جهود مكافحة الإرهاب يرتبط أيضاً بوجود ظهير شعبى مساند لهذه الجهود، فالمواطن يمثل شريكاً مهماً فى مواجهة الإرهاب حتى وإن كان دوره غير مباشر، سواء من خلال الدعم النفسى والمجتمعى لعمليات المكافحة أو عبر إمداد الأجهزة المختصة بما يتوافر لديه من معلومات يمكن أن تساعد فى التعامل مع أى تحركات أو أنشطة مشبوهة، كما أن تعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة يظل عنصراً مهماً فى مواجهة الإرهاب.

وأكد أن «هناك رابطاً جوهرياً بين معركة استعادة سيناء فى أكتوبر 1973، ومعركة تطهيرها من الإرهاب بعد ذلك بعقود، رغم الاختلاف الكبير فى طبيعة العدو وشكل الصراع، فالمعركتان تلتقيان عند هدف واحد هو حماية الأرض المصرية والحفاظ على سيادة الدولة، ففى أكتوبر 1973، كانت المواجهة مع قوة عسكرية نظامية احتلت الأرض، وكان الهدف واضحاً ومباشراً، وهو استعادة سيناء وفرض إرادة الدولة المصرية، بينما جاءت مواجهة الإرهاب فى صورة مختلفة تماماً، حيث واجهت الدولة تنظيمات غير نظامية تعتمد أساليب الحرب غير التقليدية، وتسعى إلى ضرب مؤسسات الدولة وإضعافها وزعزعة الاستقرار.

وأوضح أن «روح أكتوبر لا تختزل فقط فى عبور قناة السويس واستعادة الأرض، وإنما تتمثل بالأساس فى إرادة الدولة المصرية وقدرتها على مواجهة التحديات مهما تغيرت أشكالها، فما تحقق فى مواجهة الإرهاب بسيناء منذ عام 2018 يمثل دليلاً على قدرة الدولة على التعامل مع تهديد بالغ التعقيد».

بدوره، قال اللواء محمد بكر، الخبير فى مكافحة الإرهاب، إن التجربة المصرية فى مواجهة التنظيمات الإرهابية نجحت لأنها لم تكتفِ بالتعامل مع العناصر التى حملت السلاح، وإنما استهدفت البنية التى سمحت لهذه التنظيمات بالاستمرار، من خلال التعامل مع شبكات التمويل والإمداد والتجنيد، ومواجهة الأفكار المتطرفة، بالتوازى مع الجهد الأمنى والعسكري، وتراهن التنظيمات الإرهابية دائماً على قدرتها بإعادة إنتاج نفسها، بحيث لا يمثل سقوط عدد من عناصرها نهاية حقيقية لها، ولذلك فإن معيار النجاح فى مكافحة الإرهاب لا يرتبط فقط بتراجع العمليات، وإنما بمدى قدرة الدولة على تفكيك الشبكات التى توفر للتنظيم عناصر جديدة ومصادر تمويل ووسائل اتصال ودعم لوجستي، وما شهدته سيناء خلال السنوات الماضية يعكس تحولاً واضحاً فى طبيعة المواجهة بعدما انتقلت الدولة من التعامل مع تهديدات متفرقة إلى استهداف البنية التنظيمية للإرهاب، وهو ما أدى إلى إضعاف قدرته على الحركة والتمدد وحرمانه من المساحات التى كان يحاول استغلالها لإعادة بناء نفوذه».

وأشار «بكر»، إلى أن «تجربة مصر فى مكافحة الإرهاب تؤكد أن أقوى حائط صد أمام التنظيمات المتطرفة هو تماسك الدولة والمجتمع معاً، فحين تتكامل جهود القوات المسلحة والشرطة والمؤسسات المختلفة، ويتعاون المواطن مع الدولة، تصبح قدرة التنظيمات على اختراق المجتمع أو بناء حاضنة لها محدودة للغاية، وتحمل ذكرى أكتوبر فى هذا السياق معنى يتجاوز الاحتفال بانتصار عسكري، لأنها تذكر الأجيال بأن حماية الأرض والسيادة ليست مهمة تنتهى بتحقيق النصر، وإنما مسئولية مستمرة وهو ما ظهر بوضوح عندما انتقلت مصر من معركة استعادة سيناء إلى معركة حماية أرضها من الإرهاب، وبقيت العقيدة واحدة، الأرض المصرية لا تُترك لمنْ يحاول تهديدها أو العبث بأمنها».

أخبار الساعة

الاكثر قراءة