لم يبدأ عمل آلة الصحافة والإعلام المصرى مع اندلاع العملية العسكرية فى السادس من أكتوبر 1973، بل سبقتها سنوات طويلة من العمل والتنسيق بين القيادة السياسية والعسكرية وإعادة بناء ثقة الإعلام المصرى لدى الجمهور العربى والدولى، ومن هنا بدأت خطة متكاملة داخل وزارة الإعلام برئاسة الدكتور محمد عبدالقادر حاتم، بالتنسيق مع القيادة المصرية، بهدف رئيسى وهو تحقيق المفاجأة الاستراتيجية للحرب عن طريق إقناع إسرائيل والمجتمع الدولى بأن مصر لن تخوض حربًا وإنما تتمسك بالحل السياسى.
وشملت الخطة إدارة الصورة التى ستصل إلى إسرائيل خلال الفترة التى سبقت الحرب؛ فأصبح كل ما تنشره الصحافة المصرية ويُذاع عبر الإذاعة والتلفزيون عملية إعادة تشكيل لإدراك الخصم وتوجيهه نحو التقدير الخاطئ للنوايا المصرية عن طريق خط رئيسي، وهو تغذية الشعور بالغطرسة الإسرائيلية؛ حيث جرى استثمار صورة التفوق الإسرائيلى التى ترسخت بعد 1967.
حجب المعلومات والسرية التامة لم تكن الطريقة الوحيدة التى انتهجتها الصحافة المصرية؛ إذ ركزت على تصدير «حالة استرخاء كاملة» من خلال التركيز على الشأن الداخلى المصري، وتكثف هذا النهج بشكل خاص فى أواخر سبتمبر وبداية أكتوبر 73، حيث ركزت الأخبار على الاستعدادات لشهر رمضان والمشاكل الاقتصادية اليومية، والأبرز تغطية «التسريح والمناورات العادية»؛ إذ كانت الصحف تنشر بانتظام أخبارًا عن تسريح دفعات من الجنود المصريين من الخدمة العسكرية، أو الإعلان عن فتح باب رحلات العُمرة لضباط وجنود القوات المسلحة، حتى مناورات العبور التدريبية كان يتم التعامل معها صحفيًا باعتبارها «تدريبات دورية سنوية روتينية مكررة»، مما جعل الاستخبارات الإسرائيلية تقع فى فخ «الاعتياد وتجاهل المؤشرات»، وحتى صباح يوم 6 أكتوبر، كانت الجرائد تنشر جداول مباريات الدورى العام المصرى لكرة القدم (مثل مباراة غزل المحلة والطيران التى لعبت بالفعل وقت العبور)، مما رسخ انطباعًا كاملًا لدى الملحقين العسكريين الأجانب بأن الدولة لا تعيش أجواء حرب.
ولعل أذكى ما جاء فى خطة الصحافة والإعلام المصرى للخداع الاستراتيجى قبيل الحرب هو «فبركة الأزمات التموينية» وتناول «تظاهرات الطلاب ضد الرئيس الراحل أنور السادات»، ففى إطار استمرار خطة الخداع على المستوى الداخلي، سَرَّب جهاز المخابرات العامة معلومات بأن أضرارًا بالغة قد أصابت مخزونات القمح المحلية، نتيجة لعدة عوامل؛ من بينها غمر أمطار الشتاء بعض صوامع القمح، ونشوب عدة حرائق فى صوامع أخرى، بجانب إصابة كميات من القمح المخزن بنوع من الفطريات، وقد حُول الأمر لفضيحة تداولتها وسائل الإعلام، واستوردت مصر على إثرها الكميات المطلوبة من القمح لتوفير السلع التموينية دون إثارة أى شبهة، خاصة وأن توفر مخزونات كافية من المواد الاستراتيجية -كالقمح والسكر والأرز- لا يقل أهمية عن توفر الذخائر والأسلحة للقوات المسلحة.
استكمالًا للخطة المصرية، كان تناول الصحافة المصرية لتظاهرات طلاب الجامعات (وتحديدًا انتفاضتى يناير 1972 و1973) ضد الرئيس السادات -لعدم اتخاذه قرار الحرب- يُمثل أحد أذكى الفصول غير المقصودة فى خطة «الخداع الاستراتيجى»، فبالرغم من أن المظاهرات كانت حركة وطنية صادقة وغاضبة من الطلاب للمطالبة بتحرير الأرض واحتجاجًا على إعلان السادات عام 1971 «عامًا للضباب» بدلًا من «عام الحسم»، إلا أن الطريقة التى أدارت بها الدولة التغطية الصحفية لهذه الاحتجاجات أسهمت بشكل مباشر فى تضليل أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية والغربية، وجرى ذلك من خلال شيطنة الحراك ووصفه بالمؤامرة الخارجية؛ إذ لم تُظهر الصحف القومية المظاهرات على أنها رغبة شعبية عارمة فى القتال، بل جرى تصويرها كـ«حالة شغب واضطراب داخلى» مدفوعة بأجندات مشبوهة، وركزت الصحف على خطابات السادات التى اتهم فيها المتظاهرين بأنهم «عناصر مخربة» أو «أصابع خارجية تهدف إلى شق الجبهة الداخلية»، وفى يناير 1973، صدرت الصحف القومية بمانشيتات تعلن إغلاق الجامعات المصرية لمدة شهر كامل وتقديم الطلاب للمحاكمات، وبحسب ما نشرته صحيفة «نيويورك تايمز»، فبالنسبة للمحلل الاستخبارى الإسرائيلى (المكلف بقراءة هذه الصحف)، كان هذا دليلًا قاطعًا على أن نظام السادات يترنح، ويصب كل تركيزه على إطفاء الحرائق الداخلية وتأمين كرسيه، وليس لديه أى ترف أو قدرة على التخطيط لعبور أصعب مانع مائى فى التاريخ (خط بارليف) كما روجت له إسرائيل.
وفقًا للوثائق واعترافات قادة المخابرات الإسرائيلية لاحقًا، فإن إسرائيل ارتكبت خطًا فادحًا فى «تحليل المضمون» للصحافة المصرية؛ إذ ابتلعت الطُعم كاملًا، معتقدة أن السادات يواجه ثورة واهتزازًا فى الشرعية، وأن تهديداته بالحرب ليست إلا محاولات بائسة منه لتصدير أزمته الداخلية لكسب الوقت، كما ربطت إسرائيل -خاطئة فى تقديرها- التغطية الصحفية التى ركزت على مطالب الطلاب بمعالجة الأزمات باستحالة قدرة مصر على تمويل مجهود حرب، وكانت المفاجأة الصادمة عندما بدأت الحرب؛ إذ تبين أن السادات استغل هذا المشهد بذكاء؛ فبينما كان الطلاب يضغطون بصدق من أجل الحرب، كان السادات يستفيد من التغطية الإعلامية لاحتجاجاتهم ليقول لإسرائيل عبر المانشيتات: «أنا ضعيف ومحاصر بالمشاكل.. فلا تقلقوا من حشودى على الجبهة».
معركة الوعى وسردية النصر
لم يقتصر دور الصحافة المصرية عند مرحلة الخداع الاستراتيجى قبيل المعركة؛ فبعد اندلاع الحرب، بدأت مرحلة جديدة من معركة الوعى التى قادتها مصر خلال حرب 73، إذ عملت على تصدير السردية المصرية للعالم من خلال عدد من المناهج:
الدقة والمصداقية: التزمت القاهرة بالدقة الشديدة فى الأرقام، مما دفع وكالات الأنباء العالمية لاعتماد الرواية المصرية بعد أن ثبت كذب الادعاءات الإسرائيلية الأولية (مثل ادعاء تحطيم عظام الجيش المصري)، وكانت تلك الخطوة تمهيدًا للخطوة التالية.
الهدوء والواقعية: نجحت مصر فى تصدير سرديتها حول الحرب عبر صحافة اتسمت بالهدوء والواقعية، مقدمة الحرب كعملية شرعية لاستعادة أراضٍ محتلة وإعادة فتح قناة السويس للملاحة الدولية والتجارة والاستقرار.
الانفتاح على الإعلام الأجنبي: سمحت مصر مبكرًا لمراسلين وصحفيين غربيين بزيارة الجبهة ورؤية الجسور المصرية والجنود وهم يعبرون القناة بأنفسهم، مما أدى إلى نقل وسائل الإعلام الغربية لصور «الاستسلام الإسرائيلى فى حصون خط بارليف» مباشرة للعالم، وهو ما حسم معركة الإدراك الدولى لصالح مصر.
تحطيم أسطورة «الجيش الذى لا يقهر»
فى المرحلة الثالثة والأكثر خطورة، استهدفت المنظومة الإعلامية المصرية خلخلة جدار الثقة بين المواطن الإسرائيلى وقيادته العسكرية، مستغلة نظرية «الأمن المطلق والجيش الذى لا يقهر» التى عاشوا فيها منذ 1967، وفضلًا عن الصدمة التى كشفتها الحرب فى دور الرقابة الحكومية والعسكرية الإسرائيلية -فى حجب المؤشرات المتزايدة التى كانت تنبئ بالنوايا المصرية وسقوط حصون خط بارليف، أو الفشل فى إطلاع الرأى العام عليها- وجهت الصحافة المصرية ضربة قاسية أخرى إلى المجتمع الإسرائيلى فى الأيام الأولى للحرب.
فقد كانت السردية المصرية واضحة ودقيقة فى مواجهة تصريحات القادة الإسرائيليين والأنباء والمعلومات الصادرة رسميًا؛ إذ أجبَر التفوق المصرى الميدانى الإعلام العسكرى الإسرائيلى على التكتم فى الأيام الأولى على حجم الخسائر البشرية والمادية، وهنا، لعبت البيانات والصور الصحفية المصرية المنقولة عبر الوكالات الدولية دورًا فى إيصال الحقيقة المُرة لعائلات الجنود الإسرائيليين، كما استخدمت مصر سلاح الصورة الحية؛ فكان نشر صور أسرى الجيش الإسرائيلى وصور العبور بمثابة تحطيم لل«بروباجندا» الإسرائيلية فى الداخل.