رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

أكتوبر 1973.. فرضنا السلام من موقع القوة


6-10-2026 | 13:24

.

طباعة
بقلم: اللواء محمد قشقوش

لم تكن حرب أكتوبر خيارًا، بل كانت حربًا حتمية فرضتها هزيمة 67، واحتلال سيناء، وإغلاق قناة السويس، كان لا بد من هذه الحرب لحل ثلاث نقاط: تحرير الأرض، ومحو أثر هزيمة كانت هزيمة بلا حرب، ثم فتح قناة السويس لصالح الاقتصاد المصرى.

أقول «هزيمة بلا حرب» لأننى حضرت 67، وكنت فى القصيم على الحدود المصرية الإسرائيلية، قامت الحرب، وصدر أمر الانسحاب يوم الحرب، وانسحبنا فى يومين ونصف، ولم نر أى قوات إسرائيلية، لم نر غير الطيران الإسرائيلى ذهابًا وعودة يرتع بحرية، ويدمر المركبات والدبابات وكل ما يجده فى طريقه، كان مشهدًا مؤلمًا، لكنه بقى فى الذاكرة خلال حرب الاستنزاف وحرب 73، وكان وقودًا ودافعًا لأن تقوم الحرب، ولأن نستعد لها، ولأن نحرر الأرض، ولأن نمحو عار تلك المرحلة، وبفضل الله تم ذلك.

 

كانت مرحلة الاستنزاف، التى استمرت ست سنوات وأربعة أشهر، مرحلة انتقالية بين الهزيمة والانتصار، كانت فترة إعداد شامل للحرب: إعداد القوات، والأسلحة والمعدات، ومسرح العمليات، وإعداد الدولة سياسيًا واقتصاديًا. وعندما ننظر إلى دولة مثل ألمانيا، هُزمت فى الحرب العالمية الأولى عام 1918، واحتاجت 21 سنة لتبدأ الحرب العالمية الثانية، ورغم ذلك هُزمت مرة أخرى، أما مصر، فاحتاجت فقط ست سنوات وأربعة أشهر لتنتقل من هزيمة بلا حرب إلى انتصار مؤزر بفضل الله.

وكانت أهم مراحل الإعداد هى «حائط الصواريخ» والدفاع الجوى، لتحييد الطيران الإسرائيلى وهزيمته، وقد تحقق ذلك فى 30 يونيو، الذى يُعد يوم الدفاع الجوى، كان هذا هو السبب الرئيسى فى قبول إسرائيل وقف إطلاق النار، نتيجة سقوط الطائرات تباعًا من حائط الصواريخ، واستمر الأمر حتى مبادرة «روجرز» فى الأول من أغسطس 1970.

وتصاعدت حرب الاستنزاف من الأقل إلى الأكبر، ومن التدخل بالسلاح إلى التدخل القوى. فى المرحلة الأولى كانت إسرائيل تضرب مدن القناة، فتم تهجير مدن القناة، وهذا التهجير أعطى اليد المصرية حرية أكبر فى الرد على العربدة الإسرائيلية، قبل التهجير، لو ضربنا طلقة واحدة، كانوا يضربون الإسماعيلية أو السويس ليلًا ويهدون ما فيها، أما بعد التهجير، أصبحت اليد المصرية مطلقة، وهذا كله يُحسب للشعب المصرى العظيم، الذى تحمل التهجير ست سنوات، ثم عاد وأعاد الإعمار.

ذاكرة الرجال.. وثيقة فى مكتبى

تدرجت حرب الاستنزاف حتى وصلنا إلى أن نعبر قناة السويس ونعاقب القوات الإسرائيلية بأعمال فدائية داخل سيناء، كان لى الشرف أن أقود خمس عمليات، وأنا كنت ملازما أول، وما زلت أذكر الرجال: زملائى الملازم أول طارق سمك، والملازم مصطفى رمضان، والملازم محمد عبدين، والملازم سعودى، والرقيب حمزة، والرقيب فهيم حنا، وميخائيل، والعريف طلب.

وخضنا معًا عمليات ضد القوات الإسرائيلية تدرجت من الأقل إلى الأكبر إلى الأصعب، وانتهت بالإغارة على النقطة القوية فى نمرة 6 جنوب نمرة 6، التى كانت تحت الإنشاء ولم يكتمل احتلالها، لكن كان بها المهندسون ونقاط الحراسة، تمت المهاجمة يومى 9 و10 يوليو 1969، وكان لهذه القوة شرف مقابلة الرئيس جمال عبدالناصر، الذى تصادف وجوده بعدها بيومين، ومُنحت القوة كلها نوط الشجاعة العسكرى من الطبقة الأولى، ورغم أن عندى أنواطًا أخرى، فإن هذه الورقة تحديدًا أحتفظ بها معلقة فى مكتبى، لأنها مرتبطة بشخص الرئيس جمال عبدالناصر، وبالظروف التى تمت فيها، وبكونى كنت ملازمًا صغيرًا قائدًا لمجموعة فدائيين، كل هذه الاعتبارات تجعل لها قيمة كبيرة عندى.

حائط الصواريخ ومفاتيح العبور

فى حرب أكتوبر أسقطت مصر 209 طائرات من أصل 364 لدى إسرائيل، وليس 460 كما يُتداول فى بعض الروايات، وهذا رقم كبير جدًا ونسبة عالية جدًا، تحقق لدفاع جوى من السلاح السوفيتى وطيران أقل تقدمًا، ضد أقصى طيران متطور من أمريكا وفرنسا: الفانتوم، والسكاى هوك، والميراج.

وكان إعداد حائط الصواريخ أهم مفاتيح الإعداد للحرب، لأن الطيران الإسرائيلى لولا صواريخ الدفاع الجوى كان سيظل مسيطرًا على الأجواء، وعلى الأقل إن لم يكن الطيران المصرى متفوقًا كان يقوم بالواجبات الدفاعية والهجومية المحدودة شرق قناة السويس، لكن الدفاع الجوى هو الذى حيّد وهزم الطيران الإسرائيلي، وهو ما كان.

وبعد الإعداد الجيد، جاء التخطيط الدقيق الذى لم يغفل شاردة ولا واردة، وكان من أهم نقاطه خطة الخداع الاستراتيجى، واختيار توقيت الحرب، لم تترك قضية أو مشكلة إلا وغطاها التخطيط: من الساتر الترابى إلى فتحه بالمضخة المائية لبناء الكبارى والعبور، وهذا إعجاز مصرى نفذته القوات المصرية.

وأحب أن أذكر أن ذلك كان نتيجة الديمقراطية فى المؤسسة العسكرية؛ فكرة ملازم أول مهندس اسمه باقى يوسف، تبنتها القوات المسلحة وطورتها ونفذتها، لم يقل أحد: هذا ملازم أول صغير، لن نسمع كلامه، كانت هناك ديمقراطية مفتوحة فى الدراسة واتخاذ القرار داخل المؤسسة العسكرية، وهذا مثال قوى على هذا الإعجاز.

وكانت كل فتحة فى الساتر الترابى تحتاج رقمًا ضخمًا من المياه، والمياه التى تحمل التراب كانت إعجازًا فى التوقيت والتنظيم، وقد كان ارتفاع الساتر الترابى يصل إلى نحو 20 مترًا، أى ما يعادل سبعة أو ثمانية طوابق، لتخيل الموقف: أنت تتسلق ساترًا ترابيًا بهذا الحجم، وخط بارليف ملتصق به، فتبقى تتسلق وتقاتل فى الوقت نفسه، تحت ضغط نيران العدو وطيرانه، هذه بطولة تُحسب للجيش المصرى.

الخداع والتوقيت.. وعبقرية التنفيذ

تم اختيار وقت الحرب بعناية من التخطيط المصرى العبقرى، روعى فيه وضع الجولان، والمد والجزر، ووضع القمر، وحركة المناورات التى تمت فى مايو وما زال الإسرائيليون متخبطين بشأنها، هل سيجرى مناورة ثانية أم لا؟ ورُوعى أيضًا الشهر العربى، ووضع القمر، وحاجة بناء الكبارى، وحركة الدبابات ليلًا، لم تُترك نقطة واحدة دون دراسة.

وكان تنفيذ الحرب شجاعًا، تم تدمير خط بارليف، وأسر من أسر، وفى مواقع مثل لسان بور توفيق والقنطرة استسلمت مواقع بعد خمسة أيام من الحصار، وفى المقابل، موقع التبريد فى الضفة الأخرى صمد 104 أيام وقاتل حتى فض الاشتباك، وهذه نقطة فى المقارنة تهمنا، بعد خط بارليف وصد الاحتياطيات، تم الاستيلاء وإقامة رأس الشاطئ أو رأس الكوبرى، وكلمة «رأس الكوبرى» تُستخدم عندما تكون المنطقة مبنية على ساحل له شاطئ، مثل النهر أو القناة، أما إذا كانت ناحية واحدة بحر، فنقول رأس الشاطئ وليس رأس الكوبرى.

من النصر العسكرى إلى السلام

النصر الذى تحقق كان المفتاح الرئيسى للمرحلة التالية، نصر عسكرى بعد إعداد وتخطيط جيد، وتنفيذ شجاع، أفضى إلى سلام من منطلق القوة، ما كان يمكن أن يكون هناك سلام والأرض محتلة، حرب أكتوبر هى التى حركت الموقف، وهى التى أدت إلى ذلك، بدليل أنه خلال الاستنزاف ذهبت مبادرات الأمم المتحدة وعدم الانحياز وعشرات رؤساء الدول الأفارقة إلى إسرائيل، ولم تسفر عن شيء، فـ«أكتوبر» هى التى أفضت إلى الانتصار، وهى التى جعلت الرئيس السادات يقدم على خطوته من منطلق قوة، مع دعم أمريكى للطرفين، وهذه نقطة تُحسب لمصر.

وبعد الحرب جاء انتصار عسكرى، ثم انتصار سياسى، ثم استُكمل الانتصار السياسى بانتصار قانونى فى مفاوضات طابا، التى لا تتجاوز مساحتها كيلومترات قليلة، لكن ذلك كان الدليل على أن مصر، كما قال الرئيس، لا تفرط فى ذرة رمل، وحبة الرمل تساوى جزءًا من سيادة الدولة، ونحن لا نفرط فى أرض ولا فى سيادة.

وهناك دروس مستفادة كثيرة فى استراتيجية الحرب وخططها الاستراتيجية التى خدعت العالم كله، وخدعت الولايات المتحدة، يكفى أن وزير الخارجية الدكتور الزيات كان فى واشنطن مع السفير المصرى الدكتور أشرف غربال، وكان فى السادس من أكتوبر سيقابل وكيل وزارة الخارجية الأمريكية تمهيدًا لمقابلة كيسنجر، وعندما حُدد الميعاد وفرق التوقيت، كانت الحرب قد بدأت، هذا منتهى النجاح فى خطة خداع استراتيجى ضخمة.

نحن عملنا الخطة على مستوى الدولة، وعلى مستوى الوزارات، وعلى مستوى القوات المسلحة، من أول الدولة حتى الجندى الذى كان يصطاد سمكًا وينشر ملابسه ويسبح فى قناة السويس صباح يوم 6 أكتوبر.

فتحية لأبطال مصر، للشعب المصرى، للجيش المصرى، ورحمة الله على أرواح الشهداء، ودعواتنا بالسلامة لكل مصاب، وبالفخر لكل من حضر هذه الحرب وما زال على قيد الحياة، وتمنياتنا أن يكون هذا الدرس المستفاد درسًا لأجيالنا القادمة: بالتخطيط والإعداد الجيد، والأخذ بالأسباب، والتوكل على الله، نستطيع أن نحقق أى شيء، ونسأل الله أن يفتح بمصر إلى رحاب أوسع، وهو ما نهدف إليه الآن وغدًا فى بناء مصر الحديثة بإذن الله.

دروس أكتوبر.. والسؤال المفتوح

إذا كان الدرس الأول أن حرب أكتوبر أخرجت السلام من موقع قوة، فإن السؤال اليوم: كيف تواصل القاهرة ترسيخ هذا السلام، وتتصدى من منطلق القوة لمغامرات إشعال المنطقة؟

المنطقة فى وضعها الحالى مشتعلة فى كل الاتجاهات: غربًا وجنوبًا وشرقًا، انقسام فى ليبيا، وحرب شبه أهلية فى السودان، وشبه حرب أهلية فى اليمن، وانقسام كبير وتشرذم فى العراق. لبنان يعانى من الاحتلال الإسرائيلى فى الجنوب، ومن مشكلة الجنوب اللبنانى المدعوم من إيران مع القوى الوطنية اللبنانية، سوريا خرجت من المعادلة عسكريًا، لكنها تعانى من وجود إسرائيل على جزء من أرضها، ومن حساسية كبيرة فى التعامل بين إسرائيل وتركيا على الأرض السورية، ناهيك عن الموقف الإيرانى من المنطقة ككل، والموقف الإيرانى من الأمريكيين والإسرائيليين.

وإذا كان الخليج بهذا الشكل، والعراق، وسوريا، ولبنان، وليبيا، والسودان، واليمن، فإن أغلبية الشعب العربى المتبقى هو الأردن، وهو أيضًا تحت رحمة الصواريخ الإيرانية لأنها تعبر الأجواء فى طريقها إلى الأهداف الأمريكية أو الإسرائيلية، فلا يتبقى عندنا سوى المغرب العربي، وليس كله: تونس والجزائر والمغرب وموريتانيا، وبالتالى، الجهد الذى تبذله مصر فى جميع المجالات والجبهات والمقابلات الدولية والرئاسية والثنائية والمشتركة هو البحث عن الحلول السياسية، لأنه ثبت أن الحلول العسكرية تؤجج الموقف ولا تحله، أى تزيد المشكلة ولا تحلها، والأطراف الأخرى، مثل الأمريكيين، تنظر إلى مصلحتها، ومصلحتها هى وإسرائيل متعارضة مع المصلحة الإيرانية، ومتعارضة مع معظم المصالح العربية، وبالتالي يجب أن يكون صوت العقل موجودًا.

ونستطيع أن نحل مع أنفسنا، ما المشكلة؟ كما حدث فى سوريا، عندما قال مظلوم عبدى، قائد قوات سوريا الديمقراطية، إننا سنلقى السلاح ولن نفكك أنفسنا وسننضم بسلاحنا إلى الجيش الوطنى السورى، ماذا لو فعلت قوات الدعم السريع السودانى الشيء نفسه؟ ماذا عن لحمة السودان؟ المفروض أن المثال الذى تم فى شرق سوريا يُبنى عليه للأقاليم الأخرى المنقسمة فى سوريا واليمن، لكن هذا كله مرتبط بالتدخلات الإيرانية، وبالتالى نزع الفتيل مطلوب من جهتين: إسرائيل وإيران، لو كفت إسرائيل يدها، وكفت إيران يدها، يمكن أن تبقى أصوات العقل مسموعة للوصول إلى حلول مناسبة ووسطية، لكن طالما بقيت هذه الأطراف، ستبقى الحلول صعبة.

أوقات صعبة جدًا، عندنا المثال اللبنانى: رغم وجود إطار وتفاهمات أمريكية - إسرائيلية - لبنانية فى أمريكا، فإن الوضع فى الجنوب ما زال متفجرًا، حزب الله يهدد، وإسرائيل تهدد وتنفذ تهديداتها، وبالتالى هذه الحلقة المفرغة يجب أن تنتهى، لن تنتهى بين يوم وليلة، ولكن على الأقل يجب للمجتمع المتحضر أن يبدأ، القوى الأخرى: الصين، الاتحاد الأوروبي، ولو كفت روسيا يدها ووصلت إلى حلول مع أوكرانيا، قد تكون قوة فاعلة دوليًا، لكنها ما زالت منغمسة فى حرب أخرى.

وفى هذا الإطار، نعود ونؤكد على أن مصر تقوم بدور كبير جدًا، الرئيس عبدالفتاح السيسى شخصيًا، والحكومة المصرية، ووزير الخارجية، لا يلوون جهدًا فى هذا المسار مع الوسطاء ومع كل الأطراف، بدءًا بالدائرة المباشرة الملاصقة لمصر: ليبيا، السودان، غزة، البحر المتوسط. ثم تتسع الدائرة لتشمل لبنان وسوريا والأردن، ثم تتسع لتشمل اليمن والعراق، هذا لا مفر منه، وإلا ستبقى الدول العربية، التى هى قلب الشرق الأوسط، فى مشكلة اليوم وغدًا وبعده، وهذا ما لا نتمناه.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة