رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الجندى السيد عباسى: أسقطت العلم الإسرائيلى


6-10-2026 | 13:23

الجندى السيد عباسى

طباعة
حوار: منار عصام

لم يكن الجندى المصرى يعرف كيف ستنتهى المعركة لكنه كان يعرف جيدا لماذا يقاتل، فحمل سلاحه وعبر القناة ومضى إلى سيناء تاركا خلفه الخوف والقلق، ومقدما أغلى ما يملك دفاعا عن الأرض والوطن، ومن بين هؤلاء الأبطال، يقف الجندى السيد عباسى، شاهدا على واحدة من أهم صفحات حرب أكتوبر، حيث عاش لحظات الاستعداد والانتظار، ثم شهد العبور العظيم، وخاض معاركها الصعبة، وعاصر معركة الثغرة، قبل أن يعود من الحرب وفى جسده ست شظايا بقيت شاهدة على أيام لم تكن عادية فى تاريخ مصر.

 

ماذا عن دورك فى حرب أكتوبر المجيدة؟

كنت مقاتلاً فى إحدى كتائب المدفعية المسلحة بسلاح أمريكى فى حرب أكتوبر، لأن الجيش المصرى كان مسلحاً بأسلحة من الاتحاد السوفيتي، لكن هذه الكتيبة كانت تحمل مدافع «إم 109» عيار 155 ملم، وهى مدافع ثقيلة محملة على هيكل دبابة ذاتية الحركة، وكنا مكلفين بتدمير إحدى النقاط القوية الإسرائيلية فى منطقة الدفرسوار والتى كانت جزءاً من خط بارليف المنيع.

وما طبيعة هذه المهمة، وكيف كنتم تستهدفون هذه النقطة؟

كنا نضرب النقطة القوية بطريقة غير مباشرة، أى أننا لا نرى الهدف بأعيننا حيث كان الهدف شرق قناة السويس خلف خط بارليف، والاستطلاع ونقاط المراقبة المصرية التى كانت موجودة على مناطق مرتفعة هى التى كانت ترى الهدف وترسل لنا الإحداثيات الدقيقة، ونحن نقوم بضرب النقطة بناء على هذه الإحداثيات، وهذا النوع من الضرب يحتاج إلى دقة عالية وتدريب مكثف.

حدّثنا عن أيام الخداع الاستراتيجى قبل الحرب، وكيف كنتم تخفون استعداداتكم عن العدو؟

كان الخداع جزءاً أساسياً من الخطة فقد كنا نوجه مدافعنا نحو قلب سيناء، وكنا نربط فى مواسير المدافع حبالاً وكأننا نلعب بها، وكنا لا نرتدى ملابس القتال، كل هذا لكى يتوهم العدو بأننا فى حالة استبعاد تام عن أى استعداد للحرب، وكانت النتيجة أن موشى ديان وزير الدفاع الإسرائيلى قال فى تصريح شهير: «الجيش المصرى هذا لن تقوم له قومة ولا بعد 50 سنة»، لكننا كنا جاهزين تماماً، ومجهزين ومنتظرين ساعة الصفر بفارغ الصبر.

ماذا عن الأحلام التى كانت تراودك قبل الحرب، وما الذى كنتم تطمحون إليه؟

كان لدينا ثلاثة أحلام الأول: أن أقابل العسكرى الإسرائيلى الذى كان يقف على الجانب الآخر ويسبّنا كل صباح، وكنت أحلم بلقائه، أتساءل: ماذا سيفعل عندما نلتقى وجهاً لوجه؟، أما الحلم الثانى فمرتبط بالعلم الإسرائيلى الذى كان يرفرف أمامنا فكنت أحلم بإسقاط هذا العلم، ورؤية العلم المصرى يرفرف مكانه، والحلم الثالث: عبور قناة السويس والوصول إلى سيناء، وتقبيل ترابها، هذه الأحلام الثلاثة كانت تسكننى وتدفعنى إلى الأمام.

وكيف كان شعورك يوم 6 أكتوبر؟

يوم 6 أكتوبر، استيقظنا من النوم وبدأنا نرتدى ملابس القتال ونتجهز تماماً، كنا نتفقد كل شيء؛ الوقود، والذخيرة، والطعام المعلب فى الدواليب، والساعات كانت تمر ببطء شديد كأنها تتحدانا وكنا نسأل بعضنا: «هل هناك أخبار؟»، وكل منا كان يسأل القادة وكانوا ينظرون إلينا ولا يجيبون لأن التوقيت كان طى الكتمان، حتى الساعة 11، 12، الواحدة ظهراً، وفى الساعة الثانية سمعنا صوت الطيران قادماً من الغرب قريباً جداً وكأن الصوت يقول لنا: «الله أكبر»، وانطلق الطيران، وتحولت سيناء إلى سلسلة من الانفجارات واللهب، وكنا ننظر إلى بعضنا البعض فى دهشة: هل نحن فى حلم أم فى حقيقة؟ ثم بدأت المدفعية تضرب، أكثر من ألفى مدفع كانت تضرب فى وقت واحد على طول الجبهة من السويس إلى بورسعيد، وتحولت سيناء إلى لون قاتم أحمر وأسود وكأنها تشتعل، وكنا نرى الحمام الأبيض يطير بأعداد كبيرة، كان مشهداً لا يوصف وربما لا يصدقه منْ لم يعشه، لكنه الحقيقة التى رأيناها بأعيننا.

ماذا حدث بعد الضربة الجوية والمدفعية، وكيف كان العبور؟

أثناء الضرب المدفعى بدأت الكبارى تُنصب، فكل عربية تحمل جزءاً من كوبرى وتتجه إلى شاطئ القناة وترمى الأجزاء فى الماء فتنفرد وتتصل ببعضها لتشكل الكوبري، وقوات المهندسين كانت موجودة فى الماء، تتحرك وتوجه الأجزاء وفى نفس الوقت كانت قوات المشاة والصاعقة تملأ القناة بالزوارق، وكل واحد كان يريد الوصول إلى الضفة الشرقية بأسرع وقت، وكنا نشاهد الجنود وهم يتسلقون الساتر الترابى وكأنهم يمشون على الأرض العادية رغم أن ميل الساتر كان شديداً جداً، فوصلنا إلى الكوبري وعبرنا، وشعرت أن الكوبرى يستقبلنا وكأنه يبتسم لنا ويقول لنا: «تعالوا»، وعندما وصلت إلى الضفة الأخرى إلى أرض سيناء نزلت على ركبتى وقبّلت ترابها وبكيت، ومعظم زملائى فعلوا نفس الشيء وكانت سيمفونية عجيبة من المشاعر، كنا نبكى ونتأثر ونحن على الأرض المحتلة، وكأننا نحقق حلم العمر.

ماذا عن أصعب لحظة مرت بك فى هذه المعركة؟

فى نهاية المعركة، كان العدو يضربنا حتى إنه انفجرت قنبلة بجوارى واستشهد زميلى الذى كان بجانبي، وتطايرت الشظايا، ودخلت اثنتان فى جسدي، وكسرت رجلى اليمنى، وحتى الآن أنا ما زلت أحمل ست شظايا فى جسدى والحمد لله أرتديها كوسام شرف.

كيف استطعتم تحدّى فارق التسليح الهائل بينكم وبين العدو وتحقيق هذا النصر؟

كانت لدينا إرادة لا تُقهر. كنا نؤمن بأننا إما ننتصر أو نموت ولا حل ثالث، كان الموت أقرب إلينا من الحياة، كنا نشعر بأننا متلبسون بالأرض التى حررناها، لا يمكن لأحد أن ينتزعها منا وكانت لدينا عزيمة قوية جداً، وتشبث بالنصر وكانت أسلحتنا لا تصل إلى خمس أسلحتهم، لكن إرادتنا كانت أقوى من كل الأسلحة.

كيف تصف علاقة القادة بالجنود فى تلك الأيام العصيبة؟

كانت العلاقة بين القادة والجنود كعلاقة الأب بأبنائه، أو الأخ بإخوته كنا ننسى أنهم قادة لأنهم كانوا يتقدمون علينا فى ساحة المعركة، فقائد كتيبتنا كان يسبقنا بثلاثة كيلومترات داخل سيناء، وهذا دليل على أن القادة كانوا يواجهون العدو أكثر منا، وكانوا أقرب إلينا منا، فعندما نرى القادة بهذه الروح ننسى أنفسنا ونندفع بقوة خارقة.

وكيف كانت مشاعرك حين تم إسقاط العلم الإسرائيلي؟

كان مشهداً مهيباً فقد رفعنا العلم المصرى مكان العلم الإسرائيلي، وشعرنا أننا استعدنا كرامتنا، وأننا انتصرنا على أنفسنا أولاً قبل أن ننتصر على العدو وكان الشعور لا يوصف.

حدثنا عن رفاقك الشهداء الذين سقطوا فى المعركة؟

لى زميل اسمه «على صلاح الدين» من القاهرة، كان هادئاً ورقيقاً، قريباً من الجميع واستشهد أيضاً وكان وجهه كالبدر بعد استشهاده، منيراً أبيض، رأيته على باب الدبابة وقد اخترقت القذيفة خوذته ومنظر وجهه كان شيئاً لا يُنسى، وكأنه يبتسم لنا من السماء.

وكيف كانت إصابتك وماذا حدث؟

كان هناك زميلى بجواري، انفجرت قنبلة، وتطايرت شظاياها فأصابته. حاولت أن أمد يدى لأنجده، لكننى اكتشفت أن جسدى مكسور، رجلى اليمنى مكسورة، واليسرى بها شظايا ولم أشعر بالألم فى تلك اللحظة، كنت أنظر إلى زميلى وأحاول إنقاذه، مرت 53 سنة وما زلت أرى كل هذه المشاهد وكأنها تحدث الآن.

وماذا عن طبيعة التدريبات التى تم خوضها قبل الحرب؟

كنا نتدرب على نوعين من الضرب: ضرب مباشر حيث نرى الهدف، وضرب غير مباشر حيث لا نراه، ونعتمد على الإحداثيات من الاستطلاع، تدربنا على ضرب أهداف ثابتة، وأهداف متحركة، كنا نضرب أهدافاً لا نراها، وننجح فى تدميرها، هذا التدريب المكثف جعلنا جاهزين لخوض المعركة بكل ثقة.

ماذا عن الموقف المعنوى قبل الحرب، وكيف كانت الروح بين الجنود؟

كان هناك توجيه معنوى قوي، كان يحببنا فى النصر ويجعلنا نؤمن بأن العدو مهزوم لا محالة، أنا شخصياً كان عمرى 21 سنة، وكنت شاباً صغيراً، لكننى كنت مؤمناً بالقضية، فى يوم من الأيام، جاءنى جندى قديم من جنود 67 وقال لي: «يا ابني، أنت جاى مع مين؟» قلت له: «جاى عشان أعبر قناة السويس، وأدمر خط بارليف، وأنهى أسطورة الجيش الذى لا يقهر» فقال لي: «إنت بتتكلم جد؟» قلت له: «والله، أنا جاهز، يا إما نستشهد، يا إما ننتصر»، نظر إلى وقال: «الله يطمنا» هذه الروح كانت موجودة فى كل جندى مصري.

كيف نحافظ على روح أكتوبر، ونواجه المؤامرات التى تُحاك ضد سيناء اليوم؟

روح أكتوبر يجب أن تظل حية فينا، نحن متشبثون بأرضنا، وإرادتنا قوية وعزيمتنا صلبة، وقيادتنا شريفة تحب مصر، الذى يحب وطنه يضحّى من أجله بكل ما يملك، ويجب أن نذكّر الأجيال الجديدة بقصص الأبطال، وأن نعلمهم أن التضحية والفداء هما الطريق للحفاظ على الكرامة، فسيناء مستهدفة دائماً، لكننا سنظل لها حماة، وسنضحى بأرواحنا من أجلها.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة