رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

العميد ثروت زكى.. بطل الكتيبة 12 مشاة: «سباق الدقائق» أسقط «تبة الشجرة»


6-10-2026 | 13:22

العميد ثروت زكى

طباعة
حوار: منار عصام

فى سجل تاريخ أكتوبر المجيد تظل بطولات المشاة المصرية نموذجاً فريداً للتضحية والفداء؛ حيث كان الجنود والضباط يسبقون الدبابات والمدفعية ويعبرون القناة تحت نيران العدو، ويواجهون المدرعات بأسلحتهم الخفيفة ويصنعون المستحيل بأيديهم وإيمانهم، ومن هؤلاء الأبطال يأتى العميد ثروت زكى، أحد ضباط الكتيبة 12 مشاة، الذى تخرج فى الكلية الحربية قبل حرب أكتوبر بـ45 يوماً فقط؛ ليكون فى قلب المعركة منذ لحظاتها الأولى، ويأتى هذا الحوار معه بمثابة شهادة حية من ضابط شاب شارك فى أخطر مهمة فى اليوم الأول للحرب، مهمة «سرية المفرزة» التى عبرت القناة قبل القوات الرئيسية؛ لتسبق العدو وتحتضن المواقع الحاكمة، فى سباق مع الزمن حسمته دقائق معدودة؛ حيث يروى تفاصيل العبور والاشتباكات العنيفة مع دبابات العدو، واستخدام صواريخ «المولوتيكا» التى كانت مفاجأة الحرب، والاستيلاء على موقع «تبة الشجرة» الاستراتيجي، الذى كان مركز قيادة القطاع الأوسط الإسرائيلى.

 
 

كيف كانت بدايتك العسكرية قبيل حرب أكتوبر؟

تخرجت فى الكلية الحربية قبل حرب أكتوبر بـ45 يوماً فقط، من دفعة 64 التحقت فوراً بوحدات الفرقة الثانية مشاة فى قطاع الإسماعيلية، وتحديداً اللواء الرابع، الكتيبة 12 مشاة كانت الكتيبة متمركزة فى منطقة المعدية رقم ستة، مقابل مدينة الإسماعيلية تماماً على الضفة الغربية لقناة السويس.

وما المهمة التى كُلفت بها الكتيبة فى يوم العبور؟

الكتيبة 12 مشاة كانت مكلفة بعبور قناة السويس فى الساعة 2:05 بعد انطلاق الطيران، أى بعد خمس دقائق من بدء القصف الجوي، وكانت مهمتنا الاندفاع بأقصى سرعة لمسافة كيلو ونصف الكيلو إلى الشرق، للاستيلاء على هيئة حاكمة تُسمى «تبة السبعات»، هذه التبة كانت تتحكم فى النقاط القوية الإسرائيلية المطلة على القناة، فإذا استولينا عليها قبل العدو، نمنعه من الوصول إلى القناة، كى لا يعطل تقدم قواتنا الرئيسية التى ستعبر بعدنا.

ماذا عن «سرية المفرزة» التى كنتم ضمنها، وما طبيعة مهمتها؟

«المفرزة» هى وحدة متقدمة من الكتيبة مهمتها العبور قبل القوة الرئيسية بهدف تأمين الموقع للقوات القادمة، وكنت ضمن سرية المفرزة بقيادة النقيب طلبة رضوان طلبة، وكانت تتكون من نخبة من الضباط والجنود، ومع بدء ضرب المدفعية فى الساعة الثانية ظهراً عبرنا القناة بالقوارب المطاطية، وتسلقنا الضفة الشرقية بأقصى سرعة، وتوجهنا نحو تبة السبعات ووصلنا إلى الموقع قبل العدو بثلاث دقائق فقط، كانت لحظة سباق حاسمة وفارق الزمن هذا كان كفيلاً بتغيير مجرى المعركة فى قطاعنا.

ماذا حدث بعد وصولك إلى تبة السبعات؟

بدأ النقيب طلبة فى تنظيم السرية وتوزيع الأفراد فى مواقعهم الدفاعية، وكان معنا دعم مميز عبارة عن صواريخ روسية تُسمى «المولوتيكا»، وهى صواريخ موجهة بالسلك، وكانت من مفاجآت حرب أكتوبر، والرامى يحمل الصاروخ وفى يده جهاز توجيه يطلق الصاروخ ويوجهه نحو الدبابة بواسطة سلك موصول، وهذه الصواريخ كانت سلاحاً فعالاً ضد المدرعات الإسرائيلية، وبمجرد أن استقرت السرية فى موقعها بدأت دباباتان إسرائيليتان تتحركان بأقصى سرعة باتجاهنا، فالنقيب طلبة انتظر حتى أصبحت الدبابتان فى مرمى النيران المناسب ثم أمر بإطلاق الصواريخ ودُمرت الدبابتان تماما، وعندما رأى باقى أفراد الكتيبة النيران تتصاعد من الدبابات، رفعوا أصواتهم بـ«الله أكبر» وانطلقوا بأقصى سرعة نحو موقعنا للانضمام إلينا والمشاركة فى هذا العمل البطولي.

كيف انضمت بقية قوات الكتيبة إلى موقع تبة السبعات؟

انضمت بقية قوة الكتيبة بقيادة المقدم أركان حرب رجب عبدالرحيم عثمان – رحمه الله – ومعه الرائد أركان حرب حمدى عبدالمقصود، وكان معهم قادة السرايا النقيب طلبة قائد السرية الأولى، والرائد أسامة قائد السرية الثانية، والرائد مصطفى رمضان قائد السرية الثالثة، ووصلوا حوالى الساعة 3:15 عصراً وانضموا إلينا، وبدأنا ندافع عن الموقع طوال الليل.

حدثنا عن واقعة الجندى البطل فايق صبحى غطاس التى رفعت بها الروح المعنوية للكتيبة؟

كانت ليلة صعبة، بدأ العدو يهاجمنا بالدبابات، فدخلت ثلاث دبابات إلى موقع الكتيبة، واخترقت إحداها الموقع واتجهت نحو القناة، وهنا قام الجندى فايق صبحى غطاس – رحمه الله – بعمل بطولي؛ حيث حمل قنبلة يدوية وجرى خلف الدبابة، وقذف القنبلة فى برجها فانفجرت الدبابة من الداخل واحترقت وسط الموقع، وقائد الكتيبة المقدم رجب رأى هذا الموقف، فقرر ترقية الجندى فايق من جندى إلى شاويش فى نفس اللحظة، وهذا كان تشجيعاً كبيراً لباقى الأفراد، وأعطاهم جرأة لمواجهة دبابات العدو.

كيف كانت مواجهتك للدبابات الإسرائيلية باستخدام الصواريخ والقنابل اليدوية؟

الكتيبة كانت منظمة فى فرق اقتناص الدبابات، كل فريق يتكون من فردين يحملان قاذفات «آر بى جي» وفرد ثالث يحمل رشاشاً خفيفاً لتغطيتهم، وفى الليل هاجمتنا دبابة أخرى فأصدر النقيب طلبة أوامره بتركيز النيران على نقاط ضعفها وتم تدميرها، وخرج طاقمها المكون من ثلاثة جنود إسرائيليين مذعورين، ولكن أفراد السرية وجهوا عليهم النيران، فعادوا إلى داخل الدبابة التى انفجرت بهم، كان مشهداً مرعباً بالنسبة لهم، لكنه كان انتصاراً كبيراً لنا.

ماذا عن الدبابة التى ظلّت وسط الموقع حتى الصباح؟

فى الليل تحركت دبابة إسرائيلية من جهة الميمنة ووصلت إلى القناة فأصابتها نيران قواتنا فى الجنزير، لكنها لم تتوقف تماماً فرجعت إلى الخلف وتوقفت خلف موقعى بالضبط، وبسبب الظلام لم نكتشف أنها دبابة للعدو إلا فى الصباح كانت واقعة غريبة أن تكون دبابة معادية وسط دباباتنا طوال الليل دون أن ندري، وعندما اكتشفناها أمرنا النقيب طلبة بمهاجمتها، فريق اقتناص الدبابات ضربها وخرج طاقمها المكون من ثلاثة أفراد وتم أسر من بقى منهم، وكان هذا الباقى منهم يهوديا عراقيا وهذا موقف لا أنساه.

استمر القتال يومى 7 و8 أكتوبر، ثم صدرت أوامر بالتقدم نحو «تبة الشجرة»، حدثنا عن هذه المرحلة؟

نعم ففى يوم 8 أكتوبر بالليل صدرت الأوامر بالتقدم نحو «تبة الشجرة»، على بعد حوالى 8 كيلومترات من موقعنا وكانت الكتيبة منظمة فى ثلاث سرايا، سرية على الميمنة بقيادة الرائد أسامة، وسرية على الميسرة بقيادة الرائد مصطفى، وسريتنا الأولى فى المنتصف للهجوم بالمواجهة، تحركنا ليلاً ووصلنا على بعد كيلو واحد من الموقع، ثم بدأنا الهجوم والمدفعية المصرية كانت تضرب نيراناً كثيفة على الموقع لشل حركة العدو والدبابات المرافقة كانت تغطى تقدمنا، وبعد حوالى ساعتين ونصف الساعة من القتال وجدنا العدو قد فر إلى الشرق هارباً مثل الفئران تاركاً وراءه دبابات وعربات مجنزرة مصابة، تركها كما هى بسبب قصف مدفعيتنا ودباباتنا.

ما الأهمية التى كان يمثلها موقع «تبة الشجرة»؟

«تبة الشجرة» كان موقعاً حصيناً جداً، وهو مركز قيادة القطاع الأوسط الإسرائيلي، وكان مقر قيادة هآرون بارليف نفسه، وكان مسيطراً على النقاط القوية الإسرائيلية على الضفة الشرقية للقناة، وكانت تنطلق منه الضربات على الإسماعيلية ومواقعنا غرب القناة، وسقوط هذا الموقع كان ضربة قاسية للعدو وفقد معها السيطرة على كل النقاط القوية فى القطاع، مما أدى إلى انهيارها واحدة تلو الأخرى، وما زال هذا الموقع حتى اليوم نصباً تذكارياً يحمل أسماء ضباط الكتيبة وشهدائها، يزوره المصريون ليشاهدوا بطولة الكتيبة 12 مشاة.

ما أصعب لحظة مرت بك خلال الحرب؟

أصعب لحظة كانت العبور بالقوارب، فالأفراد يكونون محملين بالأسلحة راكبين فى القوارب المطاطية لا يستطيعون الاشتباك مع العدو وهم عرضة للنيران من كل اتجاه، فلو كان العدو قد فتح أنابيب النابالم التى كانت تحت الماء، لتحول سطح القناة إلى بحر من النار واحترقت القوارب ومن فيها، لكن بفضل الله تمكنت قواتنا الخاصة من قفل هذه الأنابيب ليلة الهجوم، وزادت المدفعية المصرية من قصفها للمواقع الإسرائيلية، مما منعهم من رؤيتنا وإطلاق النار علينا أثناء العبور، وكانت لحظة ضعف شديدة لكن تجاوزناها بسلام.

من وجهة نظرك، هل انتصرت الروح القتالية المصرية على التكنولوجيا الإسرائيلية، أم كان التخطيط هو الفيصل فى النصر؟

الحقيقة أن إسرائيل كانت متفوقة علينا تكنولوجياً؛ الدبابات والطائرات والعربات المجنزرة، فدباباتهم «إم 60» أحدث وأسرع وأقوى مدفعاً من دباباتنا الروسية «تى 54» و«تى 62» وطائراتهم «فانتوم» كانت أحدث من طائراتنا «ميج 21» لكن التفوق جاء من ثلاثة عوامل: أولاً الروح المعنوية فكل جنودنا وضباطنا كانوا يحملون فى قلوبهم جراح 67، وكانوا مصممين على محو آثار الهزيمة واستعادة الكرامة، وكنا نؤمن بأن هذه أرضنا، وأن العدو اغتصبها، ولابد من تحريرها، والعامل الثانى هو التخطيط العبقري، فالقيادة المصرية خططت للحرب بدقة متناهية، واختارت توقيتاً مفاجئاً تماماً شهر رمضان، ويوم السبت عيد الغفران عند اليهود والساعة الثانية ظهراً، وهو توقيت غير معتاد للهجمات العسكرية وهذا كسر كل التوقعات الإسرائيلية، وتمثل العامل الثالث فى الابتكار باستخدام الأسلحة من صواريخ «المولوتيكا» الموجهة بالسلك، والتى كانت مفاجأة للعدو ومكنت المشاة من مواجهة الدبابات، واستغلت قواتنا كل إمكانياتها بأقصى كفاءة، وطوعت الأسلحة المتوفرة لتحقيق أقصى استفادة، هذا المزيج بين الإيمان والتخطيط والابتكار هو ما صنع النصر.

كيف تقيم حرب أكتوبر من الناحية العسكرية البحتة؟ وهل حققت كل أهدافها؟

الهدف الاستراتيجى لحرب أكتوبر كان عبور قناة السويس وتدمير خط بارليف واحتلال رأس جسر بعمق يتراوح بين 12 و15 كيلومتراً شرق القناة والصمود عليه وحرمان العدو من السيطرة على الضفة الشرقية للقناة، وهذا الهدف تحقق بالكامل وبفضل الله تمكنا من الوصول إلى عمق سيناء وحررنا أرضنا واستعدنا كرامتنا وهذا ما تم، والنصر العسكرى كان حقيقيا والدليل أن العالم أجمع اعترف به وإسرائيل اضطرت للجلوس إلى طاولة المفاوضات، وهذا لم يكن ليحدث لولا هذا النصر.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة