حدثنا عن العملية الشهيرة التى أطلقت عليها جولدا مائير اسم «السبت الحزين»، وكيف تم التخطيط لها وتنفيذها؟
قبل أن نتحدث عن العملية، دعينى أوضح السياق التاريخى الكامل، فبعد نكسة 67 كان الغرب وإسرائيل يحاولون إحراج القيادة المصرية فقاموا بسلسلة من العمليات العدوانية ضد العمق المصري، منها: مجزرة مدرسة بحر البقر التى راح ضحيتها العشرات من الأطفال الأبرياء، وقصف مصنع أبو زعبل الذى كان يمثل رمزاً للصناعة المصرية، وعملية الجزيرة الخضراء، وعملية شدوان، وعملية الزعفرانة، وغيرها من العمليات التى استهدفت المدنيين والمنشآت الحيوية وكانت كل هذه العمليات تهدف إلى إسقاط النظام وإيهام الشعب بأن القيادة عاجزة عن حمايته، وبالتالى إحداث شرخ عميق بين الشعب والقيادة السياسية وإجبار القيادة على الاستسلام أو التنحي، وكان الغرب يدرك أن الرئيس جمال عبد الناصر كان يمثل عقبة أمام مشاريعهم التوسعية فى المنطقة، وأن الشعوب العربية كانت تنظر إليه كرمز للمقاومة والكرامة لذلك كانوا يسعون بكل الطرق إلى إضعافه سواء عبر الضربات العسكرية المباشرة، أو عبر الضغوط الاقتصادية أو عبر محاولة قلب الرأى العام ضده، لكنهم فشلوا فى كل محاولاتهم لأن الشعب المصرى كان متمسكاً بزعيمه، وكان يرى فى هذه الضربات عدواناً يجب الرد عليه بقوة.
كيف كانت ردة الفعل المصرية على هذه الاعتداءات؟
قررت القيادة السياسية والعسكرية الرد بقوة وبمناسبة ذكرى 5 يونيو الثالثة أى فى عام 1970 قرروا توجيه قوات الصاعقة لتنفيذ عملية كبيرة، تكون بمثابة الرد الحاسم على إسرائيل، وتحقق أكبر قدر من الخسائر فى صفوف العدو، وتؤكد أن الجيش المصرى لا يزال قوياً قادراً على الرد، وأن كرامة مصر فوق كل اعتبار، وتم اختيار يوم السبت 30 مايو 1970 موعداً للعملية وهو يوم عطلة فى إسرائيل، حيث يتوقف كل شيء، وتقام الشعائر الدينية، مما يجعلهم فى حالة استرخاء تقلل من جاهزيتهم القتالية، وتجعلهم أكثر عرضة للضربات المفاجئة.
ما تفاصيل هذه العملية، وما الذى يجعلها بهذه الأهمية؟
كانت العملية عبارة عن اقتحام لموقع إسرائيلى متقدم بهدف تحقيق أكبر قدر من الخسائر فى صفوف العدو، والحصول على أسرى بأى ثمن فتدربنا على العملية أكثر من مرة فى مناطق مشابهة للتضاريس الأصلية حتى أتقناها تماماً، وصرنا ننفذها فى الظلام وكأننا نتحرك فى وضح النهار، لكن التوقيت كان متروكاً للسرية التامة لأننا كنا نشعر بوجود خيانة داخل الصفوف فكل دورية كانت تعبر القناة كانت تجد العدو فى انتظارها، وكانت تتكبد خسائر فادحة، وكان هذا يثير الريبة فى نفوس الجميع وكان من المعروف أن المقدم المهندس «فاروق الفقي» رئيس الفرع الهندسى للصاعقة هو الجاسوس الذى كان يبلغ العدو بمواعيد العمليات وخططها وتفاصيلها الدقيقة، ولم تقتصر صعوبة المهمة على لحظة الاشتباك العنيف مع العدو، بل امتدت إلى لحظة العودة التى كانت تمثل معركة موازية لا تقل خطورة عن معركة التقدم.
فالعبور من الضفة الشرقية إلى الغربية تحت نيران العدو المتواصلة كان بمثابة اختبار حقيقى للإرادة والشجاعة، فكنا نقطع المسافة فى قوارب مطاطية صغيرة جداً، ندفعها بأيدينا فى المياه المظلمة والعكرة بينما كانت الطلقات تتطاير حولنا كالمطر الغزير، وكانت القذائف تنفجر فى كل اتجاه، وكان كل واحد منا يعلم أن أى خطأ بسيط أو أى حركة غير محسوبة أو حتى أى وهلة تردد قد تكون كافية لتحويل النصر إلى مأساة ولتحويل العودة إلى استشهاد، لكننا كنا متماسكين متلاحمين كالجسد الواحد، نؤمن بأن الله معنا وأن هذه التضحية ليست سوى محطة قصيرة على طريق التحرير الطويل، وهذا الإيمان العميق هو ما كان يمنحنا القوة لمواصلة التقدم رغم وابل الرصاص الذى كان يحيط بنا من كل اتجاه، ورغم الخسائر التى كنا نتكبدها فى كل عملية.
نعود إلى عملية «السبت الحزين» كم كانت الخسائر الإسرائيلية فيها؟
كنا نظن أن الخسائر التى أوقعناها فى صفوف العدو تتراوح بين 20 إلى 30 قتيلاً، لكن العدو أعلن رسمياً عن 35 قتيلاً، بالإضافة إلى فقدان ثلاثة جنود أسرى ونجحنا فى أسر اثنين منهم، أما الثالث فمات أثناء العودة وسقط فى مياه القناة، والعملية لم تستغرق أكثر من 4 دقائق من بداية الاشتباك حتى النهاية، لكنها كانت كافية لإحداث أكبر خسائر فى صفوف العدو، وإثبات أن قوات الصاعقة قادرة على ضرب العدو فى أى وقت وأى مكان، وأن الرد المصرى سيكون موجعاً ومؤثراً، وأن الجيش المصرى قد استعاد عافيته وجاهزيته.
هذا رقم مذهل فى 4 دقائق فقط فكيف استطعتم تحقيق هذا الإنجاز المذهل؟
لأننا كنا مستعدين على أعلى مستوى، وكنا نملك روحاً قتالية عالية لا مثيل لها، وكنا نؤمن بأن هذه العملية ستكون رسالة قوية جداً للعدو، وسترد لنا الاعتبار الذى اهتز بعد 67 وكنا نعلم أن الحصول على أسير إسرائيلى هو الهدف الأهم، وكانت الروح المعنوية فى أوجها لأن الجميع كان يدرك أن هذه العملية ستكون نقطة تحول حقيقية فى مسار الصراع مع العدو، وستعيد الثقة للجيش المصرى كله.
حدثنا عن اللواء سعد الدين الشاذلى وتأثيره العميق فى مسيرتكم القتالية؟
كان اللواء سعد الشاذلى - رحمه الله - شخصية استثنائية فريدة، لم تكن قيادته مقتصرة على التخطيط العسكرى المحكم بل كانت تمتد إلى بناء الإنسان وتشكيل وعيه القتالى والنفسي، وكان يختار رجاله بعناية فائقة ويدفع بهم فى أصعب المهام، لأنه كان يعرف أن الثقة المتبادلة هى السلاح الأقوى فى المعركة، وكان يصر على أن تكون العمليات مدروسة بأدق التفاصيل، لكنه فى نفس الوقت كان يترك للقادة الميدانيين حرية التصرف حسب تطورات الموقف على الأرض، وهذه الفلسفة القيادية الرائعة جعلتنا نشعر بأننا لسنا مجرد جنود منفذين لأوامر، بل شركاء حقيقيون فى صنع القرار، وهذا ما منحنا جرأة إضافية فى خوض المعارك وكان إذا كلفنا بمهمة يقول لنا: «أنتم أبناء الموت، لكن الموت فى سبيل الوطن حياة حقيقية»، وهذه الكلمات البسيطة كانت تخلق فينا حالة من الاستعداد النفسى الفريد، تجعلنا نستقبل الموت وكأنه لقاء محبوب ننتظره بفارغ الصبر، وهذا الشعور هو ما جعلنا نقاتل بكل شراسة ودون أى تردد.
كيف كان الشعور بعد نجاح العملية وعودتكم سالمين؟
كان شعوراً لا يوصف بالكلمات فقد استعدنا جزءاً كبيراً من كرامتنا التى اهتزت فى 67، وأثبتنا للعدو وللعالم أجمع أن الجيش المصرى قادر على الرد الموجع، جولدا مائير نفسها أطلقت على العملية اسم «السبت الحزين» وهذا يدل على حجم الألم والصدمة التى أصابتهم فى ذلك اليوم فإنها شهادة من العدو نفسه على قوة الضربة التى تلقاها، وكأننا كنا نقول للعالم كله بصوت واحد: «لا تنسوا أن مصر باقية، وأن جيشها قادر على حماية شعبها وأرضها وكرامتها»، وهذه اللحظة كانت نقطة تحول فى مسار حرب الاستنزاف وأعادت الثقة للجيش المصرى وشعبه.
هل شاركت فى حرب أكتوبر بعد استشهاد شقيقك؟ وكيف كانت هذه التجربة الصعبة؟
نعم، استشهد شقيقى محمود فى حرب أكتوبر وكان أكبر منى بثلاث سنوات وكان قائداً لمفرزة الموانع المتحركة بالفرقة 21 مدرع واستشهد بطريقة بشعة لا يمكن أن ينساها إنسان، حيث دفنه العدو حياً مع أربعة من رفاقه بعد أن قاومهم ببسالة ومنعهم من التقدم نحو أهدافهم، وعندما علمت بالخبر كان شعورى متضارباً جداً بين الألم الشديد على فقدان أخى الذى كان قريباً مني، والرغبة الملحة فى الانتقام ممن فعلوا به هذا وبين الالتزام الكبير بواجبى تجاه وطنى الذى كان فى أمس الحاجة إلى كل جندى لكننى قررت أن أكمل المسير، لأن الحرب لا تتوقف عند فرد، بل تستمر حتى يتحقق النصر الكامل وكان استشهاد أخى محمود دفعة قوية جداً لى لكنها لم تكن دفعة انتقامية عمياء بل كانت دفعة عقلانية وواعية جعلتنى أتمسك أكثر بالهدف الأساسى للحرب، وأدرك أن الثأر ليس هدفاً بل وسيلة لتحرير الأرض واستعادة الكرامة وكلما تقدمت فى ميدان المعركة كنت أتخيل أننى أسير على خطى أخى الشهيد، وأن كل خطوة أخطوها هى استكمال لمسيرته التى انقطعت فجأة وبشكل مأساوى فهذه الروح العالية هى التى جعلت الجندى المصرى فى تلك الحرب أكثر من مجرد جندي، بل جعلته رمزاً للأمة بأكملها وكأننى كنت أحمل راية أخى التى سقطت من يده لأكمل بها الطريق الطويل نحو النصر والتحرير.
كُلفت بإغلاق مضيق وادى سدر لمدة 6 ساعات فقط، لكنك صمدت 6 أيام كاملة، كيف حدث ذلك؟
نعم، كانت مهمتنا إغلاق مضيق وادى سدر الاستراتيجى لمنع تدفق احتياطيات العدو إلى خط القناة لمدة 6 ساعات فقط لكى تتمكن قواتنا الرئيسية من تحقيق أهدافها الأساسية، لكن بتوفيق من الله وعزيمة الرجال وإيمانهم الراسخ بالقضية تمكنا من الصمود ببسالة لمدة 6 أيام كاملة، رغم أن الأسلحة كانت خفيفة جداً لكن الإيمان كان قوياً لا يتزعزع وكنا نشعر بأن يد الله معنا فى كل لحظة وهذا الشعور العميق منحنا قوة لا تُقهر وجعلنا نتمكن من صد كل محاولات العدو لاختراق مواقعنا وكنا نرى بأعيننا كيف كانت قواتهم تتراجع خائبة فى كل مرة.
ما السر الحقيقى وراء هذا الصمود الأسطورى الذى حير العدو؟
السر هو الإيمان بالله أولاً وأخيراً والإيمان بالقضية العادلة والإيمان الراسخ بأننا سننتصر لا محالة، فكنا نعلم أن هذه الحرب هى حرب الكرامة المصرية، وأنها فرصة تاريخية لرد الاعتبار للجيش المصرى وللعروبة كلها بعد نكسة 67 وكانت الحرب فى شهر رمضان المبارك شهر الانتصارات منذ عصر صدر الإسلام وحتى اليوم، وهذا كان يعطينا طاقة إيمانية لا حدود لها، أيضاً التدريب القاسى والمكثف الذى تلقيناه فى الصاعقة على مدى سنوات جعلنا قادرين على مواجهة أى تحد مهما كانت ضخامة العدو وتفوقه التكنولوجى لأننا تعلمنا أن السلاح الحقيقى هو الإرادة قبل أى شيء آخر.
حدثنا عن دور قوات الصاعقة فى حرب أكتوبر بشكل عام؟
قوات الصاعقة كانت دائماً فى مقدمة الصفوف لأنها قوات خفيفة الحركة، تعتمد على المفاجأة والمبادرة وتُستخدم فى المهام الأكثر خطورة والتى تتطلب جرأة خاصة ودورها الأساسى كان منع تدفق احتياطيات العدو وقفل المضايق الاستراتيجية، وتنفيذ عمليات استطلاع متقدمة، ونصب الكمائن خلف خطوط العدو، والقيادة العامة للقوات المسلحة كانت تعتمد على الصاعقة فى حسم الأعمال القتالية الحاسمة، خاصة فى أوقات انعدام الرؤية والليل الدامس، حيث تكون الحركة أكثر سرية وفاعلية، فقد كنا عين الجيش التى ترى فى الظلام وسيفه الذى يضرب فى القلب دون أن يشعر به العدو.
كيف كانت التدريبات التى أعددتكم لهذه المهام الصعبة والمرهقة؟
كنا نتدرب على أعلى مستوى ممكن، من خلال ثلاث فرق تدريبية متدرجة: الفرقة العادية، الفرقة الراقية، وفرقة معلمى الصاعقة، وكانت التدريبات تشمل القتال المتلاحم وجهاً لوجه، والاشتباك المتقارب على مسافات صفرية، والقتال الصامت دون إحداث أى ضجيج، واستخدام الأسلحة النارية بمهارة فائقة واستخدام الأسلحة الصامتة بدقة متناهية، وطوال فترة التدريب الشاق كانت الرتبة العسكرية تُخلع تماماً، ويصبح الجميع «فدائيين»، لا فرق بين ضابط وجندى ولا بين كبير وصغير، فهذه الروح الأخوية العظيمة هى التى صنعت تماسكنا وقوتنا وجعلتنا كالجسد الواحد، نتحرك بإرادة واحدة ونقاتل من أجل هدف واحد مقدس وهو النصر.