وصفت بأنك الطيار المصرى الجريء جدا وقيل إنك ولدت لكى تحلق، كيف صنعت هذه الجرأة والتميز مسيرتكم فى القوات الجوية؟
أوضح لكِ شيئاً مهماً الطيران لو أخذه الإنسان مجرد مهنة يتقاضى عليها راتباً فلن يتقدم خطوة واحدة إلى الأمام بل سيبقى أسيراً للروتين العادي، لكن الطيران حين يُتخذ كـ«عشق» - عشق بكل ما تحمله الكلمة من معنى - يتحول إلى حياة بكاملها تماماً كما الفنان التشكيلى الذى وهبه الله موهبة الرسم، فحين يجلس أمام لوحته يفرغ كل مشاعره وأعصابه ووجدانه فيها، فالطيران بالنسبة لى كان هذا العشق ذاته وزيادة عليه هى موهبة من الله - سبحانه وتعالى - لا يمكن أن ننساها أبداً، ونعم ربنا وهبنا الموهبة لكن الأهم هو تنميتها، فكل إنسان يولد ومعه موهبة، ولكن الفارق يصنعه الجهد المبذول لتطويرها، ظللتُ سنوات وأنا أدرب نفسي، وأصقل مهاراتى وأتعلم من كل طلعة، ومن كل خطأ، حتى أصبحت جزءاً من الطائرة وهى جزء من روحى فعندما تعشق شيئاً تعطيه كل ما لديك من طاقة، ولا تنتظر منه مقابلاً سوى أن تراه يكتمل ويصبح أفضل.
وماذا كان دورك فى حرب أكتوبر المجيدة؟ وما المهمة التى كُلفت بها فى ذلك اليوم؟
فى حرب أكتوبر كنت قائداً لتشكيل رباعي، أى أربع طائرات، فى الطلعة الجوية الأولى التى انطلقت فى تمام الساعة الثانية ظهراً من يوم 6 أكتوبر وكنت فى مطار المنصورة قائداً للسرب الثاني، وكنت اخترت لتلك المهمة الأكثر خطورة لأن القيادة كانت تعلم أننى أملك الجرأة والقدرة على التعامل مع المواقف الصعبة، ومهمتى كانت واضحة وحاسمة وهى توفير الغطاء الجوى وحماية جميع طائراتنا التى تتجه لضرب الأهداف الأرضية الإسرائيلية فى عمق سيناء، وكنت مسؤولاً عن قطاع شاسع يمتد من بورسعيد شمالاً حتى الإسماعيلية جنوباً وكنتُ أنا الظل الحامى لكل طائرة مصرية تخترق أجواء العدو لتدمر قواعده ومواقعه، وأتذكر أننى حلقت فوق القناة فى تمام الساعة الثانية وخمس دقائق وكان المشهد الذى رأيته من فوق هناك لا يُوصف، كان الجو بأكمله مشتعلاً بنيران صواريخ العدو المضادة للطائرات تنفجر فى كل اتجاه مواقعهم اللوجستية وذخائرهم تشتعل كالشموع العملاقة، والنشاط الإلكترونى واللاسلكى لديهم يُسحق تماماً تحت وطأة الضربات الموجعة، مكثتُ فى ذلك المشهد المهيب لدقائق معدودات كانت كالدهر، أراقب طائراتنا وهى تعود سالمة، وبمجرد أن اطمأننتُ على عودة الجميع عدتُ إلى قاعدتي، ولم يطلِع لنا العدو بأى طلعة جوية فى تلك اللحظة الحاسمة، بفضل الله ثم بفضل التخطيط المحكم.
حدثنا عن التحضير لتلك اللحظة المصيرية كيف كان شعورك عندما تلقيت خبر الحرب؟ وكيف تعاملت مع لحظات الترقب قبيل العبور؟
قبل يوم 6 أكتوبر بيوم واحد، شعرتُ فى أعماقى أن شيئاً كبيراً على وشك الحدوث فالطائرات كانت تُجهز بشكل غير معتاد، تُحمل بالذخيرة الكاملة، وتُرفع عنها الخزانات الإضافية وكأنها تستعد لرحلة ليس فيها عودة لكن التكتم كان شديداً، لم نعرف يقيناً أن الحرب ستُشن إلا فى صباح يوم 6 أكتوبر ، حينها جمعنا قائد اللواء فى اجتماع سرى وكانت كلماته تُشعل الحماس فى قلوبنا: «يا رجال، ما كنتم تنتظرونه منذ سنين، سيحدث فى تمام الساعة الثانية ظهراً»، وحين سمعت الخبر تسلل إلى قلبى قلقٌ لم يكن من العدو بل من احتمالية الإلغاء، نعم لقد تكرر معنا ذلك عدة مرات من قبل كجزء من خطط الخداع الاستراتيجية؛ كنا نتأهب ونظل أياماً فى حالة طوارئ قصوى ثم يُفاجئنا الأمر بـ«لا شيء، عودوا إلى معسكراتكم»، المرة السابقة كانت مؤلمة نفسياً لذلك وخوفاً من تكرار السيناريو قررت أنا وأربعة من زملائى الطيارين ألا نترك الطائرة منذ الساعة الواحدة ظهراً ربطنا أحزمتنا وأغلقنا قمرات القيادة وجلسنا ننتظر فى صمت ودعاء، كان همنا الوحيد هو أن ينطلق الأمر دون إلغاء، والحمد لله، كانت الانطلاقة وكان النصر.
وفى خضم كل هذه الرهبة، ألم يشعرك شيء بالخوف أو القلق؟ وما كان أكثر ما يشغل تفكيرك فى اللحظة التى سبقت الإقلاع؟
الحقيقة المطلقة أن الخوف لم يكن موجوداً فى قاموسنا فى تلك اللحظة طالما أن الطيار يعتمد على الله - أولاً وأخيراً - ويثق فى فراسته وفى زملائه فلن يجد مكاناً للقلق فى قلبه، والتشكيل الذى كنت أقوده كان يضم طيارين اثنين من الشباب الصغير وطياراً آخر قديماً معى فى الخبرة، وكنتُ أنا الأكبر والأكثر خبرة وكان واجبى أن أطمئنهم وأبث فيهم الروح القتالية، وكنا نراقب بعضنا البعض كالإخوة ونحرص على سلامة بعضنا أكثر من حرصنا على سلامتنا الشخصية ولم يكن يشغل بالى سوى فكرة واحدة مهيمنة: «لا بد أن أنتصر. لا بد أن يعبر الجيش. لا بد أن تعود الكرامة» أى شعور آخر كان هامشياً إلى درجة الصفر.
تردد فى الأوساط العسكرية أنكم كنتم تحلقون على ارتفاعات خرافية، حدثنا عن أصعب طلعة جوية قمت بها خلال تلك الفترة، وكيف تعاملت مع تلك المخاطر؟
أصعب طلعة لم تكن فى حرب أكتوبر ذاتها بل كانت فى حرب الاستنزاف، وتحديداً عام 1969 كُلفنا بحماية طائرات «ميج 17» التى كانت متجهة لضرب موقع إسرائيلى محصن بالصواريخ المضادة للطيران فى عمق سيناء، ولتجنب الرادارات الإسرائيلية التى كانت تكتشف الطائرات على ارتفاعات عالية اضطررنا للهبوط بالطائرة إلى ارتفاع شديد الانخفاض، فالأمر لا يحتمل أى خطأ بسيط، كنت أطير على هذا الارتفاع؛ أى انحراف فى العصا أو أى عصف هوائى مفاجئ أو حتى أى طائر يظهر فجأة، كان معناه الموت المحقق لكنها كانت ضرورة حتمية وفعلاً فوجئ الإسرائيليون بنا تماماً، ولم تكشفنا راداراتهم وتمكنا من ضرب الموقع بدقة متناهية وبمجرد انتهاء الضربة بدأت طائراتهم فى التصاعد لملاحقتنا، لكننا كنا قد أنجزنا المهمة وانسحبنا بسرعة فتلك كانت قمة المغامرة والاحترافية فى آن واحد.
خضت معارك جوية عنيفة ومواجهات مباشرة مع طيارين إسرائيليين فما تفاصيل تلك المناوشات؟
خضنا عدة اشتباكات جوية مباشرة والحمد لله كان النصر حليفنا فى معظمها، فقد تمكنت بمفردى من إسقاط ثلاث طائرات معادية فى اشتباكات مختلفة، لكن هناك موقفاً لا أنساه أبداً، موقف يعكس الروح الجماعية التى كنا نعيشها حدث أن كنتُ فى مهمة اعتراضية، وكدتُ أسقط طائرة رابعة من طراز «فانتوم» كانت المناورة التى قمت بها لملاحقتها صعبة ومعقدة، لكن زميلى الطيار الذى كان يقاتل بجانبى وجد نفسه فجأة فى وضع أفضل لإطلاق النار عليها، وأقرب إليها منى فما كان منى إلا أن أمرته فوراً: «اضرب يا رجل، لا تتردد»، أطاع الأمر وأسقط الطائرة وحصل على مكافأة مالية قيمتها 500 جنيه عن تلك الطلعة، لكن الحقيقة أننى لم أشعر بأى حسد أو غضب، بل شعرت بفرح عظيم لأن الهدف تحقق والمهم هو الانتصار للوطن وليس من يُسجل الهدف، لأننا كنا جسداً واحداً وروحاً واحدة فى ذلك الوقت.
روح الأخوة والتلاحم كانت سمة بارزة بين الطيارين فكيف تصف هذه العلاقة؟ وماذا كانت تفعل فى نفوسكم مشاهد فقدان الزملاء؟
كانت العلاقة بيننا فوق الوصف كالجسد الواحد حقاً، كنا نعيش معاً نأكل معاً نتدرب معاً وننام بجوار بعضنا البعض، فى حرب الاستنزاف وحتى فى التدريبات القاسية التى سبقت أكتوبر كنا نفقد زملاءنا واحداً تلو الآخر وأتذكر تلك اللحظات التى كنا نجلس فيها فى السرب أربعة طيارين فقط، ثم تأتى طلعة معادية أو حادث تدريبي، ونسأل: «أين فلان؟»، فيأتينا الخبر: «مات، الله يرحمه». هناك، فى تلك اللحظة، كنت تعرف معنى التلاحم، وكلما رحل شهيد، كنا نبكيه بدموع الرجال، ولكن سرعان ما كان الألم يتحول إلى صلابة وعزيمة فالجسد الذى تقطع منه عضو، يظل الباقى منه يقاتل بقوة أكبر وكنا نحمى بعضنا البعض فى السماء وكنتُ أعرف تماماً أننى قد أموت فى أى لحظة ولكننى كنتُ على استعداد تام لفداء زميلى بحياتى هذه هى الروح التى صنعت أكتوبر وليست الأسلحة وحدها.
كونك من الذين شاركوا فى بناء القوات الجوية كيف ترى الجيل الجديد من الطيارين، وهل هم على قدر المسؤولية فى عصر التكنولوجيا المتسارعة والطائرات المسيرة؟
أنا سعيد جداً بل ومبهور بما أراه اليوم فى القوات الجوية المصرية، ولى تجربة خفيفة ولكنها عميقة فمنذ نحو عامين كنت مدعواً فى احتفالية بيوم القوات الجوية، هناك التقيت ببعض الطيارين الشباب برتبة مقدم وبرتبة عقيد، هؤلاء الشباب يبعثون فى النفس الفخر والاطمئنان فهم ليسوا كما كنا بل هم أفضل منا بمراحل، فالتكنولوجيا تطورت وهؤلاء الشباب نشأوا معها وتفوقوا فيها، إنهم يعرفون سلاحهم من الداخل والخارج، يدركون إمكانات طائراتهم، ويقرؤون الخريطة الجوية كما نقرأ نحن أسماءنا، ولقد قابلت أحدهم وتحدثت معه فوجدته فاهماً لكل كبيرة وصغيرة، فالتطور الذى حدث فى الخوذات وحدها يفوق الخيال على أيامنا كانت الخوذة مجرد قطعة من الجلد أو البلاستيك تحمى الرأس من الصدمات أشبه بخوذة الموتوسيكل، لكن اليوم لدى الطيار خوذة ذكية بمجرد أن ينزل شاشة العرض أمام عينيه تظهر له كل بيانات الطائرة وارتفاع العدو ونوع صاروخه، وأفضل مناورة يمكن أن يقوم بها، كل ذلك وهو ينظر إلى هدفه مباشرة، دون أن يرفع عينيه عن الأفق.
ماذا عن الطائرات المسيرة والذكاء الاصطناعى فى الحروب، كيف ترى تأثيرها على دور الطيار البشري؟
هذا هو السؤال الأصعب وأعتقد وهو مجرد اعتقاد شخصى مبنى على متابعاتي، أن المستقبل سيشهد بروز سلاح جديد تماماً: سلاح المسيرات سيكون وحدة مستقلة مثل المدفعية والصاعقة والبحرية لها قيادتها وتخطيطها، فالتكنولوجيا أصبحت اليوم تتجاوز مهارة الطيار الفردى فى الماضى كنا فرساناً نقاتل بالسيف والرمح أى بمناوراتنا الجسدية وخبراتنا الشخصية أما اليوم فالأمر مختلف تماماً، فالطائرات الحديثة تطلق صواريخها من مسافة 250 كيلومتراً، أى أن الطيار يُطلق الصاروخ ثم يعود لينام بينما الصاروخ يكمل المهمة بمفرده ويضرب الهدف بدقة متناهية، والتطور مرعب وسريع لكن لا داعى للقلق لأن القوات المسلحة المصرية تواكب هذا التطور بخطى ثابتة، منظومة التسليح لدينا تتطور والتدريب مستمر والوعى موجود ونحن مستعدون دائماً لحماية سماء مصر.