ولعل الأداء البطولى والعبقرى للجندية المصرية فى حرب أكتوبر 1973 أقوى دليل على أنهم «خير أجناد الأرض»، والقصة طويلة والتفاصيل كثيرة، ربما نكون مقصرين أننا لم نتوقف، ولم نرصد بالبحث والتحليل الكثير من تلك التفاصيل.
بعد حرب يونيو 1967، التى لم نحاربها، انطلقت الدعاية المعادية، ضد الجنود والمقاتلين المصريين، بعض جوانب الدعاية كانت مبنية على أسس عنصرية واستعمارية بغيضة، مثل أن الجندى المصرى مجرد فلاح، يعمل بالفأس فى الأرض، لكنه لا يصلح لحمل السلاح ولا القتال والانضباط العسكرى وصرامة الميدان، كانت الدول الاستعمارية تردد ذلك، متجاهلين أن الجيش المصرى أيام إبراهيم باشا، كان قوة عالمية بامتياز، انتصاراته فى حرب الموره أذهلت بريطانيا العظمى، ولكن لأنهم يملكون أدوات الدعاية وخفايا الإعلام توسعوا فى تلك النغمة.
وقالوا أيضا إن المقاتل المصرى، حتى لو كان معه سلاح حديث، فهو غير قادر على استيعابه ولا الاستعمال الكفء له، ويتركه فى الميدان.. حرب نفسية ضارية شُنت على «خير أجناد الأرض»، ولم يكن مهمًا الردّ فى الحملات الصحفية والمواد الإعلامية، بل كان لابد من الرد العملى والفعلى، على الأرض وفى الميدان.. وبدأ الرد بحرب الاستنزاف، ثم كانت معركة العبور العظيم، بل الأعظم بالمقاييس العسكرية فى القرن العشرين.
أداء المقاتل المصرى عامة، تخطيطًا وتدريبًا وأداءً، كان هو مفاجأة حرب أكتوبر سنة 1973، كانت إسرائيل مطمئنة تمامًا إلى أن القيادة المصرية لن تجرؤ على التفكير فى عبور قناة السويس، لأن القناة كانت مزروعة بأنابيب نابالم زرعتها إسرائيل، وبضغطة زر تتحول مياه القناة إلى كتلة نار، تصهر أى مُعدة فوق الماء، فضلاً عن البشر، وإذا أفلت من هذه النيران بعض أفراد؛ فإن أمامهم الساتر الترابى الضخم، يكفى لابتلاع أى إنسان يحاول الاقتراب منه، ولو حدث وأفلت مقاتل من ذلك الساتر أو تجاوزه بأى طريقة سوف يجد أمامه تحصينات خط بارليف الحصينة.
وكانت التقديرات العسكرية الإسرائيلية والعالمية أن مصر لا يمكنها تجاوز تلك العقبات؛ الساتر الترابى لا يمكن نسفه بالمدافع، يحتاج فقط إلى قنبلة نووية تفوق قنبلة هيروشيما، ومصر ليست لديها مثل هذه القنبلة، ولا تستطيع أن تمتلكها، فضلا عن أنه لو حصلت مصر على القنبلة بأى طريقة، فلن تستعملها لأن آثارها التدميرية تنعكس على القناة وعلى مدن القناة بالكامل وربما امتدت إلى الدلتا نقاط خط بارليف الحصينة لا يمكن تفجيرها كذلك دون قنبلة نووية، ومصر ليست لديها الأسلحة الحديثة، كل تسليح الجيش المصرى كان يعتمد على الاتحاد السوفييتى.
وهو ليس بكفاءة السلاح الأمريكى الذى يعتمد عليه العدو، يضاف إلى ذلك أن السوفييت كانوا يمدون مصر بالسلاح الدفاعى فقط، كانت أيديولوجية السوفييت أنهم لا يقدمون إلا السلاح الدفاعى فقط، لأنهم من أوائل الذين اعترفوا سنة 1948 بوجود دولة إسرائيل ومع حقها فى الوجود، لذا كانوا يقدمون لنا سلاحًا ندافع به فقط، لكن لا نهاجم، وكان على الجيش المصرى التعامل مع كل ذلك، وبهذه الأدوات، لابد من العبور والانتصار.. هنا كانت ملحمة «خير أجناد الأرض».
تمكنت المخابرات المصرية من توفير كافة البيانات عن أنابيب النابالم فى القناة وحجم الساتر الترابى وتصوير خنادق خط بارليف وتحصيناته من الداخل والخارج، وهكذا وضعت البيانات والمعلومات كاملة أمام هيئة التخطيط والعمليات بالقوات المسلحة.
فيما يخص أنابيب النابالم، نجحت مصر فى تكوين خلطة من الأسمنت تستعمل فى المياه، وتدريب الضفادع البشرية المصرية على التسلل تحت الماء، وكتم فتحات تلك الأنابيب بالأسمنت الخاص الذى لم يكن أحد فى العالم يعرف عنه شيئا، بحيث إذا ضغطت إسرائيل على زر النابالم، لا يحدث أى انفجار، كأن لم يكن، وهذا ما حدث.
أما الساتر الترابى، فقد تمت إقامة ساتر مشابه له تماما، بنفس الأبعاد والمقاسات فى دهشور، وبدأت عمليات التدريب على إزالته، الضرب بالمدافع لم يحقق الهدف، ذلك أن التراب ثقيل يُحدث غبارًا لكن لا يتحرك، تم ضربه بالطائرات والقنابل الثقيلة، ولم يتحقق الهدف. هنا تجلت العبقرية، ضابط شاب هو العميد باقى زكى يوسف، وقتها، عميد مهندس، كان قد شارك فى العمل بالسد العالى، وكانت هناك مناطق ترابية، فى منطقة بناء السد، وتمت إزالتها بواسطة خراطيم مياه ضخمة، الحل كان فى المياه استعملت ماكينات المياه لدى وزارة الزراعة، التى تروى الحقول، لكن كانت ضعيفة وسوف تستغرق وقتا طويلا، بينما المطلوب أو المتاح أمام المقاتل ساعة أو ساعتان وقتها.
وأمكن العثور على ماكينات مياه تحقق المطلوب، ألمانية الصنع، وتم استيراد كمية منها لصالح شركة مساهمة البحيرة، وهى شركة تعمل فى استصلاح الأراضى، وهكذا دون قنبلة نووية تمت إهالة الساتر.
كل خطوة من تلك الخطوات التى نتحدث عنها هنا فى سطور أو عدة جمل، استغرقت شهورًا من الجهد والعمل وتضحيات كبرى، أبطال مصريون واجهوا المخاطر فى الحصول على تلك المواد، فضلا عن التأمين والسرية.
التخطيط الجيد والتجهيز، دون مقاتل كفء لديه تدريب شاق وإيمان حقيقى لا يمكن أن ينجح، ولنا أن نتخيل مقاتلاً يحمل معداته على ظهره زنة سبعين كيلوجراما، ويصعد بها سُلمًا من الحبال ليتجاوز الساتر الترابى ويعبر ليقتحم نقاط خط بارليف، أى جهد صعب وإرادة وإيمان حقيقى بضرورة النصر ليصنع ذلك كله.
مفاجأة الحرب وتميز الجيش المصرى أنه حقق المعجزة بأسلحة لم تكن هى الأحدث، الجسور التى نصبت على القناة مساء السادس من أكتوبر لعبور الدبابات والمدرعات كانت قديمة، واستعملت فى الحرب العالمية الثانية، حتى أن جيوش العالم كانت قديمة نسيتها تماما.. وهذا ما جعل العدو يطمئن إلى أن المصريين لن يعبروا.. الأسمنت الذى سُدت به فوهات النابالم كان اختراعا مصريا خالصا، لا يعرفه أحد غيرنا، ولم يستُعمل من قبل.
ماكينات وخراطيم المياه قديمة جدا، لكن لم يخطر ببال أحد أن يحولها المصريون ببراعة من مجال الزراعة ورشّ الحدائق؛ حدائق المنازل والحدائق العامة إلى أن تُسقط أضخم ساتر ترابى عرفته جيوش العالم.
كان الخبراء العسكريون فى الجيشين البريطانى والفرنسى، الذين شاركوا فى الحرب العالمية الثانية، يتحدثون عن أنه دون قنبلة نووية، لن يتحرك الجيش المصرى، وكانت الحقيقة أن المقاتل المصرى هو السلاح النادر الذى تمتلكه مصر..
وكشفت الحرب قدرات خارقة للمقاتل المصرى، هل نذكر ابن الشرقية «عبدالعاطى» صائد الدبابات الذى تمكن من اقتناص 27 دبابة إسرائيلية، كانت هى الأحدث فى الترسانة العسكرية لحلف الناتو، قُدمت لإسرائيل على عجل لترهيب المصريين وكبح اندفاعهم؟
هل تذكر الأجيال الجديدة مشهد المقاتل المصرى الذى وقف مساء السادس من أكتوبر يغرس العلم المصرى فوق قمة الساتر الترابى بعد اقتحامه؟
هذه البطولات خلفها تدريب طويل وصارم امتد لسنوات، منذ نهاية حرب يونيو 1967، وصولا إلى لحظة العبور يوم السادس من أكتوبر سنة 1973.
الآن مضى 53 عاما على الانتصار العظيم، وهو انتصار لا يمكن أن تطويه السنوات طالت أم قصرت، فى خطابه يوم 6 أكتوبر سنة 1973، قال الرئيس السادات، القائد الأعلى للقوات المسلحة، قائد النصر، إن القوات المسلحة قامت بمعجزة.. وهى بالفعل معجزة فى الأداء والبطولة.. على سبيل المثال ضربة الطيران الأولى يوم السادس من أكتوبر والتى قادها الفريق طيار حسنى مبارك، كانت معظمها بطائرات ميج- 17، هذه الطائرة كانت فى الخدمة منذ سنة 1952، وهذا يعنى بالمقاييس العسكرية أنها كانت مرشحة للخروج إلى المخازن، وصارت قديمة، لكن الطيارين والفنيين المصريين قاموا بتطويرها، وتحقق النصر المعجز، يكفى فقط أن نذكر “الطيار المجنون” أطلقت عليه إسرائيل هذا الوصف، الذى انقض بطائرته ليفلت من حصار طائرتين إسرائيليتين له، ويدمرهما؛ طائرته موجودة الآن فى «بانوراما حرب أكتوبر» شارع صلاح سالم، هو اللواء طيار مقاتل المنصورى أطال الله عمره.
تكوين المقاتل المصرى على النحو الذى رأيناه فى الحرب، يقف خلفه أبطال كبار بدءًا من الفريق محمد فوزى الذى أعاد بناء الجيش بعد 1967 ومعه الفريق الشهيد عبدالمنعم رياض، وصولاً إلى لحظة العبور، قائد العمليات اللواء محمد عبدالغنى الجمسى، رئيس الأركان، والفريق سعد الدين الشاذلى، وزير الحربية القائد العام أحمد إسماعيل على، وعشرات القادة الآخرين، أبطال فى ذاكرة الوطن والفخار بالجندية والجيش المصرى «خير أجناد الأرض».
وراء هؤلاء جميعًا شعب عظيم، قدم خيرة شبابه وأبنائه للحرب؛ دفاعًا عن الكرامة والتراب الوطنى؛ ملحمة عظيمة بكل المقاييس.
فتح انتصار أكتوبر الباب لتحرير سيناء كاملة، دون حبة رمل ناقصة، وفتح الباب أمام عملية تنمية وتعمير واسعة وشاملة مستمرة حتى اليوم.
ما حققه الجيش والمقاتل المصرى فى السادس من أكتوبر كفيل بأن يثير مخاوف وكراهية العدو الذى حاربه، رغم توقيع معاهدة السلام سنة 1979، لذا يتابعون جيشنا وتصدر تعليقات بين حين وآخر تنم عن القلق؛ مرة بسبب التسليح، ومرة ثانية بسبب التدريب والمناورات مع جيوش أخرى فى مجال التعاون العسكرى.
هذا كله يمكن أن نتفهمه وإن كنا لا نتقبله، لكن كيف نفهم أن تتبنى جماعة الإرهاب، المقولات والمواقف الإسرائيلية من الجيش المصرى، وتذهب أبعد منهم، حتى أن بعضهم راح يشكك فى صحة الحديث النبوى الشريف، الذى يصف المصريين بأنهم «خير أجناد الأرض»، ولذا حين نضع هؤلاء فى كفة العدو التاريخى لمصر، فإننا لا نبالغ.
بطولة وشجاعة المقاتل المصرى فى حرب أكتوبر العظيمة سوف تبقى شاهدًا على عظمة هذا الشعب وجيشه، وسوف تضاف إلى مصداقية وأهمية الحديث النبوى الشريف عن خير أجناد الأرض؛ دورنا الآن هو تسجيل تلك البطولات وتقديمها إلى الأجيال الجديدة فى صور مبسطة، بالوسائل والأدوات المعلوماتية الحديثة، نعرف أن هناك جهات عديدة فى الدولة أجرت لقاءات مع الأبطال، وهناك سجلات تحفظ كل شيء تقريبا، لكن يجب إعادة تقديم كل ذلك؛ حفظًا للذاكرة الوطنية لدى الأجيال الجديدة، ومواجهة طوفان الكراهية والأكاذيب بحق الجندية والجيش المصرى.