وما أشد الحاجة إلى التزام روح أكتوبر فى صنع المستحيل وتخطى الصعاب خلال هذه المرحلة الضبابية فى جهات عدة وقضايا شتى، وللأسف إقليم الشرق الأوسط كله يعيش فترة من أصعب مراحله الزمنية، ووتيرة الصراعات فيه لا تتوقف، ومؤشر الأزمات فى صعود يوما وراء يوم، مما يجعل عقيدة العبور ضرورة قومية، وإرادة النجاح مهمة جماعية لكل المصريين، وليس مؤسسات الدولة فقط، من أجل حماية الأمن القومى المصرى، وفرض محدداته على كل المتربصين، فكلنا جنود الوطن مهما اختلف مجال العمل أو تباين التخصص.
صحيح قواتنا المسلحة الباسلة، تسير على طريق أكتوبر المجيد، وتستوعب دروسه، وتعى مستجدات الحاضر، وتتحسب لتطورات المستقبل بامتلاك القدرة الشاملة على الردع، وتنفيذ أية مهام تكلف بها من القيادة السياسية سواء فى الداخل أو الخارج، وهى قادرة بفضل الله على تكرار مهمة العبور فى أى زمان ومكان، ودائما على قدر التحدى، وهو ما شاهدناه رؤى العين فى جولات الحرب على الإرهاب، مع قيادة مهمة التنمية الشاملة، تحت شعار «يد تبنى ويد تحمل السلاح»، لكن يظل الوعى الشعبى، ووحدة الصف الوطنى بمثابة الصخرة التى تتحطم عليها المؤامرت كافة، والمخططات جمعاء، خصوصا أن الحاقدين على المصريين كثر ويتلونون كالحرباء لبث سمومهم الزعاف، ولن تتوقف هذه المحاولات الخبيثة ضد الدولة المصرية لأنها بشعبها العظيم ومؤسساتها الوطنية وجيشها القوى تفسد كل تدابير أهل الشر وأعوانهم من الدول الكارهة والقوى الطامعة فى مقدرات شعوب المنطقة، وتنفيذ المشاريع الهدامة وعلى رأسها دولة الاحتلال، وأتباعها الحالمون بالرضا الصهيو أمريكى، وسوف تثبت الأيام أنهم كانوا مجرد عرائس ماريونيت، وسينتهى دورهم، فالمتغطى بالاثنين عريان.
التسلح بعزيمة الصمود فريضة فى هذه المرحلة، والاعتصام بقوة الإرادة واجب فى تلك الحقبة لتحقيق الانتصارات، وتفكيك المؤامرات ضد الدولة المصرية، وفضح صناع المخططات للزج بالمصريين فى فخ الأزمات الطاحنة، وأتون الحروب المهلكة، وهنا علينا السير على نهج جيل أكتوبر العظيم، فقد أحكموا التخطيط لمعركة العبور، ووضعوا مختلف السيناريوهات المحتملة، ونفذوا عشرات البروفات تحسبا لاكتشاف كل نقاط القوة والتعظيم منها، ومعرفة نقاط الضعف وعلاجها، مع الأحذ بالأسباب لتأكيد الردع، واتخاذ كل الاحتياطات لضمان النصر، فالتجهيز للمعركة الفاصلة لم يكن على مستوى القوات المسلحة فقط، بل إن التنسيق بين جميع الوزارات وكل القطاعات كان فى أفضل صورة، والتلاحم الشعبى مع الجيش والثقة فى قدرته كانت حاضرة بقوة، وعندما حانت ساعة الصفر، انطلق جنودنا كالأسود برا، وكالصقور جوا، وكالحيتان بحرا يكبدون العدو خسائر لم يتخيل وقوعها، ولم يدُر فى ذهن القادة المتغطرسين من الكيان المحتل حدوثها، ووقتها اقتنع كهنة تل أبيب وحلفاؤهم من الغرب والأمريكان استحالة تحمل تكرار هذه الحرب فى نسخ أخرى، وبالتالى كان التحرك عكس بوصلة تل أبيب التى لا تعرف إلا سفك الدماء وارتكاب مجازر الإبادة الجماعية واحتلال الأراضى، والقبول بمفاوضات السلام مع مصر، لأن جيشنا العظيم أثبت أن للوطن درعا وسيفا، وما أخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة، فالقوة تفرض السلام العادل، والقدرة على الردع تحمى الحاضر وتؤمن المستقبل.
والأمر المؤكد بالحقائق الثابتة والوقائع المتلاحقة والوثائق المتتابعة على مدى الـ53 عاما الماضية أن معركة السادس من أكتوبر ستظل مداد عقيدتنا فى حفظ حقوقنا، وفرض إرادتنا، وتحطيم أية مؤامرات أو مراهنات فى الاستخفاف بالقدرات المصرية والعربية، وإنا لقادرون على ذلك مهما كانت المهددات، فقد حسم جيشنا شديد البأس فى الميدان نتيجة المعركة بانتصار ساحق فى 6 ساعات، ونجح خلالها فى كسر أنف العسكرية الإسرائيلية وحلفائها بما لديهم من أحدث المعدات وأشهر الخبراء، وعتاة الاستخبارات من دول شتى وقوى مختلفة، بل وأسقط إلى الأبد أسطورة الجيش الذى لا يقهر، والموانع التى لا تعبر، والتحصينات التى لا تهدم.
جنودنا البواسل بتدريبهم المستمر وتأهيلهم المتواصل تمكنوا من تطويع قناة السويس وأفسدوا مفعول قنابل النابلم الحارقة، مع اختراق خط بارليف المنيع بفكرة عبقرية، حيث تهاوت طبقات التحصينات المنيعة أمام طلمبات المياه فى واحدة من أعظم الابتكارات العسكرية فى العصر الحديث، وتبخرت تجهيزات العدو التى تكلفت مليارات من الشيكل وأخواته من العملات الغربية فى زمن قياسى، ونجحت الضربة الجوية فى إفقاد الجيش الإسرائيلى لصوابه، وبنفس الروح وهذا التخطيط تتابعت نجاحات كل أسلحة وأفرع قواتنا المسلحة بطول وعرض مسرح العمليات، لأن كل خطوة كانت محسوبة بكفاءة واقتدار، ولم يكن هناك أى احتمال سوى تحرير الأرض واسترداد الكرامة، فالجنود المصريون كانوا يحاربون بشعار واضح، النصر أو الشهادة لا ثالث لهما، وأقبلوا على ساحة القتال وهم يحرصون على الموت فى سبيل الله وتطهير تراب الوطن، بينما يحرص جنود العدو على الحياة فى المقام الأول، فهم مجرد غزاة، وشتان الفارق بين صاحب الحق والأرض وبين المحتل المغرور، وعلينا أن نعض بالنواجذ على عقيدة العبور المتأصلة فينا جيلا بعد جيل لمواصلة مسيرة الانتصارات، والتصدى الحاسم لكل الدسائس الخبيثة، والمكائد الشريرة.
ولا شك أن عقيدة العبور، وما تبعها من نتائج تاريخية وتطورات مصيرية ومتغيرات فارقة ستظل تبهر الدارسين فى المعاهد العسكرية والخبراء فى الأكاديميات الاستراتيجية، لأنها جعلت جولات الحرب النفسية للعدو ضد الدولة المصرية تذهب هباءً، ويطير دخان أكاذيبه الفاسدة فى هواء سيناء النقى، كما أنها أفقدت ترسانته الزاخرة بالأسلحة الغربية والأمريكية تأثيرها، بحكم بطولات جنودنا السمر الشداد، وإرادتهم الأقوى من الفولاذ، وحسن تقدير قادتنا الأفذاذ للموقف على جميع المستويات، من الخداع الاستراتيجى الذى كشف أن إحكام السيطرة على الميدان ليس بامتلاك أحدث الأسلحة والإمكانيات المادية، بل الفيصل هو التخطيط العلمى المتقن، وإدارة المعركة بمهارة وحكمة.
كما أن جاهزية المقاتلين من خلال تحصينهم بعقيدة قتالية لا تعرف المستحيل، وتزويدهم بالمعرفة التى تجعل لكل مأزق حلا للتغلب عليه، هو ما تجلى بالصوت والصورة والفيديو فى اجتياز الجندى المصرى منظومة تحصينات ودفاعات العدو بإيمان راسخ، وثبات لا يتزحزح، وبالتبعية انهارت الروح المعنوية لجنود جيش الاحتلال، فمنهم من استسلم، ومنهم من سارع بالفرار أمام الزحف الجارف من أبطال قواتنا المسلحة، وصولا إلى نجاح بناء عقيدة أكتوبر فى استعادة صلابة الجبهة الداخلية، وتسابق جموع الشعب ليكونوا فى ظهر القيادة السياسية والقوات المسلحة مما أعطى ظهيرا سياسيا وأمنيا ومجتمعيا لكل الخطوات وجميع القرارات المصيرية سواء قبل الحرب أو أثناء العمليات العسكرية أو خلال مفاوضات السلام من موقع المنتصر، والقادر على فرض شروطه.
وبين إرث النصر الخالد، واضطرب الإقليم حاليا وتحديات المستقبل، بقراءة بسيطة للمشهد ندرك أن مكاسب عقيدة أكتوبر التى تجرى فى شرايين المصريين، ليست رجوع سيناء كاملة فقط، بل إنها تحولت بمرور السنوات، وتتابع العقود إلى معادلة حاكمة لأى طرف يفكر فى المساس بالأمن القومى المصرى أو يختبر قدرة جيشنا القوى الرشيد على الجبهات كافة، لأن الجميع يعلم علم اليقين أن الثمن الذى سيدفعه من يتورط فى هذه المغامرة غير محسوبة العواقب سيكون ذلك فوق طاقته، فالردع المتزن موجود، وكل السيناريوهات مدروسة مهما كانت المهددات، وأيضا رسخت ملحمة أكتوبر مسار القوات المسلحة المصرية فى امتلاكها قدرات شاملة لحماية السلام والاستقرار الإقليمى، ولهذا دائما تواكب التطور من الأسلحة التقليدية إلى استخدام التكنولوجيا فى التسليح بداية من الحروب السيبرانية إلى استخدام المسيرات وصولا إلى الذكاء الاصطناعى لتأمين مقدرات الوطن على كافة الاتجاهات الاستراتيجية.
ويحسب للرئيس عبدالفتاح السيسى أنه منذ 2014 وهو حريص على امتلاك الدولة المصرية الردع فى كل المجالات وجميع القطاعات، وهو تجسيد حى لعقيدة العبور من الردع الاقتصادى عبر التنمية الشاملة إلى الردع التكنولوجى مع ضمان توافر محددات الأمن القومى من الغذاء إلى الطاقة، أما عن دعم القوات المسلحة لتكون فى أعلى درجات الجاهزية وصون مقدرات الوطن، فهو أمر معلوم للجميع، من تحديث منظومة التسليح إلى توطين الصناعات الدفاعية والعسكرية، وصولا إلى بناء القواعد العسكرية الاستراتيجية، وإنشاء مركز القيادة الاستراتيجى الجديد «أوكتاجون» وفق أحدث النظم التكنولوجية العالمية لحماية الأمن القومى بكفاءة تامة.
ولا ينكر إلا جاحد أن قوة الردع فى الجمهورية الجديدة هى التى مكنت الدولة من القضاء على الإرهاب فى سيناء على مدى نحو 10 سنوات من الحرب الشرسة، دفعت فيها ثمنا غاليا من أرواح وأجساد أبنائنا الشجعان فى القوات المسلحة والشرطة والمدنيين، فضلا عن فاتورة باهظة من مليارات الجنيهات لدعم العمليات العسكرية وتأمين وتطوير أرض الفيروز، وهو ما فتح الأبواب على مصراعيها لعملية التنمية الشاملة فى سيناء بتوجيهات رئاسية، وتعاقبت المشروعات القومية والتنموية فى كل القطاعات، وتحولت إلى رمز للأمن وقاطرة للتنمية بعد سنوات من الخوف والإهمال.
وفى الختام، عقيدة العبور هى التى تهزم الأعداء فى كل زمان ومكان، وتصنع الردع جيلا بعد جيل ليبقى الأمن القومى المصرى خطا أحمر، كما أنها تقود التنمية لرفع مستوى معيشة المواطنين، فمن أراد البناء والاستقرار وجب عليه امتلاك القوة وحكمة الردع، ولابد أن تسرى إرادة النصر إلى وعى الشعب حتى ينتبه إلى من يعملون فى السر والعلن لنشر الإحباط وتشكيك الناس حتى فى أعظم أيام الفخر والمجد من عمر الوطن.
حمى الله مصر وشعبها وجيشها
ومؤسساتها الوطنية من كل سوء