حينما قررت مصر إرجاء دورة مؤتمر ومهرجان الموسيقى العربية عام 2023 على خلفية طوفان الأقصى والعدوان الإسرائيلى على الشعب الغزاوى فى أعقاب أحداث السابع من أكتوبر، تحسر المختصون والمهتمون – على السواء – فى كل أرجاء الوطن العربى على إطفاء أنوار دار الأوبرا المصرية، حتى لو كان من أجل حدث أهم. لكن حكمة القيادة المصرية ارتأت أنه ليس من اللائق أو المستساغ أن يأتى الموسيقيون العرب إلى القاهرة كى يحتفوا ويغنوا، وهناك آخرون على حدودنا الشرقية يعانون قصفًا لا إنسانيًا ومعاناة فلسطينية يومية يمارسها المحتل الإسرائيلى ضد شعب أعزل، وأن ما تم إرجاؤه أو تأجيله من الممكن تعويضه فى مناسبات قادمة، فى رسالة شديدة الوضوح لأشقائنا الفلسطينيين بأننا معكم، نشارككم مأساتكم لحظة بلحظة، وهذا – على كل حال – ليس وقت الموسيقى والغناء.
وأيًا كانت حجية أصحاب وجهتى النظر التى كانت مؤيدة أو رافضة لموقف الدولة المصرية من دورة تلك السنة، فإن جدلًا كهذا برهن على أهمية مؤتمر ومهرجان الموسيقى العربية الذى تستضيفه مصر منذ أكثر من ثلاثة عشر عقدًا ترسيخًا أو إحياءً لذلك المؤتمر القديم الذى استضافته القاهرة للمرة الأولى فى مارس 1932. وأشهد -بحكم متابعتى للدورات السابقة- أن المؤتمر كان دائمًا ما يأتى بمخرجات غاية فى الأهمية من خلال عشرات الدراسات والأبحاث التى يشارك فيها المتخصصون المصريون والعرب، فضلًا عن عشرات الأصوات العربية التى صدحت من فوق خشبة مسرح دار الأوبرا المصرية فى القاهرة، ثم توابعها فى كل من الإسكندرية ودمنهور.
والآن، فى تلك اللحظة بالذات، تمر الدورة الرابعة والثلاثون للمهرجان بواحدة من أصعب أزماته على مدى دوراته السابقة. صحيح أن مسؤولى دار الأوبرا المصرية أكدوا أن الأمور بخير وأن الدورة ستقام فى موعدها بداية من العشرين من أكتوبر الحالى وحتى الثلاثين منه، لكن تسارع الأحداث فى الأيام الماضية يؤكد أن هناك حالة ارتباك تسيطر على مرحلة التحضيرات النهائية للمؤتمر والمهرجان.
وإذا كانت الأزمة قد بدت للعلن حين صرح الفنان رضا الوكيل، رئيس دار الأوبرا ورئيس المهرجان، بما معناه أنه يعمل فى ظل ميزانية ضعيفة وأنه سيحاول إقامة تلك الدورة فى هذه الظروف، فإن أمورًا أخرى كانت -على ما يبدو- تدور فى كواليس التحضير لتلك الدورة؛ إذ سرعان ما أعلن أكثر من فنان مصرى اعتذاره عن عدم المشاركة، ومنهم: على الحجار، ومحمد ثروت، ورامى صبرى، ومروة ناجى. ورغم اختلاف صياغة ما صاحب تلك الاعتذارات المتتالية، فإنها كانت جميعًا تشير إلى ضعف الميزانية المخصصة لهؤلاء، سواء تلميحًا أو تصريحًا، فضلًا عن تضارب المواعيد الذى طرأ على برنامج الحفلات بمجرد الإعلان عن أول المعتذرين.
وصحيح أن هناك أسماء مهمة أبقت على حضورها ضمن حفلات المهرجان مثل: عمر خيرت، ومدحت صالح، وغادة رجب، لكن أحدًا لا يستطيع أن ينكر ثقل الأسماء المعتذرة وقدرتها المعتادة على اجتذاب فئة كبيرة من متذوقى وعشاق هذه الأصوات المعتذرة. والذى علمته من كواليس المهرجان أن هذه الأصوات المعتذرة ضايقها أن المعاملة لم تكن بالمثل مع الأصوات العربية القادمة للغناء بالمهرجان -مما يؤثر على جودة المنتج الغنائى للمطرب المصرى فى تلك الحفلات، على عكس ما يحدث مع الأصوات العربية، مما يعنى عدم تكافؤ الفرص بين المطربين المشاركين جميعًا-.
ثم بلغت الأزمة ذروتها حين أعلن الدكتور رضا الوكيل، رئيس دار الأوبرا، استقالته من منصبه قبل أيام من بدء الدورة الجديدة، معللًا ذلك بأنه لن يقبل أن يملى أحد إرادته على قراراته، فى عبارة مبهمة فتحت الباب على مصراعيه أمام كثير من التأويلات لتلك العبارة الفضفاضة، التى تعبر بالنهاية عن حالة من الغضب انتابت رئيس الأوبرا ورئيس المهرجان ودفعته إلى هذا القرار المفاجئ فى مثل هذا التوقيت الحرج.
وفى يقينى أن كل أطراف الأزمة أخطأوا فى التعاطى معها؛ فمع تقديرى لتاريخ وقامة الدكتور رضا الوكيل، فإنه ما كان عليه أولًا التصريح بمثل ما قاله فى المؤتمر الصحفى عن ضعف الميزانية، وكان عليه أن يحل مشاكله فى الغرف المغلقة وليس على الملأ، فقد بدا الأمر وكأن الرجل ينفض يده مسبقًا من أى فشل يمكن أن يواجه الدورة الجديدة، ثم أتبع ذلك بخطأ أكبر حين بادر بالاستقالة قبيل أيام من بدء المهرجان، مما يؤكد أنه رافض لكل ما يحدث وأنه غير مسؤول عما يمكن أن تؤول إليه الأمور لاحقًا.
كذلك أخطأ المعتذرون؛ لأنهم وإن كان من حقهم الحفاظ على مستواهم الفنى أمام جمهورهم، فقد فاتهم أن المطربين العرب هم ضيوف أعزاء على القاهرة «هوليوود الشرق»، وأن إكرامهم واجب، وتفضيلهم فرض عين، وأنه لن يضيرهم كثيرًا لو تحملوا جانبًا من فارق الميزانية بين ما كان يجب أن يتقاضوه هم وفرقهم وبين ما عرضه عليهم القائمون على المهرجان؛ فالغناء على مسرح دار الأوبرا شرف، وتمثيل مصر واجب وطني، ومشاركة وزارة الثقافة فى هذا الظرف الاقتصادى الخاص أمر محمود.
وحتى إذا اعتبرنا أن تلك الاعتذارات هى بالنهاية تعبير عن موقف احتجاج إزاء تعامل دار الأوبرا معهم، فإنه ما كان يجب الإعلان عن اعتذاراتهم على الملأ؛ فالمتابع العادى لم يكن بعد قد تعرف على الأصوات المشاركة فعليًا، ومن ثم فإن الإعلان عن اعتذار هذه الأسماء هو الذى كشف عن وجودهم -من الأساس- ضمن فعاليات حفلات الدورة الجديدة.
وسواء أخطأ هذا أو ذاك، فإن تلك الأزمة قد كشفت أن الفراغ القائم فى منصب وزير الثقافة منذ رحيل الدكتورة جيهان زكى قد ساهم فى عدم احتواء تلك الأزمات سريعًا، رغم الجهود المخلصة التى يبذلها الدكتور عبد العزيز قنصوة، وزير التعليم العالى والقائم بأعمال وزير الثقافة. فوزارة مثل الثقافة -بكل مجالات اهتمامها وتشعبها- بحاجة إلى شخص متفرغ وملم بكل جوانب هذه المجالات، ولديه قنوات اتصال مسبقة مع كل المهتمين والمشتغلين بالعمل الثقافى، حتى لا تحدث أزمات مثل أزمة مهرجان الموسيقى العربية أو أزمة مهرجان الإسكندرية السينمائى لدول البحر المتوسط.