حين يلتقى الأهلى والزمالك، تتوقف عقارب الساعة، تتوقف الحوارات الجانبية، وتنقسم مصر إلى نصفين عاشقين، لكنهما فى النهاية يجتمعان على حب واحد اسمه مصر، فهى
ليست مجرد مباراة فى الدوري، ليست ثلاث نقاط تضاف إلى رصيد هذا الفريق أو ذاك، إنها العيد، عيد الكرة المصرية الذى ينتظره 110 ملايين مصرى، ومئات الملايين من المحيط إلى الخليج، هذا اللقاء لم يعد ديربى محلياً، بل ارتقى ليصبح كلاسيكو عالمياً بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لا يقل قيمة ولا متابعة ولا شغفاً عن كلاسيكو الأرض بين برشلونة وريال مدريد، فالعالم العربى كله يتابعه، والعالم كله أصبح يعرف أن فى القاهرة مباراة تساوى بطولة.
منذ سنوات، لم يعد لقاء الأهلى والزمالك حدثاً مصرياً فقط، الفضائيات العربية تنقله، الصحف العالمية تكتب عنه، مواقع التواصل الاجتماعى فى العالم العربى، تتحدث عنه قبل المباراة بأسبوع، إنه النموذج الحقيقى لتقدم الكرة المصرية، وحين نريد أن نقول للعالم إن لدينا دوري قوياً، وجماهير عظيمة، وتاريخاً كروياً يمتد لمائة عام، نقول لهم: شاهدوا الأهلي والزمالك، ولذلك، يجب أن يخرج هذا اللقاء القادم فى أبهى صورة ممكنة، من كل الزوايا فنيا، وجماهيرياً، وتحكيميا، وإعلامياً، لأن الصورة التي ستخرج بها المباراة هى صورة مصر نفسها.
يحمل اللقاء القادم نكهة خاصة جداً، فهو الأول الذي يجمع بين مدربين جديدين على الديربى، في جانب الأهلى، المدرب المغربي الكبير حسين عموتة، صاحب التاريخ المشرف مع الكرة المغربية، وصاحب العقلية التكتيكية الهادئة والمنظمة، عموتة يعرف جيداً قيمة الديربيات العربية، ويعرف أن مباراة الأهلى والزمالك تحتاج إلى أعصاب من حديد قبل أن تحتاج إلى خطة.
وفى جانب الزمالك، ابن الزمالك المخلص معتمد جمال، الذي يعرف القلعة البيضاء حجراً حجراً، ويعرف كيف يتعامل مع لاعبيه نفسياً ومعنوياً، معتمد جمال ليس مجرد مدرب، هو أحد أبناء المدرسة الزملكاوية التى تعشق الكرة الجميلة.
إنه صدام بين خبرة عموتة المغربية وحماس معتمد جمال المصرى، بين تنظيم الأهلى وروح الزمالك. وهذا ما يجعل المباراة فنياً على أعلى مستوى، ويدفعنا للتأكيد أنها ستكون نموذجاً للكرة المصرية فى تقدمها.
أما بيت القصيد، فهو الجماهير التى تصنع الديربى، وهي التي يمكن أن تفسده أيضاً، نحن نريد من جماهير الأهلى والزمالك أن تعطى صورة مثالية للتشجيع المحترم، شجع فريقك بكل قوتك، اهتف باسم ناديك حتى الرمق الأخير، ارفع الأعلام واللافتات، لكن دون المساس بالمنافس، لا للسباب، لا للخوض فى الأعراض، لا لإشعال الفتنة، المنافس ليس عدواً، المنافس هو شريكك فى صناعة هذا العيد الكروى، حين يشجع جمهور الأهلى باحترام، ويرد عليه جمهور الزمالك باحترام، فإن العالم كله يصفق لنا، هذه هى رسالة الكرة الحقيقية، أن نكون مختلفين فى الانتماء، لكن متحدين فى الأخلاق.
وحتى تخرج المباراة إلى بر الأمان، فقد استجاب اتحاد الكرة، لطلب النادى الأهلى طبقاً للائحة، وقرر إسناد إدارة هذا اللقاء الكبير إلى طاقم تحكيم أجنبى من الصفوة، والحكام الأجانب بطبيعة الحال لن يقرأوا ما سنكتب، ولكن الكلمة هنا يجب أن توجه إلى لاعبى الفريقين ومدربيهما وجماهيرهما.
على لاعبى الأهلي والزمالك، وعلى الجهازين الفنيين بقيادة حسين عموتة ومعتمد جمال، الالتزام الكامل بقرارات الحكام، وعدم الاعتراض، وعدم محاصرة الحكم، وعدم خلق مناخ متوتر داخل الملعب، وعلى الجماهير فى المدرجات أن تحترم صفارة الحكم الأجنبى، حتى لو جاءت عكس هواها، لأن احترام القرار هو الذى يضمن خروج المباراة بشكل حضارى، نريد أن ينقل هؤلاء الحكام الأجانب عند عودتهم إلى بلادهم صورة طيبة ومشرفة عن الكرة المصرية، صورة عن دورى منضبط، ولاعبين محترمين، وجماهير واعية، ومدربين على أعلى مستوى من الرقى والالتزام، فالتحكيم الأجنبى هو ضيف علينا، والضيف يجب أن يكرم، وأن يعود إلى بلاده وهو يحمل ذكرى طيبة عن كلاسيكو القاهرة العظيم.
وعلى الإعلام المكتوب والمسموع والمرئى مسؤولية تاريخية، الكلمة قبل المباراة هى التي تهيئ المناخ..
يا رجال الإعلام، هيئوا المناخ المناسب ليخرج اللقاء مشرفاً، لا تشعلوا الفتنة بعناوين مثيرة، ولا تبحثوا عن الترند على حساب استقرار الكرة المصرية،كونوا جزءاً من الحل، لا جزءاً من المشكلة.
أما السوشيال ميديا، فهى الأخطر. ننصح كل صفحات الأهلي والزمالك، وكل المؤثرين، وكل الجماهير على فيسبوك وتويتر، وكل صفحات التواصل الاجتماعى، بنزع فتيل الأزمة بين أطراف المنظومة فى الفريقين، كلمة واحدة مسيئة على السوشيال ميديا يمكن أن تشعل فتنة، وكلمة واحدة طيبة يمكن أن تطفئ ناراً.
دعونا نجعل السوشيال ميديا منصة للتشجيع المحترم، وللتوقعات الفنية، ولإبراز تاريخ الناديين العريق، بدلاً من أن تكون ساحة للسباب والشتائم.
وفى النهاية، هى 90 دقيقة ستنتهى، سيفوز فريق ويخسر آخر، أو يتعادلان، لكن ما سيبقى هو الصورة، هل خرجت المباراة مشرفة لمصر؟ هل قدمنا للعالم العربى نموذجاً للكلاسيكو المحترم؟ هل أثبتنا أننا نستحق أن نكون فى مصاف الكبار؟ هذه هى الأسئلة الحقيقية.
من هنا، ندعو الجميع.. إدارة الأهلى، وإدارة الزمالك، عموتة ومعتمد، اللاعبين، الحكام، الجماهير، الإعلام، والسوشيال ميديا.. لنكن على قلب رجل واحد فى هذا اليوم، لنجعل من لقاء الأهلى والزمالك القادم عيداً حقيقياً للكرة المصرية، ورسالة للعالم كله تقول: هذه هى مصر، وهذا هو كلاسيكو القاهرة، كلاسيكو الأخلاق قبل أن يكون كلاسيكو الأهداف والمتعة..