اشتعل الشارع الفرنسي خلال الأيام الأخيرة باحتجاجات طلابية واسعة، بالتزامن مع إضراب موظفي القطاع العام، رفضًا لخطط خفض الإنفاق وإجراءات التقشف، وسط تصاعد التوتر الاجتماعي والسياسي داخل البلاد. وتأتي هذه التحركات قبيل الانتخابات الرئاسية المقررة العام المقبل، فيما تواجه الحكومة تحديًا كبيرًا مع تقديم مشروع موازنة 2027، في ظل ارتفاع الدين العام وتزايد الضغوط على المالية العامة.
أقدم طلاب المدارس الثانوية الفرنسية على إغلاق مئات المدارس في مختلف أنحاء البلاد، احتجاجًا على كثافة الفصول ونقص المعلمين وتدهور البنية التحتية، إلى جانب طول ساعات الدراسة وارتفاع درجات الحرارة داخل الفصول في أعقاب موجات الحر الأخيرة. وسرعان ما انضم طلاب الجامعات إلى التحركات، رافعين مطالب مماثلة، فيما أفادت تقارير بإغلاق ما لا يقل عن 30 جامعة، من بينها حرم جامعي في رين وآخر في باريس.

وتصاعدت حدة الاضطرابات مع تسجيل حوادث عنف وتخريب في عدد من المدن الفرنسية؛ ففي نانت، اندلعت حرائق في مدرستين ثانويتين بعد إضرام النار في حاويات للنفايات، فيما أظهرت تسجيلات مصورة حريقًا عند مدخل مدرسة في مدينة روان. وفي مرسيليا، تعرض موظفون في مدرسة "فيكتور هوغو" للرش بمادة بترولية، بينما أصيب مدير مدرسة "ديغروجيلييه" في أوشيل بمقذوف ناري طائش. كما رشق محتجون عناصر الشرطة بالحجارة والزجاجات ومقذوفات أخرى، وطالت أعمال التخريب محطات الحافلات واللوحات الإعلانية، وردت قوات الأمن بالهراوات والغاز المسيل للدموع.

ومع اتساع نطاق المواجهات، أوقفت القوات الأمنية نحو 2000 شخص، معظمهم من القاصرين، فيما أصيب المئات من أفراد الشرطة والطلاب. وأطلق وزير التعليم، إدوار جيفري، "منصة رقمية للتشاور" بهدف الاستماع إلى مطالب طلاب المدارس الثانوية. وجاءت هذه الخطوة بالتزامن مع تشكيل رئيس الوزراء، سيباستيان لوكورنو، خلية أزمة لمتابعة الاحتجاجات الطلابية المتصاعدة. كما أحدثت الاحتجاجات صدى سياسيًا قويًا، حيث اتهمت الحكومة حزب "فرنسا الأبية" اليساري المتشدد، الذي يترشح زعيمه المثير للجدل، جان لوك ميلانشون، مرة أخرى للرئاسة، بالوقوف وراء الحركة.
ويتزامن هذا التصعيد مع إضراب دعت إليه النقابات الثماني الرئيسية في القطاع العام، للضغط على الحكومة قبيل مناقشات موازنة عام 2027. وتعتزم الحكومة تجميد رواتب موظفي القطاع العام للعام الرابع على التوالي، في إجراء يستهدف توفير نحو ملياري يورو، فيما تقول النقابات إن قرارات التجميد المتتالية أدت إلى تآكل القدرة الشرائية بأكثر من 10 في المائة. كما تخطط الحكومة لخفض الإنفاق بنحو 54 مليار يورو، وسط تباطؤ نمو الاقتصاد الفرنسي، ما يزيد من صعوبة جهود خفض العجز المالي.

ومن باريس، قالت فابيولا بدوي، الكاتبة الصحفية المتخصصة في الشأن الأوروبي، إن ما يحدث في فرنسا حاليًا لا يمكن اختزاله في احتجاج طلابي أو إضراب مهني منفصل، بل هو نتيجة تراكم عدة أزمات، تشمل أزمة في الخدمات العامة، وتراجعًا في القدرة الشرائية، وضغوطًا شديدة على المالية العامة، وشعورًا متزايدًا لدى قطاعات من الفرنسيين بأن الدولة تطلب منهم باستمرار تحمل تكلفة ضبط الموازنة، بينما تتراجع جودة بعض الخدمات التي يحصلون عليها.
وأكدت أن الاحتجاجات الأخيرة تكشف هذا المناخ بوضوح. ففي 29 سبتمبر، خرج موظفو القطاع العام في تحركات شملت نحو 170 تجمعًا في أنحاء البلاد. وقدرت وزارة الداخلية عدد المشاركين بنحو 206 آلاف، بينما أعلنت نقابة الاتحاد العام للعمال (CGT) رقمًا يتجاوز 300 ألف. وفي الوقت نفسه، اتسعت حركة طلاب المدارس الثانوية بصورة لافتة، ووصلت الاضطرابات والتحركات إلى أكثر من 330 مدرسة ثانوية، ثم تجاوز العدد 350 في اليوم التالي.
وعن أسباب الاحتجاجات الطلابية، أوضحت بدوي أن المطالب تختلف من مدرسة إلى أخرى، إلا أن هناك مجموعة من المشكلات المتكررة، تشمل نقص المدرسين، وعدم تعويض المدرسين الغائبين بسرعة، واكتظاظ بعض الفصول، وسوء حالة بعض المباني والتجهيزات، واضطراب جداول الدراسة، إضافة إلى القلق المرتبط بمنظومة الانتقال إلى التعليم الجامعي.
وتابعت أن بعض هذه الشكاوى تؤيدها بيانات سبقت الاحتجاجات نفسها. ففي بداية العام الدراسي، أظهرت استطلاعات نقابية أن أكثر من نصف المدارس الإعدادية والثانوية العامة التي شملها الاستطلاع لم يكن لديها جميع المدرسين المطلوبين خلال الأسبوع الأول من الدراسة. لذلك، من الخطأ اعتبار الحركة كلها نتيجة تحريض سياسي أو تأثير شبكات التواصل الاجتماعي. صحيح أن شبكات التواصل ساعدت بشدة في انتشار الدعوات، وأن قوى سياسية حاولت الدخول على خط الاحتجاجات، لكن ذلك لا يلغي وجود أسباب موضوعية سبقتها. بل إن وزير التعليم، إدوار جيفري، اعتبر بعض مطالب الطلاب "مشروعة"، مع رفض الحكومة أعمال العنف. والمفارقة هنا أن الحكومة تستطيع أيضًا تقديم أرقام تقول إن الدولة لم تتخل عن التعليم؛ فموازنة 2026 زادت اعتمادات التعليم بنحو 200 مليون يورو، وتضمنت قرابة 5900 وظيفة إضافية مقارنة بعام 2025. وبالتالي فالمشكلة ليست ببساطة أن «الدولة توقفت عن الإنفاق»، وإنما أن زيادة الموارد المعلنة لم تمنع استمرار نقص العاملين والتفاوت الكبير بين المدارس والمناطق وتدهور الظروف في بعض المؤسسات.
كما لفتت بدوي إلى ضرورة التمييز بين الاحتجاجات والمواجهات التي صاحبت بعضها. فالمطالب المتعلقة بالتعليم حقيقية، لكن هذا لا يعني تبرير أعمال العنف أو التخريب التي وقعت أمام بعض المدارس، وأدت إلى إصابات وتوقيفات. مؤكدة أن الخلط بين الأمرين يسمح بتحويل النقاش من أسباب الأزمة إلى قضية الأمن وحدها.
وبشأن إضراب موظفي القطاع العام، قالت بدوي إن الحكومة تستعد لموازنة 2027 في ظل وضع مالي صعب للغاية. إذ يُتوقع أن يبلغ الدين العام نحو 119.3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في 2026، مع توقع وصوله إلى 121.7 في المائة في 2027، وفق تقديرات وزارة المالية. وتريد الحكومة تنفيذ خطة لتوفير نحو 54 مليار يورو في موازنة 2027. وجزء من هذا التقشف سيمس بصورة مباشرة أو غير مباشرة العاملين في القطاع العام. كما أعلنت الحكومة أنها لا تعتزم زيادة عامة في قيمة النقطة الاستدلالية التي تُحتسب على أساسها رواتب الموظفين الحكوميين في 2027، ما يعني استمرار التجميد العام للأجور الأساسية. وأوضحت بدوي أن المشكلة لا تقتصر على قيمة الراتب، بل تشمل أيضًا نقص أعداد العاملين، والضغط المتزايد على المستشفيات والمدارس والإدارات والسلطات المحلية، إلى جانب شعور الموظف بأنه مطالب بتقديم الخدمة نفسها أو خدمة أكبر بموارد بشرية ومالية أكثر تقييدًا.
وأضافت بدوي أن فرنسا تواجه في الوقت نفسه ضرورة خفض العجز والدين، وارتفاع تكلفة الاقتراض، وضغوط أسعار الطاقة، والتزامات أمنية ودفاعية متزايدة في بيئة دولية مضطربة. وهنا تظهر واحدة من أكثر النقاط السياسية حساسية: عندما تطلب الدولة ضبط الإنفاق على قطاعات مدنية وخدمات عامة، بينما تستثني بعض الوزارات، ومنها وزارة القوات المسلحة، من القيود نفسها وتزيد اعتماداتها، يصبح النقاش حول الموازنة نقاشًا حول الأولويات، وليس مجرد مسألة محاسبية. كما تقترب البلاد من الانتخابات الرئاسية لعام 2027، والبرلمان منقسم، والحكومة تواجه صعوبة في بناء أغلبية مستقرة حول الموازنة. وبالتالي، أصبح كل قرار اقتصادي تقريبًا جزءًا من الصراع السياسي الذي يسبق الانتخابات.