رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

عُمان.. إجراءات استباقية مستدامة للحد من تبعات الأزمات العالمية


4-10-2026 | 15:12

.

طباعة
بقلم: أحمد تركي.. خبير الشؤون العربية
تبنّت سلطنة عُمان نهجًا متكاملًا يقوم على الإجراءات الاستباقية المستدامة لضمان التوازن بين النمو الاقتصادي، والعدالة الاجتماعية، ويأتي هذا التوجه كجزء أساسي من رؤية عُمان 2040، التي تهدف إلى الانتقال بالبلاد نحو اقتصاد مرن ومستدام قائم على الابتكار وإدارة المخاطر قبل حدوثها.

تتجلى هذه الإجراءات الاستباقية في المحاور الرئيسية التالية: المحور الأول: الاستدامة المالية والتحوط من الأزمات الاقتصادية، حيث ركزت السياسات المالية العُمانية على تعزيز مؤشرات الاستقرار المالي وتقوية المركز المالي للدولة بشكل استباقي عبر خفض حجم الدين العام ورفع التصنيف الائتماني .

وتتضمن الميزانيات العامة مخصصات ضخمة لـ الدعم الاجتماعي والخدمات الأساسية (مثل دعم قطاعات الحماية الاجتماعية، الكهرباء، المياه، والسلع الغذائية) لحماية المجتمع استباقيًا من تبعات الأزمات الاقتصادية العالمية وتقلبات أسعار الطاقة .

المحور الثاني:الأمن المائي والصحي (إدارة المخاطر الوقائية)، إذ تُطبق عُمان ممارسات استباقية صارمة في إدارة جودة وسلامة المياه بصفتها ركيزة للأمن الصحي والبيئي.

ومن خلال التعاون مع منظمات دولية مثل منظمة الصحة العالمية، يتم بناء أنظمة مراقبة تشغيلية تعتمد على تقنيات الرصد الحي، وتحليل نقاط الضعف في شبكات التوزيع، واختبار مرونة الأنظمة لمواجهة السيناريوهات الطارئة قبل وقوعها .

أما المحور الثالث من محاور الإجراءات الاستباقية العُمانية هو، التحول الرقمي والحوكمة الذكية، حيث يستهدف برنامج التحول الرقمي الحكومي إيجاد بيئة عمل مرنة تقدم خدمات ذكية وإجراءات استباقية تعتمد على التقنيات المتقدمة في التخطيط والتنظيم. ويشمل ذلك تطوير "نظام التخطيط والتنظيم الجديد" الذي يمثل نقلة نوعية نحو إدارة ذكية ومستدامة للمدن والموارد.

والمتابع للشأن العماني منذ انطلاقة تنفيذ رؤية عمان 2040, يتأكد أن السياسات المالية في عُمان ركزت على تحقيق التوازن بين البعد الاجتماعي للتنمية ومتطلبات تحسين المركز المالي للدولة ومؤشرات الاستقرار والاستدامة المالية والاقتصادية, ضمن نهج متكامل يعزز الأولويات والأهداف المدرجة في محور الإنسان والمجتمع في رؤية عمان .

ومن ضمنها أولوية الحماية الإجتماعية والتي تستهدف الوصول لمجتمع مغطى تأمينيا بشبكة أمان اجتماعي فاعلة ومستدامة وعادلة, وتوفير خدمات وبرامج اجتماعية متطورة ملبية لاحتياجات المجتمع, وحماية اجتماعية متكاملة موجهة للفئات المستحقة، لتمكينها اقتصاديا ومجتمعيا وزيادة مساهمتها في الاقتصاد الوطني, وتعزيز الشراكة الفاعلة بين القطاع الحكومي، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني لدعم مسار التنمية الاجتماعية المستدامة.

وترجمة للتوجيهات السامية التي يوصي بها دوماً السلطان هيثم بن طارق، بتعزيز منظومة الحماية الاجتماعية, وتوجيه الإيرادات الإضافية المحققة نتيجة ارتفاع أسعار النفط في عام 2022, بما يوازن بين متطلبات الاستدامة المالية وخفض الدين العام, وتحسين مستوى معيشة المواطنين والحد من تبعات الأزمات, وتحفيز النمو الاقتصادي, قامت عُمان بتطبيق منظومة الحماية الاجتماعية وتوسعة برنامج الدعم الوطني خلال خطة التنمية الخمسية العاشرة 2021 ـ 2025 والتي تزامن تنفيذها مع تفاقم التضخم العالمي ليسجل مستويات غير مسبوقة بسبب تداعيات جائحة كوفيد والعراقيل التي واجهت سلاسل الإمداد والتجارة العالمية بسبب الحرب الأوكرانية .

وللحد من تأثير الأزمات العالمية وتقليص تأثير إجراءات الضبط المالي، تم إعادة توجيه الدعم الحكومي بالتركيز على الفئات المستحقة, وبدأت الحكومة برنامجا للدعم الوطني تضمن تخصيص الميزانية العامة للدولة خلال سنوات الخطة العاشرة حوالي 7.3 مليار ريال عُماني لدعم القطاعات والخدمات العامة كمنظومة الحماية الاجتماعية، والمنتجات النفطية، والكهرباء، والمياه والصرف الصحي، والسلع الغذائية، ودعم فوائد القروض التنموية والإسكانية لتحقيق الاستقرار الاجتماعي وتخفيف تداعيات التضخم والأزمات العالمية.

وتواصل سلطنة عُمان خلال العام الجاري 2026 التزامها بدعم الخدمات الأساسية وتوسعة منظومة الحماية الاجتماعية من خلال مخصصات الميزانية العامة لبند الدعم والمساهمات الحكومية الموجهة لعدد من الخدمات, والبالغة 1.9 مليار ريال عماني, وإلى جانب 300 مليون ريال عماني ضمن هذه المساهمات لمخصص سداد القروض و35 مليون مساهمات في المنظمات الدولية .

وتبلغ مخصصات الدعم والحماية الاجتماعية في عُمان نحو 1.6 مليار ريال عماني, من بينها 614 مليون ريال عماني مخصص منظومة الحماية الاجتماعية, و509 مليون ريال عماني لدعم قطاع الكهرباء و170 مليون ريال لدعم قطاع المياه و82 مليون ريال عماني لدعم قطاع النقل, و71 مليون ريال عماني لقطاع النفايات, و75 مليون ريال عماني لدعم فوائد القروض الإسكانية, و15 مليون ريال عماني لدعم السلع الغذائية, و35 مليون ريال عماني لدعم المنتجات النفطية ومن المتوقع زيادة المخصصات الفعلية للدعم نظرا لكلفة دعم المنتجات النفطية في ظل الارتفاع الملموس في أسعار الطاقة خلال العام الجاري.

ومع تفاقم الأوضاع الجيوسياسية خلال العام الجاري, وفي إطار الاهتمام بالبعد الاجتماعي وتقليص تبعات الأزمات, يأتي توسيع قائمة السلع والمنتجات الخاضعة لضريبة القيمة المضافة بمعدل صفر بالمائة لتشمل أكثر من 800 سلعة غذائية وأسعار مدعومة لقطاعات حيوية مثل الصحة والزراعة والثروة الحيوانية بدءا من أكتوبر الجاري, لتواصل سلطنة عمان نهج الاستباقية وتوقي تبعات الأزمات العالمية وتبني الإجراءات التي تحد من تأثير الأزمات على مستوى المعيشة ومسار النمو الاقتصادي في ظل الأزمات والمتغيرات الدولية والتي كان من أبرز تبعاتها خلال العام الجاري 2026 زيادة أسعار السلع والخدمات نظرا لارتفاع معدل التضخم ليسجل محليا 2.9 بالمائة بنهاية أغسطس الماضي مع توقع وصول معدله العالمي إلى 4.7 بالمائة بنهاية العام الجاري .

وقد بدأت سلطنة عُمان في وقت مبكر من العام الجاري استجابتها للتطورات الجيوسياسية الراهنة, ووفق التوجيهات السامية, أعلنت وزارة المالية خلال العام الجاري حزمة من التسهيلات الاقتصادية والمالية للحد من الآثار الناجمة عن الأوضاع الجيوسياسية, وتضمنت تثبيت تعريفة استهلاك الكهرباء لمنشآت الأمن الغذائي ودعم النقل البحري للمواد الغذائية القادمة من الموانئ الهندية لمدة ستة أشهر. تنظيم المشاريع الحكومية

ولا شك أن نجاح الحكومة العُمانية في كل هذه الإجراءات يعزى إلى الدور الكبير الذي لعبته الدورة المستندية ولائحة تنظيم المشاريع الحكومية باعتبارهما يمثلان انتقالًا من تعدد الإجراءات والممارسات إلى إطار تنظيمي موحد يحكم مسار المشروع منذ مراحله الأولى من الإعداد والتخطيط وحتى التنفيذ والإغلاق، ويحدد المتطلبات والمسؤوليات ونقاط التحقق اللازمة خلال كل مرحلة .

جرى إعداد الدورة المستندية وفق نهج تشاركي شمل الجهات الحكومية ذات العلاقة والجوانب الفنية والمالية والقانونية، بما أسهم في مواءمة الإجراءات المقترحة مع الاحتياجات الفعلية للجهات وتعزيز قابليتها للتطبيق. وأُدرجت هذه المنظومة ضمن لائحة تنظيم المشاريع الحكومية الصادرة بالقرار رقم (169 / 2023)، إلى جانب التعاميم المرتبطة بتطبيق بوابات الضمان ورفع كفاءة الانفاق الحكومي، وتعميم وزارة المالية بشأن توقيع العقود وارتباطها ببوابات الضمان.

وانتقلت الدورة المستندية من إطار تنظيمي إلى ممارسة مطبقة على المشاريع الحكومية؛ إذ أصبح الانتقال بين مراحل المشروع مرتبطًا ببوابات ضمان مرحلية للمشاريع التي تبلغ موازنتها التقديرية 500 ألف ريال عُماني أو أعلى حيث يتم من خلالها التحقق من مدى استيفاء المتطلبات والمخرجات اللازمة قبل الانتقال إلى المرحلة التالية .

أسهمت المنظومة في تعزيز مفهوم الحوكمة المرحلية للمشاريع، بحيث لا يقتصر التركيز على إدارة المشروع أثناء التنفيذ، وإنما يبدأ التحقق من جودة التخطيط والجاهزية منذ المراحل المبكرة ويستمر حتى مرحلة الإغلاق. وتستهدف الدورة المستندية جميع مشاريع الجهات الحكومية، بما يعزز توحيد الممارسات ورفع مستوى الحوكمة والشفافية، ويهيئ بيئة أكثر تكاملًا لإدارة البيانات والإجراءات المرتبطة بالمشاريع الحكومية.

وتتمثل القيمة الوطنية للدورة المستندية ولائحة تنظيم المشاريع الحكومية في بناء مرجعية موحدة لإدارة المشاريع، وتحسين جودة التخطيط والتنفيذ وتعظيم الأثر مقابل الإنفاق، وتعزيز الحوكمة والشفافية، ورفع كفاءة إدارة الموارد، بما يتكامل مع جهود هيئة المشاريع والمناقصات والمحتوى المحلي في رفع كفاءة الإنفاق الحكومي دعمًا لتحقيق مستهدفات رؤية "عُمان 2040" .

إجمالاً يمكن القول أنه خلال السنوات الخمس الماضية, شهدت مؤشرات الاستقرار المالي في سلطنة عُمان تحسنا ملموسا من خلال تقوية المركز المالي للدولة وخفض حجم الدين العام بشكل حاد وارتفاع التصنيف الائتماني إلى درجة الجدارة الاستثمارية, ويتيح التقدم نحو الاستدامة المالية دعما أكبر للمضي في إعادة ترتيب الأولويات المالية بما يتوافق مع المتطلبات الاجتماعية في جوانب الرفاه والصحة والتعليم والإسكان, وأيضا توجيه الانفاق العام نحو تحفيز الأنشطة الاقتصادية لتحقيق مستهدفات النمو الاقتصادي التي تطمح إليها رؤية عُمان 2040.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة