رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الصبر الاستراتيجي في أزمة السد الإثيوبي


4-10-2026 | 13:55

.

طباعة
بقلم: د. عمرو عبد العزيز منير
منذ أن دخل ملف السد الإثيوبي مرحلة التفاوض، اختارت مصر، بصورة واضحة ومعلنة، ضبط النفس والحوار والاحتكام إلى قواعد القانون الدولي أساسًا للتعامل مع واحدة من أكثر القضايا حساسية بالنسبة إلى أمنها القومي. وجاء هذا المسار من إدراك لطبيعة موقع مصر في المنطقة، ولقيمة نهر النيل بوصفه موردًا مشتركًا تتصل به حياة شعوب عدة، وتحتاج إدارته إلى قدر من التعاون والاستقرار.

أكدت القاهرة مرارًا حق دول حوض النيل في التنمية، وربطت ذلك باحترام قواعد القانون الدولي ومبدأ عدم إحداث ضرر ذي شأن، وظل المطلب المصري طوال سنوات الأزمة يدور حول الوصول إلى اتفاق واضح يحفظ مصالح الدول الثلاث ويمنع تحول إدارة المياه إلى مصدر دائم للتوتر .

بعد سنوات طويلة من التفاوض، يطرح مفهوم «الصبر الاستراتيجي» سؤالًا يصعب تأجيله: متى يكون الصبر أداة لإدارة الأزمة، ومتى يمنح استمرار الأزمة وقتًا إضافيًا؟

في مارس 2015 وقعت مصر والسودان وإثيوبيا إعلان المبادئ، الذي تضمن مبادئ التعاون والاستخدام المنصف والمعقول وعدم التسبب في ضرر ذي شأن. ثم توالت جولات التفاوض من دون الوصول إلى تسوية نهائية. وتقول وزارة الخارجية المصرية إن مسار المفاوضات امتد لنحو ثلاثة عشر عامًا، وإن القاهرة أنهته بعدما رأت أن العملية لم تعد تقود إلى النتيجة التي سعت إليها. وهذا توصيف رسمي مصري ورد صراحة في خطاب وجهته القاهرة إلى مجلس الأمن في سبتمبر 2024 .

وخلال تلك السنوات كان الواقع على الأرض يتغير. كانت مصر تتفاوض، وكان الزمن يمضي.

وكانت إثيوبيا تبني وتستكمل مشروعها، إلى أن افتتحت السد رسميًا في سبتمبر 2025، فأصبح المشروع حقيقة مكتملة على الأرض، بينما استمر الخلاف السياسي والقانوني حول إدارة المورد المشترك .

هنا تكمن إحدى أكثر مفارقات الأزمة وضوحًا. فالتفاوض يفترض أن يقود في نهاية المطاف إلى نتيجة، وضبط النفس يكتسب قيمته من قدرته على منع التصعيد وفتح الطريق أمام تسوية. وعندما تمضي السنوات ويتغير الواقع المادي بصورة كاملة، يصبح من المشروع مراجعة ما حققته العملية السياسية، وما بقي منها قادرًا على إنتاج نتيجة.

وسبق لمجلس الأمن أن شجع الدول الثلاث في بيانه الرئاسي الصادر في 15 سبتمبر 2021 على مواصلة المفاوضات بهدف الوصول، خلال إطار زمني معقول، إلى اتفاق مقبول بينها بشأن السد. مضت بعد ذلك سنوات، واكتمل المشروع، وبقي جوهر الخلاف قائمًا .

وتزداد حساسية هذه اللحظة مع ما يجري داخل إثيوبيا وفي محيطها. ففي سبتمبر 2026 تشكل تحالف من سبع جماعات مسلحة معارضة للحكومة الفيدرالية، من بينها جبهة تحرير شعب تيجراي وقوى أخرى من مناطق إثيوبية مختلفة، بالتزامن مع اتساع المواجهات في الشمال وعودة المخاوف من انزلاق البلاد إلى دورة جديدة من الصراع بعد اتفاق بريتوريا لعام 2022.

ثم تصاعد التوتر مع إريتريا بصورة حادة. وفي الأول من أكتوبر 2026 أعلنت أسمرة قطع العلاقات الدبلوماسية مع أديس أبابا بعد إغلاق السفارة الإثيوبية وطرد دبلوماسيين إريتريين. ووجهت الحكومة الإثيوبية اتهامات إلى إريتريا ومصر والسودان بدعم قوى المعارضة، وقد نفت الدول الثلاث هذه الاتهامات. كما شهدت الأزمة إجراءً دبلوماسيًا إثيوبيًا تجاه مصر وردًا مصريًا مماثلًا .

هذه التطورات لها أسباب داخلية وإقليمية معقدة، وكل محاولة لردها إلى عامل واحد تبتعد عن طبيعة المشهد الإثيوبي. وفي الوقت نفسه، فإن نتائج ما يجري تهم مصر مباشرة عندما تمس حوض النيل أو البحر الأحمر أو السودان أو أمن القرن الأفريقي.

وتأتي قضية الوصول الإثيوبي إلى البحر الأحمر ضمن هذا السياق. فإثيوبيا دولة حبيسة منذ استقلال إريتريا، وأصبح الوصول إلى الموانئ حاضرًا بقوة في خطابها السياسي والاستراتيجي. أما إريتريا فتنظر بحساسية شديدة إلى أي طرح يمكن أن يقترب من سيادتها أو أراضيها أو مياهها الإقليمية. وقد أصبح هذا الملف أحد عناصر التوتر بين البلدين خلال الفترة الأخيرة .

الجغرافيا لا تتغير بالرغبات السياسية.

وحاجة أي دولة إلى منفذ بحري يمكن التعامل معها عبر الاتفاقات والترتيبات القانونية والتعاون مع الدول الساحلية. السيادة تبقى قاعدة حاكمة للعلاقات بين الدول، مثلما تظل الموارد المشتركة بحاجة إلى قواعد تحمي حقوق جميع الأطراف .

ومن هنا يمكن فهم القلق المصري من تكرار منطق الأمر الواقع في أكثر من ملف داخل منطقة شديدة الاضطراب.

الحديث عن حق إثيوبيا في التنمية يمثل جزءًا من القضية، وهو حق أقرته مصر في خطابها الرسمي مرات عديدة. وفي المقابل توجد مصالح مائية وأمنية لدولتي المصب، ومرجعيات قانونية واتفاقات ومواقف دولية تتصل بإدارة النهر. والتحدي الحقيقي يكمن في التوفيق بين هذه المصالح داخل إطار يمنع أن تتحول القوة المادية أو الموقع الجغرافي إلى المصدر الوحيد لتنظيم العلاقات بين دول الحوض .

وهنا يعود السؤال إلى الصبر الاستراتيجي.

المقصود لا يتعلق بموعد الذهاب إلى الحرب، فالعلاقات الدولية تقدم للدول أدوات كثيرة قبل الوصول إلى هذا المستوى من التصعيد: التحرك الدبلوماسي والقانوني، المؤسسات الدولية، العلاقات الأفريقية، الشراكات الإقليمية، بناء القدرة الداخلية، وتوظيف عناصر القوة السياسية والاقتصادية .

السؤال يتعلق بمدى فاعلية الأدوات التي استخدمت حتى الآن، وبقدرتها على تحقيق النتيجة التي تحمي الأمن المائي المصري.

الصبر الاستراتيجي له قيمة عندما يؤدي إلى نتيجة. والتفاوض تكون له قيمة عندما يحرك الأطراف نحو تسوية. وضبط النفس يحمي الاستقرار عندما يقترن بعملية سياسية قادرة على إنتاج تفاهمات قابلة للحياة .

ومع اكتمال السد الإثيوبي، تصبح مراجعة حصيلة السنوات الماضية ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة. فالمشروع قائم، والخلاف مستمر، والمنطقة المحيطة به أصبحت أكثر اضطرابًا، ومساحة الخطأ في الحسابات الإقليمية أضيق مما كانت عليه قبل سنوات.

مصر تحتاج إلى حماية أمنها المائي، وإثيوبيا تحتاج إلى استقرار يسمح لها بالاستفادة من مشروعها التنموي، والسودان يحتاج إلى بيئة مستقرة في حوض النيل. وهذه المصالح تستطيع أن تلتقي عندما تصبح قواعد التعاون أكثر قوة من سياسة الأمر الواقع .

فالصبر الاستراتيجي ليس شيكًا على بياض. والتمسك بالقانون الدولي موقف يرتبط بحماية الاستقرار الإقليمي ومنع القوة من أن تصبح المرجعية الوحيدة لإدارة الموارد المشتركة.

وفي النهاية، يبقى نهر النيل أطول عمرًا من الحكومات، وأبقى من الخلافات السياسية، وأهم من حسابات اللحظة .

ومن هنا يظل السؤال الحقيقي قائمًا: متى تدرك إثيوبيا أن أفضل ضمان لمصالحها التنموية والاستراتيجية هو أن تجعل من التعاون قاعدة، ومن القانون مرجعية، ومن حسن الجوار سياسة ثابتة، عوضًا عن اختبار حدود صبر الآخرين؟

أخبار الساعة

الاكثر قراءة