السادس من أكتوبر ١٩٧٣، أكثر من نصف قرن مر على هذا التاريخ ولا يزال تمر ذكراه لتوقظ في داخلنا جميعا كمصريين مشاعر كثيرة، مشاعر فخر وعزة واعتزاز بالنفس، لا يمكن بحال أن تمر هذه الذكري مرور الكرام دون ذكرها والكتابة عنها لكل صاحب قلم عربي عموما أو مصري على وجه الخصوص، فحرب أكتوبر ليست معركة عسكرية فقط ولكنها ملحمة متكاملة الأركان، تبدأ من حرب الاستنزاف، أو حرب الألف يوم، في يوليو ١٩٦٧ حتى وقف اطلاق النار في أغسطس ١٩٧٠، معارك مستمرة بدأتها مصر بهدف اعادة بناء الجيش ورد الكرامة واستعادة الثقة، وتمر السنون سريعا ليأتي عام ١٩٧٣ ويشهد انطلاق شرارة هذه الملحمة واللحظة الفارقة التي شكلت ورسمت تاريخا جديدا على جميع الأصعدة، رسمت مصر في صورتها كما يجب أن تكون، دولة العزة والرفعة والكرامة، لا تنهزم ولا تستسلم ولا تفرط، جنودها دروع وحوائط صد ضد أي خطر يحاول أو حتى يفكر أن يقترب من كيانها أو ينال من هيبتها، وأشقاؤها وجيرانها خير مثال للأخوة والعروبة والدفاع المشترك.
معركة أكتوبر ليست ذكري انتصار نحتفل بها فحسب بل هى علامة فارقة ونقطة بداية للتاريخ كله، درسا تعلمناه وتشربناه من أهلنا منذ نعومة أظفارنا، حربا أحيت أرواحا أجهدت وجفت بعد انتصار زائف من العدو.
من منا ليس بين أهله وأقاربه شهيدا أو اثنين! من منا لم يجلس صغيرا ليشاهد أفلاما ملحمية مثل الرصاصة لا تزال في جيبي وفور انتهائه يتسائل ببراءة "هو إيه حرب أكتوبر دي؟" فيجلس الأب أو الأم ليروي تفاصيل صحوة شعبنا وتلاحمه لصنع مجد لازال يدرس من أعدائنا قبل حلفائنا، بل إن الكثير من الأسر لازالت تحتفظ بأعداد الجرائد القومية الصادرة لهذا اليوم أو تحفظ عن ظهر قلب أول بيان للجيش بعد عمليات العبور.
لازالت ذكرياتي تتداعي وصوت والدي يسري في أسماعنا وأخوتي كالسحر ساردا في فخر أحداثا عاشها بنفسه وكان أحد أعظم أبطالها، بصفته رجلا عسكريا مخضرما، فكنا نجلس مزهوين وأعيننا تتسع وتتسع انبهارا واجلالا لكل أب وأخ ومصري كان شريكا في هذا النصر، والرائع أن والدي، رحمه الله، كان عنده دائما جديدا ليرويه كل عام وحكايات لا تنتهي عن بطولات، تخصه وآخرين، تقشعر لها الأبدان، وكنا ننتظر هذه الجلسة في شغف لا نمل حتى مع مرور السنين ولا نكف عن القاء التساؤلات وهو يجيب وعيناه أحيانا تدمع مع ذكرياته.
إن الاحتفال بذكري انتصارات أكتوبر ليس رفاهية، بل واجب قومي ولزاما علينا جميعا أن نظل نحيي هذه الذكري في نفوس أولادنا، نتلو تفاصيلها ونعلمهم دروسها في الشجاعة والاستبسال والتضحية بالنفس في سبيل الوطن وعزته وكرامته، نعلمهم قدسية الأرض وهوان كل شئ في مقابل سلامتها، يحتاج هذا الجيل كثيرا لمن يرشده لتاريخه ويعرض له نقاط قوته ويعلمه معاني التضحية والتخطيط والثقة بالنفس وتضافر القوي والقيادة الحكيمة والامتثال لأوامرها، يلقنهم دروسا في الوطنية والانتماء والصمود ما أحوجهم إليها، وما أعظمها من مناسبة وذكري لالقاء الضوء على هذه المعاني والقيم بشكل عملي ومرئي.
أتصور أن هيئات الدولة جميعا يجب أن تتكاتف لاستغلال هذه المناسبة بشكل عملي فيكون اليوم كله تخصيصا لهذه المناسبة، رحلات مجانية للطلاب لمزارات مثل بانوراما أكتوبر والمتاحف الحربية والعسكرية وعروضا تليفزيونية مكثفة للأفلام التسجيلية والوثائقية عن هذا الانتصار العسكري بالاضافة لزيارات بعض القيادات السابقة للمؤسسات التعليمية ومناقشة الطلاب عن خلفياتهم عن هذا الاحتفال، واجابة أسئلتهم وتوضيح وشرح مبسط وشيق للحدث بكافة تفاصيله بالإضافة إلى عرض للسير الذاتية العسكرية المشرفة وسرد البطولات، وإن كنا نري ذلك يحدث بالفعل، فالدولة تتيح زيارة العديد من المتاحف بالمجان للجمهور بهذه المناسبة، فيجب أن تكثف هذه الجهود بشكل أكبر وعلى نطاق أوسع الآن ويسلط عليها الضوء، فكما أقول دائما فإن هذا الجيل تتوه عنه أحيانا الكثير من المثل والقيم ويفتقد القدوة، لذا فإن مناسبة كهذه يجب أن تستغل على أفضل وجه لنشير لهم على ماضينا المشرف والقدرة على تحويل المحنة إلى منحة، كيف خرجنا من قمة اليأس إلى آفاق الأمل، كيف صعدنا من قاع الانكسار والانهزام إلى الريادة وتصدر القمة، كيف كنا جميعا، في جميع الدول العربية، أخوة عروبة ودم وهدف مشترك، لم يتأخر أي من الأشقاء عن مد يد العون وتقديم الدعم بجميع أشكاله، لم يكن بيننا مقصرا أو متخاذلا أو متوانيا، كل مواطن عربي قام بدوره وأكثر دون حتى أن يطلب منه.
أكتب اليوم كلمات يمليها على قلبي فليس أغلى من الأرض والوطن لنزهو به ونعمل لأجله ونجله ونقدسه، نفرح لسموه ورقيه ورفعته، ونهتم لقضاياه ونبذل في سبيله الغالي والنفيس.
أشعر بالفخر كوني ابنة أحد أبطال هذه المعركة الثأرية الجليلة، وأرجو من قلبي أن نغتنم جميعا هذه الفرصة لنشير لأولادنا على جميع أبطالنا وحماة الوطن، من هم على قيد الحياة ومن قدموا أرواحهم طواعية فداءا له.
رحم الله شهدائنا وبارك لنا في أعمار من لازال من أبطالنا على قيد الحياة.