فى المقابل، ورغم وصول جزء من التضخم المستورد إلى السوق المحلي، هناك جهود حكومية مستمرة لامتصاص أكبر جزء من تلك الزيادات وخاصة مع التوسع فى مبادرة خفض الأسعار عبر 30 سلعة بتخفيضات 25 فى المائة لنحو 6 أشهر، ليصبح الرهان على نجاح الحكومة فى توفير تلك السلع بكميات كبيرة على مدار الأشهر القادمة لكبح جماح التضخم المستورد.
وبحسب الأرقام المتاحة، يتضح أنه ارتفع مؤشر أسعار الغذاء التابع لمنظمة الأغذية والزراعة بنسبة 1.9 فى المائة ليصل إلى 133.3 نقطة فى أغسطس 2026 مسجلا زيادة شهرية ثانية على التوالى ووصوله لأعلى مستوى له منذ نوفمبر 2022، كما أن تصاعد التوترات الجيوسياسية فى البحر الأسود وتضاعف تكاليف شحن البضائع ألقت بظلالها على أسعار مكونات الأعلاف بالسوق المحلية والتى ارتفعت بنحو 35 فى المائة خلال شهر سبتمبر، وبالتبعية ارتفعت أسعار الدواجن بنحو 20 فى المائة مقارنة بشهر أغسطس، هذا فضلا عن أن تعطل جانب من تدفقات البحر الأسود للقمح ساهم بقوة فى رفع كلفة وصوله إلى كافة الدول المستوردة ومنها مصر.
أيضا ارتفعت أسعار الجبن بنحو 20 فى المائة خلال الشهرين الماضيين نتيجة ارتفاع أسعار اللبن البودرة والبروتين العالمي، ووفقا لبوابة أسعار السلع المحلية والعالمية التابعة لمجلس الوزراء هناك ارتفاعات محدودة فى أسعار السكر والدقيق المعبأ والزيت والفول والعدس واللحوم الطازجة، مع تراجع محدود لكل من الأرز السائب والجبن الأبيض والمكرونة.
أحمد كمال، معاون وزير التموين، المتحدث الرسمى باسم الوزارة، كشف أن «مبادرة تخفيض الأسعار تشهد توسعًا مستمرًا فى قاعدة المنافذ والجهات المشاركة، حيث تعمل الوزارة على زيادة نطاق التغطية الجغرافية للمبادرة وإتاحة السلع المخفضة فى أكبر عدد ممكن من المحافظات والمراكز والأحياء، مع استمرار إضافة منافذ وسلاسل تجارية جديدة وفقًا للضوابط المنظمة للمبادرة، ويتزامن ذلك مع زيادة عدد السلع لتضم 30 سلعة بأسعار مخفضة بنحو 25 فى المائة فنستهدف زيادة المعروض السلعى لتخفيف الأعباء المعيشية على المواطنين وتعزيز استقرار الأسواق».
«كمال»، أوضح أن المبادرة لا تقتصر على منافذ التموين، وإنما تشمل القطاع الخاص والسلاسل التجارية الراغبة فى المشاركة، بما يعزز انتشارها ويوسع نطاق إتاحة السلع للمواطنين، وقد وافقت اللجنة المختصة على انضمام سلسلة «لولو ماركت» إلى المبادرة وطرح الأصناف المحددة بذات الأسعار المعلنة، إلى جانب استكمال إجراءات انضمام سلاسل تجارية أخرى خلال الفترة المقبلة، بما يعكس توجه المبادرة نحو توسيع قاعدة المشاركة وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص لزيادة المعروض ودعم استقرار الأسواق، وهناك انعقاد مستمر لغرفة العمليات بالوزارة لتأكيد المتابعة اليومية لضخ السلع والتعامل الفورى مع أى ملاحظات.
وأكد المتحدث الرسمى لـ«التموين»، أن «المبادرة شهدت إقبالًا ملحوظًا من المواطنين على عدد من السلع، وفى مقدمتها الجبن والصلصة والأرز والمربى والطحينة إضافة إلى الزيوت والسكر، وهو ما يتم متابعته بصورة مستمرة من خلال حركة السحب وأرصدة المخزون بالمنافذ، مع توجيه بتكثيف الضخ وسرعة إعادة الإمداد بالكميات المطلوبة وفقًا لمعدلات الطلب، لضمان استمرار توافر هذه السلع وعدم حدوث نقص بها».
«تسعى الحكومة بقدر الإمكان أن تخفض الأسعار أو على الأقل تحافظ على ثباتها، لكن هناك عوامل ليست بيدها وهى الأسعار العالمية وارتفاع سعر الدولار داخليا»، هذا ما كشفه سيد النواوي، نائب رئيس شعبة المستوردين بالاتحاد العام للغرف التجارية، والذى أكد أن «التذبذب فى سعر الصرف يسبب ارتباكا فى تسعير السلع، السوق غير مستقر فالحرب الدائرة متسببة فى تأخير الشحن لأغلب السلع وهناك ارتفاع فى تكاليف الشحن، أيضا ذبذبة سعر الدولار، فيوميا العملة الصعبة بسعر مختلف فلا يوجد استقرار فى التسعير، فالمستورد لا يعرف تكلفة البضاعة القادمة له خاصة أن المواد الخام أغلبها مستورد، يضاف إلى ذلك انكماش السوق أو القوة الشرائية ضعيفة، بما يجعل التكلفة مرتفعة الأمر الذى يدفع المنتجين وكبار المستوردين إما لتخفيض الجودة، أو رفع الأسعار أو توفير العمالة».
«النواوى»، أضاف أن «التكلفة الحكومية تزيد، والمتمثلة فى كهرباء، غاز، مواصلات، تأمينات، ضرائب، وهناك قلق لدى البعض من ارتفاع أسعار المحروقات خاصة فى ظل ارتفاع سعر برميل البترول عالميا، فهناك حذر لدى بعض المنتجين أو التجار من التسعير المتوقع خلال شهر أكتوبر، ولا ننكر تأثير زيادة الإيجارات فى تعديلات قانون الإيجار القديم وتأثيرها على ارتفاع التكلفة على أصحاب المحال التجارية، مثلا المحل الذى كان إيجاره بـ 200 جنيه، حاليا أصبح 1000 جنيه، بخلاف 15 فى المائة زيادة سنوية، وبالتالى تلك التكلفة سيتحملها المستهلك».
كما شدد على أن «الحكومة تحاول أن تخفف عن المستهلك من خلال المبادرات الخاصة بها، لكن تأثيرها محدود، فهناك حلول إضافية يمكن استخدامها، فقديما كان لكل وزارة أو جهة حكومية جمعية استهلاكية تبيع لموظفيها بأسعار رخيصة، فيجب التوسع فيها إلى جانب زيادة الرقابة على المجمعات الاستهلاكية والمنافذ الحكومية لضمان وفرة السلع المخفضة لضمان المنافسة مع السوق الحر، وبالتالى يجب التخلص من نغمة التاجر الجشع فهناك تكلفة منتج، والتاجر لديه التزامات ضرائب وتأمينات وعمالة، وبالتالى فارتفاعات الأسعار واقع وله أسباب منطقية».
وعن اللحوم المستوردة، أوضح «النواوى» أنها «مرتبطة بسعر الدولار عالميا ومحليا، وقيمة اللحوم عالميا، وبالتالى أسعارها ترتفع قليلا ثم تهدأ لتعاود الصعود، ويتراوح سعر كيلو اللحم الهندى «الشعبى» التجارى بين 265 جنيهاً، ليصل إلى المستهلك بنحو 275 إلى 285 جنيهاً، بينما يتراوح سعر اللحم البرازيلى التجارى بين 320 و325 جنيهاً، ليصل إلى المستهلك بنحو 350 جنيهاً، ويبقى الوضع رهنًا باستقرار المعطيات العالمية ومعدلات الشحن وسعر الصرف، حيث تسعى الجهات الحكومية لضبط الأسواق وتخفيف العبء عن المواطنين فى ظل التحديات الاقتصادية الراهنة».
من جانبه أوضح حازم المنوفي، رئيس جمعية عين لحماية التاجر والمستهلك، عضو شعبة المواد الغذائية باتحاد الغرف التجارية، أن هناك ارتفاعات فى أسعار بعض السلع الغذائية لكنها حتى الآن طفيفة، وهى زيادات مؤقتة مرتبطة بظروف الحروب الخارجية وعدم الاستقرار فى منطقة الشرق الأوسط، وبالتالى تدخلت الدولة فى (خطوة استباقية) عبر مبادرة التموين لتخفيض أسعار ثلاثين سلعة بما يحقق منافسة، وحتى إذا ارتفعت الأسعار خلال الأشهر القادمة ستنجح هذه المبادرة فى تحجيمها، فأسعار الزيت لم تشهد ارتفاعاً قوياً، حيث تقتصر الزيادة الطفيفة (نحو 1500 جنيه للطن، أى ما يعادل جنيهاً ونصف الجنيه للتر) على الزيوت السائبة (السايبة)، بينما سجلت بعض الجبن (الترا باك) تحركات طفيفة فى الأسعار».
وتابع: فى المقابل، تشهد سلع أساسية أخرى استقراراً ملحوظاً؛ فقد انخفض سعر الأرز بنحو 500 جنيه للطن مؤخراً ليحقق وفراً بالأسواق، تزامناً مع موسم حصاد الأرز الجديد. كما يُعد السكر مخزوناً استراتيجياً مستقراً، حيث تمثل الزيادة الأخيرة فى أسعاره عملية «تصحيح سعري» بعد انخفاضه سابقاً دون التكلفة الفعلية، ليتراوح سعره الحالى بين 25 و26 جنيهاً للكيلو، بما يضمن تغطية التكلفة العادلة للمصنعين والمنتجين المحليين ومنع حدوث أزمات نقص الإنتاج، ولا ننكر أهمية البطاقة التموينية فيحصل على السكر بسعر 12 جنيها و60 قرشا، وبالتالى نحن لدينا وفرة سلعية وحتى الارتفاعات الحالية طفيفة.
«المنوفي»، شدد على أن «العالم كله يمر بظروف استثنائية وحتى الزيادات السعرية لا يمكن الهروب منها لكنها غير مستمرة، خاصة أن تكلفة النقل والتأمين مرتفعة جدا، وبمجرد حدوث تهدئة ستنخفض تكلفة المخاطر وتهبط السلع من جديد، وهنا يجب الرهان على وعى المواطن وضرورة شراء السلع وفقا لاحتياجاتهم».
من جهته، أوضح الدكتور عبد العزيز السيد، رئيس شعبة تجار الدواجن بغرفة القاهرة التجارية، أن «الأزمات والحروب العالمية تلعب دوراً رئيسياً فى ارتفاع تكلفة الاستيراد، حيث تشير البيانات إلى أن نحو 70 فى المائة من الاحتياجات يتم استيرادها، بما فى ذلك الزيت، القمح، ومستلزمات الإنتاج مثل الذرة والصويا يتم استيرادها من الخارج، والظروف الراهنة تسببت فى ارتفاع تكلفة النولون والتأمين، مما يرفع السعر الفعلى للمنتج؛ فعلى سبيل المثال، طن الذرة الذى يُشترى بنحو 10 آلاف جنيها يصل سعره إلى 12 ألف جنيه بعد إضافة تكاليف النولون والتأمين، هذا الارتفاع يؤثر بشكل مباشر على مستلزمات الإنتاج الحيوانى التى تمثل 70 فى المائة من إجمالى مدخلات الصناعة».
«د. عبد العزيز»، لم يتجاهل ما وصفه بـ«وجود خلل واضح فى التعامل مع الاحتياطى الاستراتيجى للسلع لدى بعض كبار التجار»، لافتًا إلى أن «البعض يلجأ إلى رفع الأسعار فوراً عند أى زيادة عالمية رغم امتلاك مخزون استراتيجي، فى حين يرفض خفض الأسعار عند تراجع التكلفة بذريعة بيع المخزون القديم بأسعار مرتفعة. هذا الوضع يضع العبء الكامل على كاهل المستهلك والمنتج على حد سواء، وبالتالى الحل يكمن فى تفعيل الآليات الرقابية مع ضرورة وجود متابعة مستمرة من الجهات الرقابية ومعاقبة المخالفين لضمان الالتزام بالتعليمات والتوجهات التى تحفظ حقوق المنتج والمستهلك، إضافة إلى وضع منظومة تسعير عادلة لكافة السلع الأساسية عبر إيجاد معادلة سعرية واضحة بمشاركة الغرف التجارية تضمن هامش ربح عادلا للمنتج، وتمنع التلاعب فى أسعار الحلقات الوسيطة، خاصة أن الدولة تقوم بدور هام فى محاولة ضبط الأسعار عبر التمويل المباشر والسريع لعمليات الاستيراد للسلع الأساسية والمواد الخام لمنع تفاقم الأزمات السعرية، إلى جانب التشديد على زيادة الاحتياطى الاستراتيجى للسلع بما لا يقل عن 3 أشهر، وبالفعل لدينا سلع تصل إلى 10 أشهر ومنها السكر، وهناك ضخ للسلع بالمنافذ الحكومية لتحقيق الوفرة السلعية».
وأوضح رئيس شعبة الدواجن أن «وصول كيلو الفراخ الحية فى المزرعة إلى 70 جنيها بداية نقطة التعادل لتحقيق سعر عادل منعا لخسائر المنتجين، أيضا طبق البيض حاليا بسعر 115 جنيها فى المزرعة سعر عادل لكن وصوله إلى المستهلك بسعر 150 جنيها يعد استغلالا من الحلقات الوسيطة، ولهذا لا بد من تفعيل الرقابة على الحلقات الوسيطة لكافة السلع، ويجب أن تتدخل الحكومة بوضع معادلة سعرية عادلة تشترك فيها كافة الجهات لحماية حقوق المنتج والتاجر والمستهلك، مع العلم أننا نقترب من فصل الشتاء حيث ترتفع أسعار تكلفة الدواجن بسبب أمراض الشتاء وزيادة تكلفة التحصينات وزيادة معدلات النفوق بخلاف تكلفة التدفئة».