يعترف صاحب هذا الكتاب، عاطف معتمد، فى مقدمته، أنه كتب عشرة فصول جمع فيها أطيافًا من السفر والترحال داخل الأراضى المصرية. صحيح أن كل ما جاء فى هذه الفصول معلومات وحقائق، ولكنها تجرى مجرى الحكاية، وهذا اللون من الكتابة عن السفر والتجوال جديد فى بابه. فهو يجمع بين المقال القصصى وأدب الرحلة وذكريات السفر والجغرافيا الاجتماعية.
وقد بدأ تمهيده على النحو الآتي:
الناس تخطو فى الأرض أو تسافر برًّا وبحرًا وجوًّا، بدايةً من الرحلة الأولى التى يعرفها الإنسان من بيته إلى مدرسته فى المدينة، أو إلى زرعه ومرعاه فى الريف، وصولًا إلى الاستكشاف الجغرافى للقارات والمحيطات، فى تلك الرحلات يكتشف الإنسان مشهد الأرض، ويرى الناس، ثم يرى نفسه من خلال ثنائية الطبيعة والبشر.
يقولون إنه كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة، لكن ذلك القول الفلسفى لا ينطبق بالضرورة على السفر والترحال؛ فكلما اتسعت دائرة الاكتشاف، اتسعت القدرة على الكتابة ومشاركة الأفكار وتبادلها.
نعرف أن ملايين البشر تبادلوا خبرات السفر عبر العصور بالنقل الشفهى من جيل إلى جيل. غير أن عددًا محدودًا منهم وثّق رحلاته فى نصوص مدوّنة، كان أولها رحلات حرخوف، رجل الإدارة والحكم فى أسوان فى عهد قدماء المصريين، والتى ما زالت نصوص رحلته قادرة على إثارة الدهشة عند من يقرأها. فالإنسان يتعلق بالأماكن حبًّا وخوفًا.
فمنذ العصر الحجري، الذى ترك تصاوير على الكهوف ومشاهد راقصة وسعيدة، وعلى مر التاريخ، قدمت لنا خطوات الترحال معلومات متباينة، بين تجوال حول العالم وسفر فى دوائر صغيرة، من رحلة عمل يومية وهجرات طوعية وقسرية. ولعل أفضل ما فى السفر هى تلك الحالة من الحراك أو الدينامية التى تفتح عين المسافر على مشاهد تبدو بالنسبة إليه مثيرة للاهتمام، باعثة على التفكير والتأمل والدهشة.
إن كاتب هذا الكتاب يكتب فى آخر المقدمة أنه كتبه فى الواحات الخارجة بصحراء مصر الغربية، وهذا المكان فى حد ذاته يضيف إليه تجربة إنسانية نادرة، فقد سبق لجمال حمدان أن كتب «شخصية مصر: دراسة فى عبقرية المكان»، وهو مقيم فى الجيزة بالقاهرة، وربما لم يسافر إلا إلى قريته، ومع هذا ظل كتابه إلى أبد الآبدين عملًا مهمًّا من أعمال أدب الجغرافيا.
إن هناك أنواعًا من السفر، مثل سفر الدبلوماسيين والتجار ورجال المال والأعمال، وهناك سفر نخبوى يقنع فيه المرء بالمتعة الذاتية أو العائلية المحدودة، وهناك نوع ثالث تصلح مادته لتقديم جغرافيا شعبية، أى جغرافيا لعوام الناس، والكتاب الذى بين أيدينا يقدم قطوفًا من المشاهد الجغرافية التى تحصلت بالمشى على الأقدام ومقابلة الناس فى مواقعهم، فى محاولة ليمزج العلم بالفلسفة والأدب، سعيًا إلى تقريب الجغرافيا للقارئ العام، فما زالت مصر أرضًا بكرًا، أو أرضًا مجهولة لأهلها، قبل أن تكون كذلك بالنسبة إلى الأغراب والأجانب.
يعترف المؤلف أنه قسّم هذا الكتاب إلى عشرة فصول، جمع فيها أنماطًا من السفر والترحال داخل الأراضى المصرية. صحيح أن كل ما جاء فى هذه الفصول معلومات وحقائق، ولكنها تجرى مجرى الحكاية، وهذا اللون من الكتابة عن السفر والتجوال جديد فى بابه، فهو يجمع بين فن المقال القصصى وأدب الرحلة وذكريات السفر والجغرافيا الاجتماعية.
يكتب أن الشاعر الكبير على محمود طه، الذى كتب قصيدة جميلة تحمل اسم «الجندول»، والاسم مستعار من تعبير إيطالى يعنى زورقًا ينقل الناس فى قنوات مدينة فينيسيا، قد زار فينيسيا عام 1938، بينما كان يقام بها كرنفال شهير فى ليالٍ مضيئة على القنوات النهرية التى تحمل الماء والطمى من جبال الألب. وللشاعر شعره الجميل الذى قاله عن هذه الرحلة، والذى دخل تراث الشعر العربى المعاصر من أوسع الأبواب.
مؤلف هذا الكتاب، عاطف معتمد، أستاذ الجغرافيا بكلية الآداب، جامعة القاهرة، حصل على الدكتوراه من جامعة سان بطرسبرج فى روسيا عام 2009، وسبق أن حصل على أكثر من جائزة عن عمله العظيم الذى يقدمه، والذى ذكّرنى شخصيًا، خلال قراءته، بموسوعة جمال حمدان «شخصية مصر: دراسة فى عبقرية المكان»، خاصة عبارة «عبقرية المكان» التى تلخص تجربة جمال حمدان من الألف إلى الياء.
إنه كتاب نشر الخيال الإنسانى فى 365 صفحة من القطع الكبير، وأرفقها بالعديد من الصور وأبيات الشعر وحكايات الحكّائين وقصص القصّاصين، ليشعر الإنسان، وهو يقرأه، بألفة نادرة تجعله يشكر دار الشروق التى نشرت مثل هذا العمل الذى لا حد لجماله، ولا حد للبهاء الذى يشع منه.