فى القاهرة الكبرى، لا تنتهى رحلة القمامة عند صناديق المخلفات، بل تبدأ منها حكاية اقتصاد ضخم تتحول فيه أشياء تبدو بلا قيمة إلى خامات تدخل مصانع كبرى وتوفر ملايين الدولارات. وبين نحو 16 ألف طن من القمامة تُجمع يوميًا، تخرج 800 طن من المواد الصلبة والخردة، لتبدأ رحلة جديدة من الفرز والتجهيز وإعادة التدوير.
وراء هذه العملية يقف آلاف العاملين فى منظومة جمع ونقل المخلفات، الذين يرون فى «الخردة» مصدر رزق وثروة لا يجوز التفريط فيها، بينما تفرض التكنولوجيا الحديثة وماكينات جمع البلاستيك المنتشرة فى الشوارع واقعًا جديدًا يهدد جزءًا من دخلهم. فهل تتحول القمامة إلى ثروة قومية على حساب من اعتادوا استخراجها؟ وأين يقف «الزبال» فى سباق التطور وإعادة تدوير المخلفات؟
فى هذا الحوار، يكشف شحاتة المقدس، نقيب الزبالين، تفاصيل منظومة جمع القمامة، وكيف تتحول مئات الأطنان من الخردة إلى خامات تعود إلى المصانع، ولماذا يرفض استبعاد عمال جمع المخلفات من المنظومة الجديدة.
حدثنا عن حجم عملكم فى القاهرة الكبرى؟
نحن نعمل فى القاهرة الكبرى، ولدينا مليون شخص يعملون فى جمع ونقل 16 ألف طن قمامة يوميا، وأنا أتحدث عن الوحدات السكنية والمنشآت السياحية، وليس لنا علاقة بمخلفات الشوارع والميادين.
وكيف يتم توزيعكم جغرافيًا؟
لنا 6 مناطق للزبالين مقسمة جغرافيًا حتى نتمكن من خدمة القاهرة الكبرى لأن القاهرة منطقة كبيرة؛ منطقتان فى أرض اللواء تخدم محافظة الجيزة بالكامل، ومنطقة خلف مدافن مايو تخدم حلوان والمعصرة وطرة البلد وجنوب القاهرة كله، ومنطقة أمام سجن طرة اسمها «الوحدة الوطنية» تخدم المعادى القديمة والتجمعات الأول والثانى وحتى مدينة بدر، ومنطقة الزبالين الأم فى المقطم، منشية ناصر وفيها 75 ألف أسرة تعمل فى جمع ونقل مخلفات وسط وجنوب وشمال القاهرة ونصف شرق القاهرة، وتوجد منطقة أخرى فى الخصوص تخدم شبرا الخيمة وأول وثانى والمرج والمطرية وعين شمس ومصر الجديدة والنزهة.
هل النباشون جزء من منظومة جمع الخردة التى تتحدث عنها أم أنهم يعملون بشكل عشوائى؟
لا، النباشون ليسوا جزءًا من المنظومة الرسمية التى يمثلها شحاتة المقدس، بل يُعدون دخلاء عليها، ويعتبرهم الزبالون خصمًا لهم، وأطالب بالتصدى لهذه الظاهرة؛ فهم يتعمدون إفراغ صناديق المخلفات بحثًا عن «فاكهة القمامة».
نعود للخردة.. كم طنًا تستخرجون يوميًا وإلى أين تذهب؟
من الـ16 ألف طن قمامة نستخرج 800 طن مواد صلبة مثل البلاستيك، الزجاج، الكانز، زجاجات المياه المعدنية، الورق الكرتون، وكل المواد الصلبة، ومشتقات البترول. و800 طن خردة نعيد تدويرها فى حى الزبالين؛ فلدينا ماكينات حديثة من الصين والهند واليابان، وهذه تسمى مرحلة الإعداد ما قبل التصنيع من حديد خردة، زجاجات مياه معدنية، كرتون، ورق، بلاستيك 300 صنف، وجميع الصفائح مثل علب السمنة.
ما المعادن الأكثر وجودًا كخردة فى القمامة؟
كل المعادن موجودة، ونحن نقوم بالفرز وإعادة التدوير، نجمع الخردة 800 طن يوميًا، وبعد ذلك تذهب إلى مصانع عملاقة فى مدينة بدر ومدينة السادات والعبور والعاشر من رمضان ومدينة أكتوبر، وهذا يوفر للدولة ملايين الدولارات فى استيراد المواد الصلبة الخام من الخارج.
وماذا عن بقية الـ16 ألف طن؟
يتبقى 6000 طن تُستخدم كغذاء للخنازير وهى بقايا الطعام، و2000 طن مخلفات غير قابلة لإعادة التدوير مثل النفايات الطبية الخطرة والجوانتيات والكمامات، وهذه يتم دفنها فى المقالب العمومية تحت إشراف وزارة الصحة والبيئة والتنمية المحلية.
من الذى يقوم بتسعير الخردة والمواد الصلبة؟
ليس لى علاقة بموضوع التسعير، لكن تحديد الأسعار مرتبط بالبورصة العالمية؛ فمثلًا فى الوقت الراهن مضيق هرمز مغلق ولا يوجد مرور للسفن والشاحنات بين الدول، وبالتالى ارتفعت أسعار المواد الصلبة فنقيم السعر حسب السوق مثل الحديد والذهب؛ فهى عرض وطلب.
ما رأيك فى منظومة جمع القمامة من المنبع؟
ليس لها جدوى فى مصر، لأن فى البيوت المصرية لا توجد أماكن لاستيعاب 3 أنواع للتوزيع، وقد قمنا بالفعل بعمل هذه التجربة ولم تنجح.
ما تأثير ماكينات جمع البلاستيك المنتشرة فى الشوارع على منظومة الزبالين ودخلكم اليومى؟
الماكينات دى أخدت منا «خير الزبالة»؛ بتسحب الكانز والبلاستيك والزجاج وتسيب البواقى والملوثات، عشان كده أعلنّا رفضنا الجمع من المناطق التى يوجد فيها هذه الماكينات، نحن لسنا ضد التطور لكن لابد أن تعمل الدولة حساب الزبال وتدمجه فى المنظومة الجديدة حتى لا ينقطع رزقه.
ما اقتراحك لحل المشكلة؟
أنا مع الدولة ومع التكنولوجيا لأننا فى عصر السرعة وكل شيء يتقدم، لكن يجب أن يوضع الزبال فى الحسبان، لا مانع من التكنولوجيا التى تريدونها ولكن أدمجوا الزبال معكم؛ لا تقطعوا عيشه، على سبيل المثال مثل المصنع الذى يُباع ممنوع تسريح العمال الذين فيه بل يُطالب بدمجهم، ونحن نطالب بالفكرة نفسها.
هل تم التوصل لاتفاق مع الدولة بخصوص حقوق العاملين فى جمع القمامة فى المواد الصلبة والبلاستيكية؟
نعم، وعدت المحافظة بعدم المساس بأرزاق عمال جمع القمامة، ومن المقرر عقد جلسة خلال الفترة المقبلة لتحديد المهام والمسئوليات، والهدف هو الحفاظ على مصدر رزقهم وتنظيم العمل بما يحقق مصلحة جميع الأطراف.
ما هى مطالبك كنقيب للزبالين؟
الخردة لم تعد مجرد نفايات، بل أصبحت ثروة قومية توفر على الدولة ملايين الدولارات لكن مع دخول التكنولوجيا وماكينات جمع البلاستيك يقف الزبالون فى مفترق طرق، إما الدمج فى المنظومة الجديدة وإما قطع الأرزاق، فهل سنحافظ على هذه الثروة ونحافظ معها على مَن استخرجوها لعقود.