تُعدّ سوق الخردة فى مصر إحدى الأسواق الحيوية المرتبطة مباشرة بالصناعة الوطنية، ولا سيما صناعات الحديد والصلب والنحاس والألومنيوم. ورغم ضخامة حجم هذه السوق، فإنها تواجه فجوة واضحة بين الإنتاج المحلى والاستيراد، تتفاقم مع تصاعد التوترات الجيوسياسية، وارتفاع أسعار الطاقة، وتراجع المعروض العالمى من الخردة.
وتتنوع أنواع الخردة فى السوق المصرية بين الحديد والنحاس والألومنيوم، ولكل نوع خصائصه وأسعاره ومساراته فى إعادة التدوير. كما يثار جدل واسع حول ما يُوصف بأن سلة المهملات المصرية هى الأغلى عالميًا؛ لاحتوائها على كميات كبيرة من البلاستيك والكرتون والمعادن والمخلفات العضوية.
يشهد سوق الخردة فى مصر حركة اقتصادية واسعة، تجعله واحدًا من الأسواق المرتبطة ارتباطًا مباشرًا بالصناعة الوطنية، وبخاصة صناعات الحديد والصلب والنحاس والألومنيوم. وحسبما أوضح المهندس محمد حنفي، مستشار غرفة الصناعات المعدنية باتحاد الصناعات المصرية، فإن «سوق الخردة فى مصر سوق ضخم يتجاوز حدود الإنتاج المحلي، إذ تستورد مصر خردة بقيمة تقارب مليارى دولار سنويًا، بما يعادل نحو 2 إلى 3 ملايين طن، وهو رقم يكشف عن حجم الطلب الكبير على الخردة فى السوق المصرية، سواء من المصانع الكبرى أو المسابك والورش الصغيرة».
وأشار «حنفي» إلى أن «السبب فى هذا الحجم الكبير من الاستيراد يعود إلى أن المجتمعات الصناعية القديمة لديها مخلفات صناعية ضخمة، بينما لا يزال السلوك الاستهلاكى فى مصر قائمًا على الإصلاح وإعادة الاستخدام. فالثلاجة تُصلَح، والغسالة تُصلَح، والموقد يُصلَح، والسيارة تُسمكَر وتُدهَن وتُستخدَم لسنوات طويلة، بدلًا من أن تُفرَم وتتحول إلى خردة. ونتيجة لذلك، لا يتناسب إنتاج مصر من الخردة مع احتياجاتها الفعلية».
كذلك، حدد «حنفي» ثلاثة أنواع مهمة من الخردة المعدنية فى السوق المصرية، هي: الحديد، والنحاس، والألومنيوم؛ وقال: «أولًا: خردة الحديد.. إجمالى خردة الحديد المتداولة لا يصل إلى نحو مليون طن، بينما يتراوح المتداول محليًا منها بين 400 و500 ألف طن، وأغلبها يذهب إلى المصانع الصغيرة والمسابك التى تعيد صهرها»، كما لفت إلى وجود قوانين وقرارات تحظر تصدير الخردة، بهدف الحفاظ على الكميات الموجودة فى مصر وإعادة تدويرها محليًا، ويتراوح سعر طن خردة الحديد حاليًا بين 18 و22 ألف جنيه، بحسب نوع الخردة ودرجة نقائها.
وفيما يتعلق بـ «خردة النحاس»، قال: «وضع النحاس أصعب قليلًا، لأن مصر لا تمتلك مناجم نحاس أو مصادر خام للنحاس، لذلك تستورد النحاس النقى من الخارج، ويُستخدم فى صناعات تحتاج إلى موصلات كهربائية مثل الكابلات والأسلاك ولوحات المفاتيح، ومع مرور الوقت، يفقد النحاس خصائصه ويتحول إلى خردة، فتقوم الشركات والتجار بجمعها وتصنيفها وإعادة بيعها، وهناك نوعان من خردة النحاس: النحاس الأصفر والنحاس الأحمر، ويتراوح سعر الطن منهما بين 500 و600 ألف جنيه. وتُستخدم خردة النحاس فى الصناعات غير الكهربائية، مثل الألواح النحاسية ومواد الديكور والأجهزة والأدوات المنزلية».
وتابع: «أما الألومنيوم، فيُعاد تدويره بالكامل، بدءًا من العلب المعدنية (الكانز)، التى تُجمَع وتُكبَس وتُصهَر، لكن درجة نقائها تكون منخفضة؛ لذلك تُستخدم فى تطبيقات لا تتطلب ملامسة المواد الغذائية. وأحذر هنا من أن بعض الورش تستخدم خردة الألومنيوم فى إنتاج أدوات منزلية، وهو أمر غير صحيح، لأنها قد تحتوى على شوائب ومواد ضارة بالصحة، مع الأخذ فى الاعتبار أن الألومنيوم يُعد ثانى أكثر أنواع الخردة توافرًا بعد الحديد، بينما يبقى النحاس أقلها كمية وأغلاها سعرًا».
وشدد «حنفي» على أنه «لا توجد جهة واحدة تضع أسعار الخردة فى مصر، بل السوق هى التى تحكم الأسعار من خلال التفاوض بين التجار والمصانع. فالتاجر يجمع الخردة ويصنفها إلى ثقيلة ومتوسطة وخفيفة، ثم يتفاوض مع المصنع على السعر حسب النوع والكمية والجودة. وعالميًا، توجد بورصات للخردة تحدد الأسعار وفق تصنيفات دقيقة: خردة ثقيلة مثل المعدات المكسرة، وخردة متوسطة مثل المواسير والأسلاك، وخردة خفيفة مثل الصفائح والصاج. أما فى مصر، فلم تصل السوق بعد إلى مرحلة التصنيف الكامل، لكن الأسعار تظل قريبة من بعضها بحسب العرض والطلب».
وأشار «حنفي» إلى أن «مصر تسعى لرفع معدلات إعادة تدوير المخلفات البلدية إلى 60 فى المائة بنهاية العام الجاري، بعد أن كانت لا تتجاوز 12 فى المائة فى 2019، كما دخلت منصات رقمية مثل Big Scrappers وMrkoon على الخط لتنظيم عملية التداول وربط البائعين بالمشتري».
وكشف «حنفي» عن وجود محاولات متعددة للاستفادة من المخلفات، آخرها تجربة فى الجيزة تقوم على منح مقابل مالى لمن يفرز البلاستيك والمخلفات الزراعية من المواطنين، بهدف تشجيع الناس على تصنيف القمامة، لكنه أكد أن «نجاح هذه التجارب يحتاج إلى وعى مجتمعى كبير، وإلى وقت حتى تترسخ هذه الثقافة. فالتجربة ناجحة فى كثير من الدول، لكنها تحتاج إلى بنية تحتية، وإلى تشريعات واضحة، وإلى مشاركة مجتمعية حقيقية».
من جانبه، قال الدكتور ياسر شويته، الخبير الاقتصادى وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسى والإحصاء والتشريع: «هناك فجوة واضحة بين الإنتاج المحلى والاستيراد فى خردة الحديد والصلب؛ لأن المتاح من عمليات الجمع والتدوير محدود وغير كافٍ لتلبية احتياجات مصانع صهر الحديد، لذلك يتم تغطية هذا العجز من خلال اللجوء إلى الاستيراد. وتزداد هذه الفجوة عمقًا مع تصاعد حدة التوترات الجيوسياسية التى أثرت على سلاسل الإمداد العالمية، ومن ثم على المعروض فى السوق العالمية. ومع تأثر أسواق الطاقة وارتفاع أسعارها، تأثرت الأسعار عالميًا، وارتفعت تكلفة التشغيل لهذا القطاع بسبب التحديات الجيوسياسية على المستويين الإقليمى والدولي».
وأشار «شويته» إلى أن «المعروض العالمى من خردة الحديد والصلب تأثر أيضًا بإغلاق الكثير من المصانع عالميًا، كونها أحد المسببات الرئيسية لتلوث البيئة، فتأثر المعروض منها عالميًا، وبالتالى تأثرت كافة الأسواق ومنها السوق المصرية لقلة المعروض عالميًا، وهذا يعنى أن أزمة الخردة فى مصر ليست محلية فقط، بل هى جزء من أزمة دولية أوسع تتعلق بسلاسل التوريد، وأسعار الطاقة، والسياسات البيئية، وتراجع الإنتاج فى بعض الدول».
وتابع: «بكل تأكيد، عندما يُعاد تدوير المخلفات من الكرتون والبلاستيك والمعادن، ستزيد القيمة المضافة لها من خلال إعادة استخدامها بعد تدويرها، وبالتالى تقل عمليات استيراد المواد الخام منها، ويتم توفير عملة صعبة، ويتحقق اكتفاء ذاتى للسوق المحلية، وتُخلَق فرص عمل كثيرة نتيجة إعادة تدوير هذه المخلفات، ويزيد الناتج المحلى الإجمالى للدولة المصرية. كما أن جميع أنواع الخردة تُعد ثروة يمكن إعادة تدويرها بشكل فعال عند توفير عناصر الابتكار والتكنولوجيا فى صناعة التدوير، لتستفيد مصر من كافة العناصر، سواء أكان حديدًا أم نحاسًا أم بلاستيكًا أم ألومنيوم».