رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«ثروة تحت الأنقاض».. تبحث عن منظومة لاستثمارها


3-10-2026 | 12:22

.

طباعة
تقرير: نور عبد القادر

لم تعد الخردة فى مصر مجرد هالك يتم التخلص منه، وإنما تحولت إلى مورد اقتصادى يمكن أن يمثل مصدرًا مهمًا للخامات ورافدًا لدعم الصناعة المحلية، خاصة مع ارتفاع تكلفة استيراد المواد الخام وتقلب أسعارها عالميًا. فالمعادن القديمة، ومخلفات المصانع والجهات الحكومية، والأجهزة والمعدات التى خرجت من الخدمة، يمكن إعادة تدويرها وإدخالها مرة أخرى فى دورة الإنتاج بدلًا من فقدان قيمتها الاقتصادية.

وتتزايد أهمية هذا المورد مع توجه الدولة نحو تعميق التصنيع المحلى وتقليل الاعتماد على الخامات المستوردة، وهو ما يدفع إلى البحث عن آليات أكثر تنظيمًا لحصر الخردة وتجميعها وإعادة توجيهها إلى الصناعات القادرة على الاستفادة منها.

وفى هذا الإطار، تستعد وزارتا الاستثمار والصناعة، بالتنسيق مع وزارة النقل، لإطلاق مبادرة لتجميع وإعادة تدوير الخردة والمخلفات التابعة للجهات الحكومية، تمهيدًا لإتاحتها أمام المصانع المحلية، فى خطوة تستهدف تحويل الهالك والأصول غير المستغلة إلى مدخلات إنتاج، وتعظيم القيمة المضافة للموارد الموجودة داخل السوق المصرية.

وتفتح المبادرة الباب أمام سؤال أكبر حول حجم «ثروة الخردة» فى مصر، وما يمكن أن توفره للصناعة والاقتصاد إذا انتقل التعامل معها من اعتبارها عبئًا أو هالكًا إلى إدارتها باعتبارها موردًا له قيمة وسوق وسلاسل إمداد قادرة على خلق فرص عمل وتقليل فاتورة الاستيراد.

تقليل فاتورة الاستيراد

يقول أحمد رضوان، عضو غرفة الصناعات المعدنية باتحاد الصناعات المصرية، إن الخردة تمثل مصدرًا مهمًا لتوفير جزء من احتياجات الصناعة من المواد الخام، خاصة فى الصناعات المعدنية، مشيرًا إلى أن زيادة إتاحتها داخل السوق المحلية يمكن أن تقلل اعتماد المصانع على الخامات المستوردة وتخفف من تكلفة الإنتاج.

ويضيف أن الاعتماد على الخردة المحلية يسهم فى تقليل فاتورة الاستيراد والحد من الضغط على العملة الأجنبية، إلى جانب خفض تكاليف مدخلات الإنتاج وتعزيز قدرة المنتجات المصرية على المنافسة فى الأسواق المحلية والخارجية.

ويوضح «رضوان» أن تعظيم الاستفادة من الخردة لا يقتصر على توفير خامات للمصانع، وإنما يمثل أيضًا وسيلة لإعادة توظيف موارد موجودة بالفعل داخل السوق وتحويل الهالك والمخلفات إلى قيمة اقتصادية مضافة من خلال إعادة تدويرها واستخدامها فى عمليات التصنيع.

ويشير إلى أن هذا التوجه يأتى فى إطار المبادرة التى تستعد وزارتا الاستثمار والصناعة لإطلاقها، بالتنسيق مع وزارة النقل، لجمع وإعادة تدوير الخردة والمخلفات التابعة للوزارات والجهات الحكومية، وإتاحتها للمصانع المحلية خلال شهر أو شهرين.

ويبين عضو غرفة الصناعات المعدنية أن المبادرة تستهدف فى مرحلتها الأولى حصر كميات الخردة والهالك والمخلفات المعدنية الموجودة لدى الوزارات والجهات والمكاتب الحكومية، تمهيدًا لجمعها وتوجيهها إلى المصانع القادرة على إعادة تدويرها والاستفادة منها كمدخلات للإنتاج.

ويلفت إلى مشاركته فى تنفيذ المبادرة بالتنسيق مع الجهات المعنية، بهدف تنظيم عملية توجيه الخردة التى سيتم جمعها إلى المصانع المستفيدة، وفقًا لاحتياجات كل مصنع وقدرته على إعادة التدوير والاستفادة من هذه المخلفات.

ويؤكد رضوان أن توفير كميات إضافية من الخردة محليًا يمكن أن يدعم استقرار إمدادات الخامات للمصانع، خاصة العاملة فى الصناعات المعدنية، كما يسهم فى تقوية سلاسل الإمداد المحلية وتقليل الحاجة إلى شراء الخامات من الخارج، لافتًا إلى أن أهمية المبادرة تتزايد فى ظل ارتفاع تكاليف استيراد الخامات وتذبذب أسعارها عالميًا. ويؤكد أن الاستفادة من الخردة الحكومية تحوّل أصولًا وهالكًا غير مستغل إلى موارد يمكن توظيفها فى دعم الإنتاج وتعظيم القيمة المضافة داخل الاقتصاد المحلي.

غياب التنظيم

من جانبه، يوضح الدكتور خالد قاسم، أستاذ الاقتصاد التطبيقى والتنمية المستدامة، أن إعادة تدوير المخلفات ليست فكرة جديدة على المجتمع المصري، بل كانت جزءًا من نمط الحياة قديمًا، حيث كان الناس يحرصون على إصلاح الأشياء وإعادة استخدامها بدلًا من التخلص منها، مشيرًا إلى أن هذا الفكر أصبح اليوم أحد أهم مبادئ الاقتصاد الدائرى عالميًا.

ويتابع أن إطارات السيارات القديمة مثال واضح على القيمة الاقتصادية للمخلفات، حيث لا يتم التخلص منها، بل تمر بسلسلة من مراحل الاستفادة؛ إذ يتم فصل السلك المعدنى عن الكاوتش، ثم يُعاد استخدام المطاط فى صناعات مختلفة، كما يمكن استخدامه كوقود بديل فى أفران الأسمنت ضمن خليط الطاقة المستخدم لتشغيل الأفران، بما يقلل الاعتماد على الوقود التقليدي.

المشكلة من وجهة نظر الدكتور قاسم ليست فى وجود المخلفات أو طرق الاستفادة منها، وإنما فى ضرورة أن تتم هذه العملية بشكل مؤسسى ومنظم، بحيث تدخل ضمن منظومة اقتصادية واضحة بدلًا من اعتمادها على جهود فردية.

ويشير إلى أن دور المحافظات ليس الدخول بشكل مباشر فى إنشاء أنشطة تجارية، وإنما يمكنها إنشاء كيانات اقتصادية بالشراكة مع القطاع الخاص، بحيث تقدم المحافظة الأصول والإمكانات المتاحة لديها، بينما يتولى القطاع الخاص الإدارة والتشغيل والخبرة الفنية، ويتم تقاسم العائد وفق عقود واضحة.

ويلفت الدكتور قاسم إلى أن شركات الإدارة المتخصصة فى المخلفات يمكن أن تعمل وفق مؤشرات أداء محددة، سواء فى مستوى نظافة الشوارع أو معدلات الجمع السكنى أو كفاءة التشغيل، مع وجود آليات للمتابعة والمحاسبة، بما يحول ملف المخلفات إلى منظومة اقتصادية مستدامة.

«النباشون» خارج المنظومة

يتطرق الدكتور قاسم إلى ظاهرة العاملين بشكل غير رسمى فى جمع المخلفات، موضحًا أن ما يُعرف بـ«النباشين» يعملون خارج إطار المنظومة لأنهم لم يجدوا مسارًا رسميًا للانضمام إليها، ولذلك يقومون بالفرز فى الشوارع للحصول على دخلهم، لافتًا إلى أن دمج هؤلاء العاملين داخل شركات متخصصة سيحقق فوائد متعددة، منها تحسين ظروف عملهم، وتوفير زى رسمى وبطاقة تعريف وتأمينات اجتماعية، بالإضافة إلى حماية أسرهم من المخاطر التى يتعرضون لها أثناء العمل.

ويؤكد أن إدخال العاملين فى جمع المخلفات ضمن منظومة رسمية لن يضرهم، بل سيحول نشاطهم من عمل فردى غير مستقر إلى وظيفة منظمة لها حقوق والتزامات، كما سيحقق للدولة الاستفادة الكاملة من الموارد الموجودة فى المخلفات بدلًا من فقدانها.

ويوضح أستاذ الاقتصاد التطبيقى أن ثقافة إعادة التدوير تقوم على مبدأ مهم، وهو أن المخلفات لا تُعد نفايات بلا قيمة، بل تمثل مواد لها عائد اقتصادي، مشيرًا إلى أن معظم ما يتم التخلص منه يدخل فى منظومة الفرز والاستخراج والاستفادة مرة أخرى.

وتمر المخلفات بعد جمعها بمرحلة تسمى «المفروزات»، حيث يتم فصل البلاستيك عن المعادن مثل النحاس والألومنيوم، وكذلك الزجاج والخشب والكرتون، ثم يتم توجيه كل نوع إلى الصناعة المتخصصة التى تعيد استخدامه.

ويشير الدكتور قاسم إلى أن هذه المواد تُعرف فى قطاع المخلفات باسم «المنافع»، لأنها تحمل قيمة اقتصادية وتدر دخلًا، فالكرتون، على سبيل المثال، يُعاد تدويره لإنتاج مواد التعبئة والتغليف، كما أن كثيرًا من العبوات الورقية والمنتجات المستخدمة يوميًا تعتمد على خامات معاد تدويرها.

 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة