رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

اقتصاد المليارات خارج الحسابات الرسمية.. بيزنس الخردة


2-10-2026 | 13:35

.

طباعة
تقرير: رانيا سالم

لم تعد الخردة مجرد أكوام من المخلفات تنتظر طريقها إلى التخلص، بل تحولت إلى شريان اقتصادى يغذى المصانع الوطنية ويعيد تدوير المواد الخام داخل دورة إنتاجية واسعة. وبينما تتداول هذه السوق مليارات الجنيهات سنويًا، لا يزال جانب كبير من قيمتها وحجم العاملين فيها بعيدًا عن الحسابات الرسمية، فى ظل اتساع نشاط القطاع غير الرسمي.

وتتنوع تجارة الخردة بين الحديد والصلب ومخلفات المصانع والمقاولات والسيارات، والمعادن غير الحديدية مثل النحاس والألومنيوم والرصاص، إلى جانب المخلفات الكهربائية والإلكترونية ومخلفات المشروعات والإنشاءات والهدم، لتشكل جميعها سلسلة اقتصادية متشابكة تمتد من جامع الخردة الصغير إلى كبرى المصانع.

 

تقديرات سوق الخردة المصرية متفاوتة، فبينما كشفت 6Wresearch، وهى شركة متخصصة فى أبحاث السوق، أن سوق إعادة تدوير المعادن فى مصر يبلغ نحو 575 مليون دولار فى 2025، مع توقع وصوله إلى 837 مليون دولار فى 2032، كانت تقديرات EnterpriseAM، وهى منصة تحليلية متخصصة فى مجال المال والأعمال والاقتصاد فى مصر والشرق الأوسط، إن المصانع والمقاولين فى مصر يولدون نحو 10 ملايين طن من الخردة سنويًا بقيمة تقترب من 200 مليار جنيه. وفى المقابل، قدر الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء حجم الاعتماد على الخردة المستوردة بـ629.4 ألف طن من الخردة وفضلات الحديد والصلب بقيمة 935.2 فى أكتوبر 2025.

ضخامة تقديرات سوق الخردة المصرية تقابلها شبكة معقدة من العاملين فيها، فتشمل جامعى الخردة، وتجار الخردة الصغار والمتوسطين، وشركات الجمع والنقل، وشركات الفرز والتفكيك والتجهيز، وكبار الموردين، ومصانع الحديد والصلب والصهر التى تستخدم الخردة كمدخل إنتاج، ومصانع إعادة تدوير المعادن، وشركات ومصانع المخلفات الإلكترونية.

بينما يظل القطاع غير الرسمى هو الأكثر ظهورًا فى عمليات الجمع والفرز، بدأت خطوات جادة لنقله داخل المنظومة الرسمية، فتم تسجيل 4200 عامل فى تجارة الخردة حتى الآن، وفى الوقت ذاته تم إقرار مسميات وظيفية لمهن الجمع والفرز والتدوير والتخلص النهائي، فى خطوة تمهد لنقل تجارة الخردة بأكملها إلى قطاع الاستثمار الرسمي.

سوق بالمليارات خارج الرصد الرسمي

يقول الدكتور مصطفى أحمد رضوان، أستاذ الاقتصاد والمالية العامة والخبير التنموي، إن تجارة الخردة فى مصر لم تعد مجرد نشاط هامشى يقوم به جامعو المخلفات فى الشوارع، بل أصبحت سلسلة اقتصادية متكاملة تبدأ من الجمع والفرز، وتمر بصغار التجار والمخازن والورش، وتنتهى عند المصانع ومسابك المعادن وشركات إعادة التدوير، لكن جانبًا كبيرًا من هذه السلسلة يعمل خارج المظلة الرسمية، بما يحجب قيمته الحقيقية عن حسابات الدولة ويحرم العاملين فيه من الحماية والتمويل.

ويتوقع أن تنظيم سوق الخردة يمكن أن يحولها إلى أحد المصادر المهمة للمواد الخام المحلية، خاصة فى ظل ارتفاع تكلفة الاستيراد والضغط على النقد الأجنبي. وتتقدم صناعة الحديد والصلب قائمة المستفيدين، خصوصًا المصانع التى تستخدم أفران القوس الكهربائي، تليها صناعات الألومنيوم والنحاس والمسابك والبطاريات وقطع غيار السيارات والأجهزة الكهربائية والإلكترونية.

ويبين أن أهمية الخردة للصناعة حقيقة تؤكد أن مصر تلجأ إلى استيراد كميات من الخردة الحديدية لتغذية مصانع الصلب؛ وبالتالى فإن تحسين جمع الخردة المحلية وفرزها يمكن أن يخفض جزءًا من فاتورة الاستيراد، وإن لم يكن بديلًا كاملًا عنها.

سلسلة اقتصادية من الجمع إلى المصنع

يتابع رضوان: «من الناحية الاقتصادية، يمكن اعتبار تجارة الخردة قطاعًا قائمًا بذاته داخل منظومة أوسع هى الاقتصاد الدائري. فالخردة لها موردون وتجار وأسواق وأسعار وتكاليف نقل وفرز وتخزين، فضلًا عن صناعات تعتمد عليها باعتبارها مادة خام، وليس مجرد مخلفات يراد التخلص منها».

ويشير إلى أن قانون تنظيم إدارة المخلفات رقم 202 لسنة 2020 سبب هذا التحول فى النظرة إلى المخلفات، من عبء بيئى إلى مورد اقتصادي، وأنشأ إطارًا لترخيص أنشطة الجمع والنقل والمعالجة والتدوير. كما تضمنت لائحته التنفيذية الصادرة عام 2022 إدماج القطاع غير الرسمى ضمن منظومة إدارة المخلفات.

ويوضح الخبير التنموى أن القيمة الاقتصادية لا تقتصر على أرباح التجار أو قيمة المبيعات، وإنما تشمل أربعة مكونات رئيسية: قيمة الجمع والفرز والنقل، والقيمة المضافة الناتجة عن تجهيز الخردة، وقيمة المواد الخام التى تحل محل الواردات، ثم الوفر البيئى الناتج عن تقليل الدفن واستهلاك الطاقة والموارد الطبيعية.

وينوه بأنه من الخطأ اعتبار إجمالى عمليات البيع والشراء مساويًا للقيمة المضافة للقطاع؛ لأن طن الخردة الواحد قد ينتقل من الجامع إلى تاجر صغير، ثم إلى تاجر جملة، ثم إلى المصنع، فتُسجل قيمته عدة مرات إذا جرى جمع أرقام التداول، والقياس الصحيح يجب أن يحسب القيمة التى أضافتها كل حلقة فقط، بعد خصم قيمة ما اشترته من الحلقة السابقة.

القطاع غير الرسمي.. الحلقة الأكبر

«يصعب الوصول إلى رقم دقيق لحجم السوق المصري»، كما يقول الدكتور رضوان، بسبب غياب سجل موحد للعاملين والمنشآت، وانتشار التعاملات النقدية، وتعدد الوسطاء، وعدم صدور فواتير عن معظم عمليات الشراء الأولية، فضلًا عن اختلاط تجارة الخردة بأنشطة جمع المخلفات والنقل والتخزين والإصلاح وتجارة المستعمل.

ويضيف أن البيانات الحكومية تُجمع عادة وفق تصنيفات واسعة مثل «جمع ومعالجة وتدوير المخلفات»، دون فصل منتظم بين خردة الحديد والألومنيوم والنحاس والبلاستيك والورق والإلكترونيات. ولهذا فإن الحديث عن أن السوق يساوى عددًا محددًا من المليارات يظل تقديرًا يحتاج إلى مسح ميدانى وسجل للمعاملات حتى يتحول إلى رقم يمكن الاعتماد عليه.

بحسب رضوان، فإن طبيعة سوق الخردة تكشف عن أن الاقتصاد غير الرسمى يمثل النسبة الأكبر فى المراحل الأولى من سلسلة الخردة، خاصة بين جامعى المخلفات وصغار التجار والمخازن غير المرخصة. أما كلما اقتربنا من المصانع الكبيرة، ارتفعت درجة التنظيم بسبب حاجتها إلى مستندات شراء وضوابط جودة وسجلات إنتاج.

ويرى أنه لا ينبغى التعامل مع عدم الرسمية باعتبارها تهربًا ضريبيًا فقط؛ فالتاجر الصغير قد يظل خارج المنظومة لأنه يخشى تعدد الجهات والرسوم، أو لا يمتلك مقرًا مستوفيًا للشروط، أو لا يستطيع إثبات مشترياته التى يحصل عليها من أفراد، أو يتوقع أن يؤدى التسجيل إلى مطالبات ضريبية وتأمينية بأثر رجعي.

ويعبر الدكتور رضوان عن اعتقاده أن بدء الإصلاح بحملات الضرائب والغلق والمصادرة قد يدفع النشاط إلى مزيد من التخفى ويرفع تكلفة الخردة على المصانع. لكن الأفضل أن تبدأ الدولة بـ«عقد ثقة» يتضمن تسجيلًا مبسطًا، وترخيصًا مؤقتًا منخفض التكلفة، وعدم المحاسبة عن السنوات السابقة لمن يبادر بالتسجيل، ثم الانتقال تدريجيًا إلى الفاتورة والإقرار الضريبي.

منظومة متعددة المستويات

يوضح أستاذ المالية أن النظام الوطنى لإدارة معلومات المخلفات يتيح بالفعل تقديم طلبات إلكترونية لترخيص أنشطة الجمع والنقل، لكنه يحتاج إلى مسار خاص لأصحاب القدرات الصغيرة، لأن رسوم وإجراءات ترخيص كيان ينقل أطنانًا محدودة لا ينبغى أن تكون مماثلة لما تتحمله الشركات الكبيرة.

ويشير إلى أن إدماج السوق لا يجب أن يفرض شكلًا قانونيًا واحدًا على الجميع، إذ يبقى النموذج الأفضل هو منظومة متعددة المستويات: كترخيص مهنى مبسط لجامع الخردة أو التاجر الفردي، مرتبط برقم قومى ومحفظة إلكترونية، أو منشأة فردية أو شركة صغيرة للمخازن والتجار الذين يحققون حجم أعمال أكبر، وتعاونيات للجامعين وصغار العاملين، تساعدهم فى التفاوض والتأمين وشراء المعدات، وشركات مرخصة للفرز والتجهيز والتدوير، تخضع لاشتراطات البيئة والسلامة، على أن تربطهم جميعًا منصة رقمية تربط هذه المستويات بالمصانع وتوثق الكميات والأسعار ودرجات الجودة.

ويتحدث د. رضوان عن رصد البنك الدولى ثلاثة نماذج رئيسية لتنظيم جامعى المخلفات فى الدول النامية: المشروعات الصغيرة، والتعاونيات، والشراكات بين القطاعين العام والخاص، ما يؤكد أن الدمج الناجح يقوم على تعدد الأدوات وفق طبيعة كل فئة.

وعن سبب ترك التاجر التعامل النقدي، يقول إن تاجر الخردة لن ينتقل إلى الاقتصاد الرسمى لمجرد مطالبته بذلك، وإنما عندما تصبح الرسمية أكثر ربحية وأقل مخاطرة. ومن أهم الحوافز الممكنة إعفاء رسوم التسجيل والترخيص فى العام الأول، وتطبيق ضريبة مبسطة على رقم الأعمال، وإتاحة التمويل لشراء سيارات ومكابس وموازين، ومنحه أولوية التوريد للمصانع والجهات العامة.

ويستطرد: «كما يجب توفير حساب بنكى أو محفظة إلكترونية برسوم منخفضة، ونظام تأمين اجتماعى مرن، وتأمين ضد إصابات العمل، ومناطق تخزين قانونية بإيجارات مناسبة. ويمكن منح التاجر المسجل سعرًا تفضيليًا أو مكافأة عن كل طن موثق، تمول جزئيًا من نظام المسؤولية الممتدة للمنتج».

سيناريوهات لحجم التداول

يشير رضوان إلى أن التشريعات المصرية توفر أساسًا يمكن البناء عليه؛ إذ يتضمن قانون تنمية المشروعات رقم 152 لسنة 2020 نظمًا ضريبية وإجرائية مبسطة للمشروعات الصغيرة، كما استحدث قانون رقم 6 لسنة 2025 نظامًا ضريبيًا مبسطًا للمشروعات التى لا يتجاوز حجم أعمالها السنوى 20 مليون جنيه. ومن ثم، ليست المشكلة فى غياب الأدوات القانونية بالكامل، بل فى تصميم نافذة موحدة تناسب الخصائص الفعلية لتجارة الخردة.

ويؤكد أن عدم التنظيم يؤدى إلى فقد إيرادات ضريبية، لكن إعلان رقم محدد للفاقد دون قاعدة بيانات سيكون مضللًا، ويمكن تقديره من خلال مسح لعينة ممثلة فى المحافظات، وحصر الكميات التى تستقبلها المصانع، ومطابقتها مع الواردات والمخلفات الصناعية ومبيعات كبار التجار.

منصة إلكترونية

يرى د. رضوان أن الهدف فى السنوات الأولى يجب ألا يكون تعظيم الحصيلة الفورية، بل توسيع القاعدة الاقتصادية. فالمنشأة التى تُدمج اليوم بضريبة محدودة يمكن أن تنمو وتوظف وتدفع ضرائب أكبر لاحقًا. ويكشف عن أن إنشاء «بورصة» بالمعنى التقليدى قد لا يكون عمليًا فى البداية بسبب تفاوت جودة الخردة ونسب الشوائب وتكاليف النقل واختلاف الأسعار بين المحافظات. لكن من الممكن إنشاء منصة رسمية أو سوق إلكترونية منظمة تنشر أسعارًا استرشادية، وتضع مواصفات موحدة لدرجات الخردة، وتسجل العروض والطلبات وأوزان الشحنات ونتائج الفحص.

بدوره يقول الدكتور عادل عامر، خبير اقتصادى ورئيس المركز المصرى للدراسات الاقتصادية والقانونية، إن تجارة الخردة ليست نشاطًا عشوائيًا، بل اقتصاد متكامل تقدر تعاملاته بمليارات الجنيهات، وتتحرك هذه التجارة فى المساحة الفاصلة بين القطاعين غير الرسمى والرسمي.

تحديات التنظيم والأمن والمضاربة

عن أهم التحديات التى تواجه قطاع الخردة، يقول د. عامر إن قطاعًا عريضًا من تجار الخردة يعمل خارج الإطار الرسمي، وهو ما يتسبب فى عدد من العقبات الاقتصادية والأمنية، كصعوبة إثبات المعاملات المالية والفواتير وضبط المستحقات الضريبية، وغياب التنظيم هنا يسهل تسريب قطع الغيار والأصول المسروقة إلى الأسواق، مما يجعل تتبع مصدر الخردة وإثبات ملكيتها ضرورة أمنية، إضافة إلى تذبذب أسعار مدخلات الإنتاج نتيجة المضاربة فى أسعار الخردة، وهو ما يؤدى إلى ارتفاع تكلفة مواد الخام على المصانع المحلية.

ويلفت إلى ضرورة تقديم حوافز ضريبية للملتزمين، على أن يتم إنشاء قواعد بيانات إلكترونية لحركة المعادن وتوثيق مبيعاتها، وإنشاء مناطق متخصصة لجمع وفرز الخردة لرفع كفاءة القطاع وتقليل الفاقد، على أن تتم الاستفادة من قانون المخلفات الصلبة لتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار فى مصانع التدوير الحديثة.

    كلمات البحث
  • بيزنس
  • تجارة
  • الخردة
  • الحديد
  • الصلب

أخبار الساعة

الاكثر قراءة