لا تحتاج إلى كثير من الوقت لتدرك أن ما يحدث داخل عزبة أبو حشيش ليس مجرد تجارة للخردة، بل دورة اقتصادية متكاملة تنبض بالحركة منذ الساعات الأولى من الصباح، فبين أصوات ماكينات التقطيع، وحركة سيارات النقل المحملة بالمعادن، وأكوام الحديد والنحاس والألومنيوم، يتحول ما يعتبره البعض مخلفات انتهى عمرها الافتراضى إلى مواد خام تعود من جديد إلى خطوط الإنتاج.
على مقربة من محطة «مترو غمرة»، تختبئ واحدة من أكثر المناطق شهرة فى تجارة الخردة وإعادة التدوير بالقاهرة، هنا لا يعرف السكون طريقًا، عشرات الورش والمخازن تتجاور فى مساحة واحدة، وعمال لا تتوقف أيديهم عن فرز المعادن، وتجار يتابعون حركة الأسعار لحظة بلحظة، بينما تنتقل الأطنان يوميًا من الخردة إلى المصانع التى تعتمد عليها كمادة أساسية للإنتاج، ولا تقتصر ملامح المكان على تجارة المعادن فقط، فالعزبة تضم أيضًا سوقًا واسعًا للأجهزة الكهربائية المستعملة، وورشًا لإصلاحها وإعادة تأهيلها، إلى جانب نشاط مزدهر لتجارة «الخردة والروبابيكيا»، لتشكل جميعها منظومة اقتصادية غير تقليدية، استطاعت أن تمنح آلاف القطع التالفة فرصة جديدة للحياة، وتوفر فى الوقت نفسه مصدر رزق لآلاف العاملين.
ومن قلب هذا العالم المليء بالحركة، انتقلت «المصور» إلى عزبة أبو حشيش، عزبة القرود سابقًا، لرصد رحلة الخردة منذ لحظة وصولها إلى المخازن من يد «السريحة»، مرورًا بعمليات الفرز والتصنيف والتجهيز، وحتى خروجها مرة أخرى فى طريقها إلى المصانع، فى جولة تكشف كيف تحولت الخردة من مجرد مخلفات إلى ثروة اقتصادية تزداد قيمتها يومًا بعد يوم، مع ارتفاع الطلب عليها محليًا وعالميًا.
فى أحد المخازن المتوسطة بعزبة أبو حشيش، يقف أحمد منصور، صاحب مخزن خردة، يتابع حركة دخول «السريحة»، الذين يحملون على عرباتهم كميات متفاوتة من المعادن والأجهزة القديمة، فى مشهد يتكرر يوميًا منذ سنوات، ليؤكد أن هؤلاء يمثلون الحلقة الأولى فى منظومة إعادة تدوير الخردة.
السريحة.. العمود الفقرى لتجارة الخردة
يضيف صاحب مخزن الخردة أن «السريحة هم العمود الفقرى لتجارة الخردة، لأنهم أول من يجمع هذه المواد من المنازل والورش والمحال، ولولاهم ما كانت الكميات تصل إلى السوق بهذا الشكل»، إذ إن دور المخزن لا يقتصر على شراء الخردة، بل يبدأ بعد ذلك العمل الحقيقي، حيث يتم فرز كل شحنة وتصنيفها بدقة وفقًا لنوع المعدن وجودته، فيفصل الحديد عن النحاس، والألومنيوم عن الاستانلس ستيل، كما تستخرج المعادن من الأجهزة الكهربائية والكابلات، ويزال ما بها من شوائب أو مكونات غير قابلة لإعادة التدوير، تمهيدًا لتجهيزها للبيع.
ويشير إلى أن عملية الفرز تعتمد فى المقام الأول على الخبرة، لأن اختلاف نوع المعدن ونسبة نقائه يحددان قيمته وسعره فى السوق، لافتًا إلى أن أى خطأ فى التصنيف قد يؤدى إلى خسائر كبيرة، وهو ما يجعل العاملين فى هذا المجال يكتسبون خبراتهم على مدار سنوات طويلة، إذ إن الكميات التى يتم تجهيزها داخل المخزن لا تذهب مباشرة إلى المصانع، وإنما تباع فى أغلب الأحيان إلى كبار تجار الخردة، الذين يتولون تجميع كميات ضخمة من مختلف المخازن، ثم يعيدون تجهيزها وضغطها فى صورة شحنات كبيرة، قبل توريدها إلى مصانع الحديد والصلب والمسابك ومصانع الصناعات المعدنية.
ويؤكد «منصور» أن هذه المنظومة تعمل بصورة مترابطة، تبدأ بجامع الخردة الذى يطرق أبواب المنازل، ثم تمر بصاحب المخزن الذى يتولى الفرز والتصنيف، وبعدها تنتقل إلى كبار التجار الذين يوفرون الكميات المطلوبة للمصانع، لتنتهى الرحلة داخل الأفران، حيث تتحول هذه المعادن مرة أخرى إلى منتجات جديدة تدخل فى مختلف الصناعات.
الفرز والتصنيف
وسط أكوام الحديد التى تجاوز ارتفاعها عدة أمتار، وبين أصوات ماكينات التقطيع وحركة العمال التى لا تهدأ، كان فتحى حسين، 50 عامًا، أحد كبار تجار الخردة بعزبة أبو حشيش وصاحب أحد أكبر مخازن تجارة وتوريد الخردة بالمنطقة، يتابع بنفسه عمليات فرز المعادن وتجهيزها قبل شحنها إلى المصانع، خبرة تمتد لأكثر من 30 عامًا جعلته شاهدًا على التحولات التى شهدها هذا النشاط، والذى أصبح اليوم أحد أهم روافد الصناعة المصرية.
يقول «حسين»، وهو يشير إلى أكوام النحاس والحديد والألومنيوم المتراصة داخل المخزن، «الناس بتبص للخردة على إنها مخلفات أو قمامة، لكن الحقيقة إنها مادة خام لها قيمة كبيرة، وكل قطعة موجودة هنا هترجع تدخل خطوط الإنتاج من جديد، أى معدن انتهى استخدامه فى مكان، بيبدأ عندنا رحلة جديدة، سواء كان حديدًا أو نحاسًا أو ألومنيوم أو استانلس ستيل أو غيرها من المعادن».
ويوضح أن القيمة الحقيقية للخردة لا تتوقف عند جمعها، وإنما تبدأ من عمليات الفرز الدقيقة، حيث يتم فصل كل معدن على حدة، ثم تصنيفه وفقًا لنوعه ودرجة نقائه، قبل تجهيزه وضغطه وإرساله إلى المصانع، وأن هذه العملية تحتاج إلى خبرة طويلة، لأن اختلاف نوع المعدن وجودته ينعكس مباشرة على سعره وقيمته فى السوق.
ويشير «حسين» إلى أن مصانع الحديد والصلب والدرفلة والمسابك تعتمد بصورة كبيرة على الخردة باعتبارها مصدرًا أساسيًا للمواد الخام، وهو ما أدى إلى زيادة الطلب عليها خلال السنوات الأخيرة، بالتزامن مع ارتفاع أسعار المعادن عالميًا، وارتفاع تكلفة استخراج الخامات الأولية، الأمر الذى جعل إعادة التدوير خيارًا اقتصاديًا وصناعيًا لا غنى عنه.
ويروى أن عزبة أبو حشيش تحولت على مدار السنوات إلى مركز رئيسى لتجارة الخردة، تستقبل يوميًا كميات كبيرة من مختلف المحافظات، ليتم فرزها وتجهيزها قبل إعادة ضخها إلى المصانع، يقول، «كل قطعة بتدخل المخزن لها قيمة، ومفيش حاجة بتترمي، اللى الناس بتعتبره نهاية عمره، إحنا بنعتبره بداية دورة إنتاج جديدة، وده سر أهمية تجارة الخردة، اللى بقت النهارده صناعة قائمة بذاتها، توفر آلاف فرص العمل وتدعم الاقتصاد وتقلل الاعتماد على استيراد المواد الخام”.
رحلة الخردة من الشوارع للمصانع
يواصل فتحى حسين حديثه، مؤكدًا أن رحلة الخردة تبدأ من مصادر متعددة، فليست هناك جهة واحدة تعتمد عليها السوق، موضحًا أن الجزء الأكبر يأتى من المصانع وورش التشغيل، إلى جانب مخلفات هدم المباني، وتجديد المنازل، والكابلات القديمة، والسيارات الخارجة من الخدمة، والأجهزة الكهربائية التالفة، فضلًا عن الكميات التى يجمعها العاملون فى نشاط «الروبابيكيا»، من المنازل والمنشآت المختلفة.
ويتابع:
«الخردة بتوصل لنا من كل مكان تقريبًا، سواء من شركات ومصانع أو مقاولين أو أفراد، فيه ناس شغلها الأساسى جمع الخردة من المحافظات وتوريدها للمخازن، وبعدها يبدأ دورنا فى الفرز والتصنيف والتجهيز قبل بيعها للمصانع، كل يوم بتدخل كميات جديدة، لكن المعروض بقى أقل من زمان بسبب زيادة الطلب عليها».
ويلفت «حسين» إلى أن النحاس يتصدر قائمة المعادن الأكثر طلبًا فى السوق، نظرًا لدخوله فى صناعات الكابلات والمحولات والمعدات الكهربائية، ويأتى بعده الألومنيوم ثم الحديد والاستانلس ستيل، مؤكدًا أن لكل معدن سوقًا خاصة وسعرًا يتغير باستمرار وفقًا لحجم الطلب المحلى والأسعار العالمية، فأى ارتفاع فى أسعار المعادن عالميًا ينعكس مباشرة على تجارة الخردة داخل مصر، لأن المصانع أصبحت تعتبرها بديلًا اقتصاديًا مهمًا للمواد الخام المستخرجة من المناجم.
أسعار الخردة
يشير «حسين» إلى أن أسعار الخردة تشهد تغيرات مستمرة تتحدد وفقًا لنوع المعدن ودرجة نقائه وحجم الطلب عليه فى السوق، لافتًا إلى أن النحاس لا يزال يتصدر قائمة المعادن الأعلى قيمة، حيث يشترى النحاس الأحمر بنحو 600 جنيه للكيلو، بينما يصل سعر النحاس الخليط إلى نحو 570 جنيهًا، والنحاس الأصفر إلى 320 جنيهًا، كما تتفاوت أسعار الألومنيوم بحسب نوعه، إذ يبلغ سعر الألومنيوم الطرى والكريستال نحو 155 جنيهًا، بينما يسجل ألومنيوم «المكن» نحو 115 جنيهًا، ويصل سعر الألومنيوم البلدى إلى 95 جنيهًا.
ويوضح أن سعر علب المشروبات المعدنية المعروفة بـ«الكانز» يدور حول 100 جنيه للكيلو، وكذلك بعض أنواع الألومنيوم الخفيف، فى حين يعد الحديد الأقل سعرًا بين المعادن المتداولة، إذ يتم شراؤه بنحو 20 جنيهًا، بينما تشترى البطاريات المستعملة بحوالى 41 جنيهًا.
من ساحات تجميع الخردة، انتقلت «المصور» إلى أحد المسابك التى تعتمد عليها كمادة خام رئيسية فى عملية الإنتاج، والتقينا المهندس محمد الفيومي، صاحب أحد المسابك، الذى أوضح أن الخردة لم تعد مجرد خيار أمام المصانع، بل أصبحت ركيزة أساسية تعتمد عليها الصناعات المعدنية، خاصة مع الارتفاع المستمر فى أسعار الخامات الأولية عالميًا.
ويشير إلى أن الطلب المتزايد على الخردة خلال السنوات الأخيرة، سواء من السوق المحلية أو العالمية، أدى إلى اشتداد المنافسة على الحصول عليها، وهو ما تسبب فى ارتفاع أسعارها وتراجع الكميات المتاحة فى بعض الفترات.
من جانبه، يؤكد وليد عادل، الخبير الاقتصادي، أن الخردة المعدنية لم تعد مجرد نشاط تجارى أو سوق لتداول المعادن المستعملة، بل أصبحت أحد المكونات الرئيسية للاقتصاد الدائري، الذى يقوم على إعادة استخدام الموارد وتعظيم قيمتها الاقتصادية، وهو ما تتجه إليه كبرى الاقتصادات العالمية فى ظل ارتفاع أسعار المواد الخام وتزايد الضغوط على سلاسل الإمداد.
ويشير الخبير الاقتصادى إلى أن مصر تمتلك فرصة كبيرة لتعظيم الاستفادة من هذا القطاع، خاصة فى ظل التوسع فى المشروعات الصناعية وزيادة الاعتماد على التصنيع المحلي، موضحًا أن كل طن من الخردة يتم إعادة تدويره محليًا يساهم فى تقليل الحاجة إلى استيراد جزء من الخامات الأولية، بما ينعكس على خفض الضغط على العملة الأجنبية، وتقليل فاتورة الواردات، وتعزيز قدرة الصناعة الوطنية على المنافسة.
ويضيف «عادل» أن هذا النشاط لا يقتصر أثره على المصانع فقط، بل يمتد ليشمل سلسلة واسعة من الأنشطة الاقتصادية، تبدأ من جامعى الخردة، مرورًا بالتجار وورش الفرز والنقل والتخزين، وصولًا إلى المسابك والمصانع، وهو ما يوفر آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، ويخلق قيمة مضافة داخل الاقتصاد الوطنى بدلًا من فقدانها.