فى مكان يبدو للوهلة الأولى وكأنه نهاية الأشياء، تبدأ حياة جديدة لمواد ظن أصحابها أنها فقدت قيمتها؛ قطعة حديد صدئة، سلك نحاسى، علبة معدنية، جهاز كهربائى قديم أو هاتف انتهى عمره الافتراضى.. كلها قد تبدو مجرد مخلفات تنتظر طريقها إلى صندوق القمامة، لكنها فى عالم الخردة تتحول إلى سلعة، ثم إلى خامة، ثم تعود من جديد إلى خطوط الإنتاج.
خلف هذه الرحلة اقتصاد كامل تتحرك داخله أطنان من المعادن والمواد الصلبة، وتتشابك فيه مصالح جامعى الخردة، وأصحاب المخازن، والتجار، والعاملين فى الفرز والتجهيز، وصولاً إلى المصانع التى تعتمد على الخردة كمصدر مهم للخامات. وفى القاهرة الكبرى وحدها، تخرج مئات الأطنان يوميًا من بين ملايين الأطنان من المخلفات، لتبدأ رحلة مختلفة بعيدًا عن مسار القمامة التقليدى.
لكن هذه الثروة لا تتحرك دائمًا داخل منظومة رسمية واضحة؛ فجزء كبير من سوق الخردة يعمل فى مساحة غير منظمة، ما يجعل تقدير حجم الاقتصاد الحقيقى وقيمته أمرًا معقدًا، رغم ما يدور فيه من مليارات الجنيهات، وما يوفره من خامات يمكن أن تخفف فاتورة الاستيراد وتدعم الصناعة المحلية.
وتتسع الصورة أكثر عندما نصل إلى النفايات الإلكترونية؛ فالأجهزة القديمة ليست مجرد مخلفات خطرة، وإنما «مناجم حضرية» تختبئ داخلها معادن مثل الذهب والفضة والنحاس والألومنيوم والبلاتين والبلاديوم، بما يفتح الباب أمام استثمارات جديدة فى إعادة التدوير والصناعات الخضراء.
وبين «عزبة أبو حشيش» التى تبدو كعاصمة خفية لتجارة الخردة، والقمامة التى تستخرج منها المعادن والمواد الصلبة، والأجهزة الإلكترونية التى تخفى ثروات ثمينة، تقف الدولة أمام فرصة اقتصادية كبيرة، لكنها تواجه فى الوقت نفسه سؤالاً أكثر إلحاحًا: كيف تتحول الخردة إلى ثروة منظمة دون أن يفقد مَن عاشوا عقودًا على جمعها وفرزها مصدر رزقهم؟
هنا تبدأ الحكاية.. حكاية ثروة كانت تُلقى فى القمامة، قبل أن يكتشف الجميع أنها قد تكون ذهبًا ينتظر منظومة تستخرجه.