رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«الإخوان».. وخط سير «المال الحرام»


2-10-2026 | 13:27

.

طباعة
تقرير: مروة سنبل

«من ميدان رابعة إلى شقق لندن.. من مقر المقطم إلى مكاتب إسطنبول.. ومن دفاتر التربعات الورقية إلى محافظ العملات المشفرة».. هكذا كان خط سير عدد كبير من قادة جماعة الإخوان الإرهابية بعد ثورة الشعب المصرى فى 30 يونيو رفضًا لـ«حكم المرشد»، وبمرور السنوات، وتحديدًا بعد إفشال الدولة المصرية لمؤامرة «الدم والنار» التى حاولت الجماعة تنفيذها فى مصر، لم تعد المواجهة مع الجماعة الإرهابية محصورة فى الملاحقة الأمنية لعناصرها أو تفكيك هياكلها فى الداخل، فقد اتسعت المعركة خلال السنوات الأخيرة لتشمل حربا من نوع آخر، حرب تدار عبر منابع التمويل، وشبكات العلاقات الدولية، والكيانات التى أسسها التنظيم فى الخارج، وصولا إلى المنصات الإعلامية والفضاء الإلكترونى الذى تحول إلى ساحة بديلة لمحاولة استعادة النفوذ.

برز ملف التمويل للجماعة الإرهابية كأحد المفاتيح المركزية لمواصلة حربها المسمومة ضد الدولة ومؤسساتها، فانتقال عناصرها إلى الخارج لم يكن مجرد هروب بل كان إعادة تموضع، شكّل خلالها التنظيم شبكة مترابطة من المؤسسات والمراكز والجمعيات والشركات فى عواصم أوروبية وأمريكية، تحولت إلى بنيته التحتية الجديدة ومصدر تمويله وحاضنته السياسية.

منذ نشأتها لم تكن الجماعة دعوية، بل كانت شركة قابضة تلبس ثوب الدين، حسن البنا نفسه وضع القانون المالى الأول: فرض على كل عضو عامل ما يسمى «الاشتراك»، ووفقا للائحة التنظيمية يدفع نسبة تتراوح عادة بين 5 إلى 8 فى المائة من دخله الشهرى للجماعة، وتعتبر ضريبة تنظيمية شهرية ملزمة، وهو نظام قائم حتى اليوم، فالعضو الإخوانى فى برمنجهام أو برلين أو هيوستن أو اسطنبول لا يزال يدفع اشتراكه عبر تسليم نقدى أو عبر شركة صرافة صغيرة أو محفظة رقمية.

وتشير التقديرات إلى أن مورد «الاشتراكات» وحده، مع انتشار الجماعة فى أكثر من 70 دولة، يدر ملايين الدولارات سنويًا، لكن الاشتراكات الشهرية للأعضاء أصبحت تمثل الرافد الأضعف فى الميزانية الضخمة للتنظيم مقارنة بمصادر التمويل الأخرى، حيث تعتمد المحفظة المالية الكبرى للإخوان حاليا بشكل رئيسى على أرباح الاستثمارات التجارية الضخمة والشركات، وعوائد بيزنس «شهادات الحلال» فى الغرب، فضلا عن شبكات الإغاثة الدولية والتبرعات الخارجية.

لم يكن اختيار التنظيم لـلعاصمة البريطانية صدفة، بل اختارتها لأنها الملاذ القانونى الأكثر أمانا، فالقانون البريطانى يسمح بتسجيل الجمعية الخيرية فى ساعات، ويمنحها إعفاء ضريبيا، ويصعب تجميد أصولها لأنها مسجلة كـ«وقف خيرى» وليست شركة، ولا يسأل من أين جاءت الأموال بقدر ما يراقب أين تذهب؟، وهناك ولدت إمبراطورية «يوروب ترست» صندوق أوروبا الائتمانى لدعم المساجد، لكنه فى الواقع ذراع عقارية تدير محفظة تضم مساجد ومراكز وعقارات سكنية وتجارية فى بريطانيا، فكرته بسيطة تقوم على جمع الزكاة والتبرعات من الجاليات المسلمة، ثم شراء عقار وتسجيله «وقفًا خيريًا» ثم تأجيره لمسجد أو مركز إسلامى، والإيجار يذهب كتبرع للجمعية، والتبرع يذهب كتمويل للجماعة، دائرة مغلقة لايمكن تتبعها بسهولة، والصندوق أنشئ كذراع تمويلية لاتحاد المنظمات الإسلامية فى أوروبا، ويحول ريعه لدعم شبكة من المراكز والجمعيات من بينها رابطة مسلمى بريطانيا التى وصفها وزير بريطانى فى 2010 بأنها ممثل الإخوان فى بريطانيا.

التبرعات والعمل الخيرى والفضاء الرقمى، الرافد الأكبر والأكثر تعقيدا فى شبكة «تمويل الإخوان»، ففى أوروبا تعمل مؤسسات خيرية ضخمة تأسست منذ الثمانينيات، مثل مؤسسة الإغاثة الإسلامية ميزانياتها معلنة بعشرات الملايين، تتداخل بعض شبكاتها مع التنظيم، فالثابت أن العمل الخيرى لدى الجماعة الإرهابية هو الغطاء الأفضل لجمع المال، كما يبرز الاستثمار العقارى بوصفه أحد الملفات فى بنية التمويل طويل الأجل، نظرا إلى قدرته على تحويل الأموال إلى أصول ثابتة يمكن استخدامها فى تمويل النشاط المؤسسى أو استضافة أنشطة اجتماعية وتعليمية ودينية.

كذلك، تمكنت الجماعة الإرهابية من بناء شبكة مالية واسعة فى إفريقيا، مستغلة الثغرات الاقتصادية وهشاشة الأنظمة المالية، وتعد السودان، وليبيا، والصومال، ونيجيريا، وجنوب إفريقيا، من أبرز الدول التى شهدت وجودا ماليا نشطا للجماعة.

واستخدم التنظيم شركات وكيانات الـ«أوف شور»، كأحد أهم الركائز لبناء شبكته المالية والاقتصادية السرية العابرة للحدود، وهى شركات تؤسس فى ملاذات ضريبية غير الدولة التى تمارس فيها نشاطها، وتتمتع بدرجة عالية من السرية وغياب الرقابة، وساعدت هذه الشبكات فى تمويل أنشطة مختلفة ودعم شبكات مرتبطة بالجماعة بعيدا عن ملاحقة الأجهزة الرقابية والحكومية، حيث تبرز كستار لتمويل مخططاتهم التخريبية تحت غطاء ملاذات ضريبية غامضة.

وتنتشر الشبكة المالية للجماعة من شركات قابضة ومؤسسات مالية فى ملاذات مثل بنما وليبيريا وجزر العذراء البريطانية وسويسرا وقبرص ونيجيريا والبرازيل والأرجنتين وباراجواى، وتكمن الخطورة فى أنها ليست مجرد شركات، بل بنية تحتية مالية تسمح بنقل الأموال وإخفائها حول العالم بعيدا عن أعين أجهزة مكافحة تمويل الإرهاب.!!.

وإلى جانب ما سبق، اتجه التنظيم إلى التمويل الرقمى، فبعد تضييق البنوك على التحويلات انتقلت الجماعة منذ 2022 إلى المحافظ الإلكترونية والعملات المشفرة كوسيلة حديثة وسرية لتهريب وتمرير الأموال عبر الحدود بعيدا عن الرقابة المصرفية، والاعتماد على عملات مثل البيتكوين والإيثيريوم لتمرير التبرعات والدعم المالى من الخارج مثل أوروبا وتركيا دون الكشف عن هوية المرسل أو المستقبل، واستخدام المحافظ الإلكترونية ومنصات الدفع الرقمى لتسهيل التحويلات المالية السريعة.

وعن الجهات الممولة للتنظيم الإرهابى قال هشام النجار، الباحث فى شئون الحركات المتطرفة: التمويل يتغير من مرحلة لمرحلة حسب المعسكر الذى تلتحق به الجماعة الخائنة للعمل بالأجر فى مشروعاته ومخططاته كأداة وظيفية، فمثلا عندما كانت الجماعة منخرطة فى مشروع تفكيك المنطقة وتقسيمها ومخطط الشرق الأوسط الجديد تلقت تمويلا سخيا من الإدارة الأمريكية الديمقراطية حينها ومن المخابرات الأمريكية، كما تلقت تمويلات من قوى إقليمية مستفيدة من المخطط ومن إسقاط الدول العربية، وعندما كانت منخرطة فى الحلف السنى الشيعى الذى شكلته إيران تحت عنوان وحدة الساحات تلقت تمويلا من إيران، وهكذا تتغير الجهة الممولة حسب ظروف كل مرحلة ووفقا للطرف المستفيد من خدمات الجماعة الخائنة سواء طرفا دوليا أو إقليميا.

«النجار»، أضاف أنه «فى جميع الأحوال فإن الجماعة الخائنة مطلوبة فقط للعمل الذى تحترفه منذ نشأتها فلا يلجأ إليها طرف خارجى سواء دوليا أو إقليميا إلا إذا كانت مصالحه ومخططاته الشريرة تقتضى إضعاف مصر أو إرباك الدولة المصرية والتحريض ضدها، وتلك الأعمال القذرة تتقاطع مع مصالح الجماعة المنبوذة الخائنة، ولا تتردد فى القيام بها نظير التمويل الذى تتقاضاه».

كما أوضح «أن المنصات تُمول من القوى الخارجية المستفيدة من خدمات الجماعة الخائنة، ولا يهم تلك القوى التى تدفع للجماعة أموالا طائلة أن تربح تلك المنصات أو تخسر، فالمهم أن تواصل الجماعة الخائنة القيام بالمهمة والدور المرسوم، ويرجع امتلاك جماعة الإخوان الخائنة القدرة على تجنيد أشخاص على العمل بتلك المنصات والظهور بها إلى أنها ترصد لهم من ميزانية التمويل الخارجى مرتبات شهرية كبيرة، وهو ما أدى لالتحاق عدد من ذوى القلوب المريضة الحقودة والعقول الفارغة السطحية وفى نفس الوقت أصحاب المطامع فى التربح السريع من المال القذر الحرام بتلك المنصات الإخوانية المشبوهة للعمل بها، سواء كانوا شيوخا أو إعلاميين أو فنانين أو غيرهم، وجميعهم يجمعهم مع الطمع والنفس الدنيئة الجهل والسطحية وكونهم فاشلون وعديمو الموهبة فى مجالاتهم».

ولفت «النجار»، إلى أن «حجم استفادة الجماعة الإرهابية من أموال التبرعات كبير والأرقام المعلنة كبيرة، فما بالنا بما كان مخفيا ومسكوتا عنه»، مشيرا إلى أنه قد ظهرت على مراحل فضائح علنية وضح من تفاصيلها حجم الفساد داخل التنظيم الدولى للإخوان وفروعه، حيث استولى قادة الجماعة الخائنة على مبالغ طائلة من التبرعات لغزة، واتهم بعضهم بعضا وكشفوا أمام الجميع أنهم ليسوا سوى سارقين متربحين يتخذون من القضايا الإنسانية بوابة لكنز الأموال الحرام.

وحول من يدير أموال التنظيم وصناع الفتن قال «النجار»: هناك أسماء عديدة فى ملف إدارة أموال الجماعة مثل محمود الإبيارى ونهاية الطنيجى وعبدالرحمن أبو دية وأيمن نور وغيرهم، ومن الواجب الإشارة هنا إلى أنه للجماعة تكتيك تقوم به لإخفاء نشاطها المالى والتهرب من مراقبته، فعلى سبيل المثال تدير جزءا من أموالها واستثماراتها فى تجارة الأدوية والمستلزمات الطبية وتجارة الذهب وغيرها من الأنشطة».

كما أكد أن «الحركة المالية للإخوان نشطة عبر شبكة شركات واستثمارات فى العديد من المجالات وهو ما يبقى الجماعة قادرة على الاستمرار بحانب التبرعات المسروقة والتمويل الخارجى».

بدوره، قال منير أديب، الباحث فى شئون الحركات المتطرفة والإرهاب الدولى، إن «جماعة الإخوان لديها مصادر متعددة للتمويل، والتنظيم يمتلك استثمارات وشركات عابرة للحدود، فضلا عن وجوده فى أكثر من 80 دولة، كما أن وجود التنظيم فى العديد من الدول يوفر له ما وصفه بـ«محفظة مالية»، والأموال تصل إليها من مصادر مختلفة، من دول وأجهزة استخبارات وأعضاء فى الجماعة، موجودين فى بعض الدول الأوروبية والعربية، وأضاف: أن بعض أعضاء الجماعة فى الخارج يتمتعون بقدرات مالية كبيرة، وهو ما يسمح لهم بتمويل فروع التنظيم فى أوروبا وإفريقيا وآسيا، أو تحويل الأموال إلى قيادات التنظيم الموجودة فى لندن وتركيا».

وأشار «أديب» إلى أن «الجماعة تعتمد كذلك على شركات عابرة للحدود واستثمارات مالية ضخمة لتمويل أنشطتها، إلى جانب نظام التبرعات والاشتراكات الشهرية للأعضاء، وهذا النظام لا يزال قائما حتى الآن، كما أن الاشتراكات والتبرعات تمثل جزءا من الموارد المالية للجماعة، لكنها لا تفسر وحدها حجم الأموال التى نتحدث عنها، والدفعة المالية الكبيرة» للتنظيم تأتى من مسارات أخرى، بينها الشركات والاستثمارات والتحويلات المالية من فروع التنظيم فى الخارج».

وحول استفادة التنظيم من «التبرعات» أوضح «أديب» أن «التمويلات تمثل الرئة التى يتنفس منها تنظيم الإخوان، فالجماعة تعتمد على التبرعات والعمل الخيرى، وتستغل القضايا التى تحظى بتعاطف واسع، مثل القضية الفلسطينية، غير أن التبرعات ليست وحدها السبب الرئيسى وراء الزيادة الكبيرة فى الموارد المالية للتنظيم، وإنما المسارات المالية الأخرى مثل الشركات والاستثمارات والتحويلات الخارجية».

 
 
 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة