هوس الترند واللهث وراء التعليقات واللايكات والتفاعل اليومى لتحقيق أكبر قدر من الربح، دفع عددًا كبيرًا من المستخدمين لتعدى الحدود الفاصلة للنقد وصولاً للتشهير الرقمى تحت غطاء نقد السلبيات وتسليط الضوء عليها، وهو ما كان دافعًا لظهور ما بات يُعرف بـ«التشريعات الرقمية» التى تصدت بقوة لهذه الجرائم الإلكترونية فى البيئة الرقمية، وحددت آليات واضحة ومحددة للفصل ما بين النقد والتشهير، لتبقى آليات التنفيذ والمواءمة المستمرة لهذه التشريعات لتتناسب مع التطورات السريعة والمتلاحقة فى البيئة الرقمية، وتحديدًا عصر ما بعد الذكاء الاصطناعى.
الدكتور محمد حجازى، استشارى التشريعات الرقمية والملكية الفكرية، أكد أن «الهواتف الذكية المحمولة فى يد كل مواطن أصبحت أداة رقابة شعبية حقيقية، فمقطع فيديو قصير لمستشفى مهمل أو طريق متهالك أو موظف يتعنت مع المواطنين قد يحرك الجهات المسئولة بشكل أسرع من عشرات الشكاوى الورقية، لكن الكاميرا نفسها قد تتحول إلى أداة اغتيال معنوى، حين يُنشر وجه إنسان أو تُنتزع لحظة ضعف من سياقها لتصبح مادة للسخرية أمام الملايين».
«حجازى»، أضاف: هذه الإشكالية تم التصدى لها عندما تمت صياغة قانونى مكافحة جرائم تقنية المعلومات وحماية البيانات الشخصية، بين حماية حق المجتمع فى المعرفة دون أن نترك كرامة الأفراد مستباحة، فقد وضع دستور 2014 الحقين فى كفتين متقابلتين، فالمادة 57 تقرر أن للحياة الخاصة حرمة مصونة لا تُمس، والمادتان 65 و70 تكفلان حرية الرأى والتعبير والنشر بكل وسائله.
وأوضح أن «كثيرًا من صُناع المحتوى مع وجه الإنسان وصوته وملامحه على أنها مجرد «لقطة» عابرة، لكن القانون رقم 151 لسنة 2020 حسم المسألة من جذورها، حيث عرف البيانات الشخصية المحمية بأنها «كل بيان يتعلق بشخص طبيعى محدد، أو يمكن تحديده بشكل مباشر أو غير مباشر»، وبالتالى فإن الصورة والصوت والاسم ولوحة السيارة وعنوان المنزل ورقم التليفون والبريد الإلكترونى وغيرها؛ كلها بيانات تكفى لتحديد هوية صاحبها».
وأشار إلى أنه «وفقًا للمادة القانونية فإن تصوير شخص ثم نشر صورته عبر المنصات الرقمية هو، بلغة القانون، «جمع» و«معالجة» و«إفصاح» عن بيانات شخصية، ويخضع ذلك لقواعد صارمة، أبرزها الموافقة الصريحة من الشخص المعنى أو وجود سند قانونى يجيز المعالجة»، مضيفًا أن «البعض يحتج بأن قانون حماية البيانات الشخصية استثنى البيانات التى يحتفظ بها الأشخاص الطبيعيون لاستخدامهم الشخصى، وهذا الاستثناء صحيح، لكنه ضيّق بطبيعته، فهو يغطى صور الهاتف التى تبقى فى نطاق الحياة الخاصة، ولا يمتد إلى النشر العام لآلاف أو ملايين المتابعين، والواقع العملى ونماذج الأعمال الرقمية يكشفان أن القناة أو التطبيق أو الموقع الذى يحقق دخلاً من المشاهدات أو الإعلانات أو الرعايات هى نشاط اقتصادى منظم وصاحبها يقوم فعليًا بدور «المتحكم» فى البيانات، فهو الذى يحدد غرض المعالجة ووسيلتها، ويختار ما يُنشر ويُحذف، ويستفيد ماديًا من المحتوى».
وبحسب «حجازى»، فإن «عقوبة نشر البيانات الخاصة ليست بسيطة، فالمعالجة أو الإفصاح دون موافقة أو فى غير الأحوال المصرح بها يُعاقب عليها بغرامة تتراوح بين مائة ألف ومليون جنيه، وإذا اقترن ذلك بتحقيق منفعة مادية أو أدبية، أو بقصد تعريض الشخص للخطر أو الضرر، ينتقل القانون إلى الحبس حتى ثلاث سنوات مع أو غرامة قد تصل إلى مليونى جنيه».
وأكد «حجازى»، أن «مصر تمتلك منظومة حماية متكاملة، ويخطئ مَن يظن أن مصر تفتقر إلى النصوص القانونية؛ فلدينا منظومة تشريعية تتكامل حلقاتها، فنجد قانون العقوبات يجرم القذف والسب فى المادتين 302 و306. ويجرم فى المادة 309 مكررًا التقاط أو نقل صورة شخص فى مكان خاص أو تسجيل حديثه دون رضاه، وتعاقب المادة 309 مكررًا (أ) على إذاعة هذه التسجيلات واستعمالها، كما نجد قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 تعاقب المادة 25 بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وبغرامة بين خمسين ومائة ألف جنيه، أو بإحدى العقوبتين، على نشر معلومات أو أخبار أو صور تنتهك خصوصية شخص دون رضاه، سواء كانت صحيحة أو غير صحيحة».
مضيفا أن المادة 26 تعاقب بالحبس من سنتين إلى خمس سنوات مَن يعالج البيانات الشخصية للغير تقنيًا لإظهاره بما يمس اعتباره أو شرفه، وهى النص الأقرب لمواجهة التزييف العميق والمونتاج المسيء
بدوره، قال الدكتور محمد ممدوح، أستاذ مساعد الأمن السيبرانى وتكنولوجيا المعلومات بجامعة النيل، إن «البيئة التشريعية المصرية حددت الفرق بين التصوير المباح والتشهير الرقمى، وهو انعكاس لتطوير البيئة التشريعية الرقمية فى مصر، التى شهدت تطورًا مستمرًا من أجل مواكبة التحديات التقنية والفنية لحماية البيانات الرقمية»، مضيفًا أن «القوانين المحلية والدولية وفى مقدمتها قانون حماية البيانات الأوروبى GDPR والـEU Act وضعت قواعد واضحة للتمييز بين التصوير فى الأماكن العامة والخاصة، ومنها أن التصوير فى الأماكن العامة المفتوحة متاح قانونيًا، ولا يمثل فى ذاته اعتداءً على الخصوصية، طالما لم يتم استغلاله فى الإساءة والتشهير».
أما التصوير فى بيئة العمل، فحسبما أشار «ممدوح»، فإن التشريعات الأوروبية والدولية تحظر تمامًا تسليط كاميرات المراقبة على الموظفين فى مقرات العمل أو الغرف المغلقة، كما تحظر استخدام الذكاء الاصطناعى لهذه الأغراض.
وقال: تم استثناء التسجيل بدون إذن، أو إجازة تسجيل الصوت أو الفيديو بدون استئذان من النيابة العامة فى حالتين أساسيتين تُعتمدان أمام القضاء؛ الأولى عند إثبات البراءة فى قضية، والثانية عند توثيق حالة اعتداء مباشرة يتعرض لها الشخص.
وأشاد بالتشريعات المصرية فى هذا المجال، وهى مستمدة من القانون الفرنسى المتسق مع القواعد الأوروبية، فتم إصدار قانون حماية البيانات الشخصية، ويتم العمل به، وهو الآن فى مرحلة التكيف والمواءمة، وشركات الاتصالات من أول القطاعات التى بدأت فى تطبيق هذه الاشتراطات.
وعن حجب الفيديوهات الخاصة بالتشهير أو التى تحتوى مضامين مسيئة للغير، قال «ممدوح» : هناك إمكانية استخدام نماذج الذكاء الاصطناعى AI Model والتى توفر تقنيًا خوارزميات قادرة على اكتشاف محتوى العنف أو الخروج عن الآداب العامة، لكن تطبيقها على كل ما يتم نشره فى الفضاء الإلكترونى أمر بالغ الصعوبة بسبب تدفق ملايين الفيديوهات يوميًا.
«ممدوح»، أشار إلى أن هناك جهات رقابية وتنفيذية لمواجهة اللاحقة للتشهير الرقمى، منها المجلس الأعلى لإعلام، والتى تعمل اللجان المختصة بمراقبة البلوجرز واليوتيوبرز والصفحات والقنوات التى يعمل القائمون عليها من داخل مصر، ويمتلك المجلس صلاحيات إدارية تشمل الحجب والإيقاف ومنع النشر، ويمكنها أن تصل إلى المخالفات النيابية، لكنه لا يملك سلطة الحبس الجنائى، أما وزارة الدخلية فتتولى التتبع الجنائى للمحتوى المسيء أو التشهير، ليسلك مجرى جنائيا أمام القضاء، وهنا يتم توقيع عقوبات سالبة للحريات بالإضافة إلى عقوبات مالية.
«الركض وراء الترند».. هكذا فسر «ممدوح» انتشار ظاهرة الفيديوهات والتشهير الرقمى، من أجل الرغبة فى اعتلاء الترند وجمع أرباح مالية، فهناك مَن يقف لتصوير الحادث دون التوجه لإنقاذ الضحايا، موضحًا أن «ظاهرة التصوير بلغت أقصاها مع منصة التيك توك، وهى من أكثر منصات التواصل الإجتماعى خطورة، فاللهث وراء الفيديوهات القصيرة من أجل الهدايا المباشرة يدفع البعض لتقديم أى محتوى لجنى المال».
بدورها قالت الدكتور رانيا ممدوح، خبيرة الصحة النفسية، إن «التغيرات السلوكية متسارعة على الفضاء الإلكترونى، فالتواجد الرقمى للمستخدمين تجاوز مساحة التسلية إلى أن يكون بيئة تفاعلة كاملة، هذه البيئة تتطلب ضرورة الالتزام بأخلاقيات وضوابط صارمة لحماية الصحة النفسية، وحماية المجتمع من السلوكيات العدوانية والانتهاكات المتكررة».
وبحسب «د. رانيا»، هناك غياب وعى بالأخلاقيات الخاصة بالتعامل مع البيئة الرقمية، فأغلب المستخدمين لا يهتمون بقراءة أخلاقيات استخدام هذه منصات التواصل الإجتماعى عند إنشاء حساباتهم.
كما أشارت إلى أن «أغلب المستخدمين يوافقون على صفحات الشروط والأحكام، والضغط السريع على زر الموافقة دون قراءة، ومن هنا يفقد المستخدمون معرفة القواعد والشروط والأحكام الخاصة بالاستخدام، التى وضعها مبتكرو ومصممو هذه المنصات، من أجل إخلاء مسئوليتهم من جهة، ولتأسيس بيئة استخدام آمنة وأخلاقية للتواصل عبر هذه المنصات من جهة أخرى».
وأوضحت أنه «فى مقدمة هذه القواعد والأخلاقيات الرقمية هى احترام خصوصيات الآخرين والتوقف عن ممارسة الوصاية أو المحاكمات المجتمعية على الأفراد فى خياراتهم وحياتهم الشخصية، فالفضاء الرقمى المحلى تحول إلى منصة لإصدار أحكام حادة وانتقادات لاذعة عليهم، وهذا السلوك يحول المنصات الرقمية إلى محاكمات رقمية بما يتنافى مع الأخلاقيات الإنسانية، بعدم التدخل فى دين أو مظهر أو خصوصية أحد».
وشددت على أن «تصوير الآخرين ونشر صورهم أو مقاطع فيديو لهم دون استئذان أو موافقة صريحة انتهاك صارخ للخصوصية؛ فتجرم جميع المواثيق الأخلاقية التقاط صور ومقاطع الفيديو للآخرين لمجرد وجود مشادة أو خلاف فى وجهات النظر»، منوهة بأن «الاستثناء الوحيد للتصوير بدون إذن مسبق فى حالات الطوارئ القصوى، كإنقاذ الأشخاص، أو إبلاع الأجهزة الأمنية عن خطر أمنى أو حادث، أو لإثبات حق قانونى، أما غير ذلك سواء مشادات أم شجارًا بين الأفراد أو المواقف العادية، فلا يحقّ لأى فرد التعدى على حرية وخصوصية الآخرين بكاميراته».