رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

من مكلنبورغ إلى برلين.. نتائج «مخيبة للآمال».. ورطة المستشار الألمانى


3-10-2026 | 12:25

المستشار الألمانى فريدريش ميرتس

طباعة
تقرير: سلمى أمجد

بعد ثلاث هزائم انتخابية خلال شهر واحد، تتزايد التحديات التى تواجه المستشار الألمانى فريدريش ميرتس، فى ظل تراجع شعبية الحكومة وتصاعد الضغوط داخل الائتلاف الحاكم، بالتزامن مع صعود اليمين المتطرف وتراجع ثقة الناخبين فى الأحزاب التقليدية، ولا تقتصر الأزمة على المشهد السياسى الداخلي، بل تعكس تحديًا أوسع أمام تيار الوسط فى أوروبا، الذى يجد نفسه مطالبًا بإقناع الناخبين بسياسات اقتصادية صعبة وحلول تدريجية، فى وقت تحظى فيه الخطابات الشعبوية بقدرة أكبر على تقديم وعود تبدو أكثر بساطة وجاذبية.

فى مؤشر جديد على تنامى نفوذ اليمين المتطرف فى ألمانيا، تصدر حزب «البديل من أجل ألمانيا» (AfD) نتائج الانتخابات فى ولاية «مكلنبورغ-فوربومرن» شمال شرقى البلاد، محققًا 38.2 فى المائة من الأصوات، فى ثانى فوز له بالمركز الأول فى انتخابات الولايات هذا العام، بعد نجاحه السابق فى ولاية «ساكسونيا-أنهالت»، ما يجعله أقرب إلى السلطة الإقليمية من أى حزب يمينى متطرف آخر منذ الحرب العالمية الثانية.

وقد شكلت النتائج ضربة قوية لحزب الاتحاد الديمقراطى المسيح (CDU)، المنتمى إلى تيار يمين الوسط بزعامة «ميرتس»؛ إذ لم يحصد سوى 4.9 فى المائة من الأصوات فى ولاية «مكلنبورغ-فوربومرن»، وهى أدنى نتيجة يحققها الحزب على الإطلاق فى انتخابات أى ولاية، كما جاءت دون عتبة الـ5 فى المائة اللازمة لدخول برلمان الولاية.

وجاءت نتائج برلين لتزيد المشهد تعقيدًا؛ إذ تصدر «حزب اليسار» (Die Linke) النتائج للمرة الأولى فى تاريخ انتخابات الولاية، بحصوله على 25.7 فى المائة من الأصوات، متقدمًا على حزب المستشار الذى حل ثانيًا بنسبة 18.8 فى المائة. كما حقق حزب «البديل» تقدمًا لافتًا، لترتفع حصته من 9.1 فى المائة عام 2023 إلى 16.3 فى المائة، فيما يمضى «اليسار» قدمًا نحو قيادة الحكومة المقبلة فى الولاية، بما قد يفتح الباب أمام وصول مرشحته الرئيسية «إليف إيرالب» إلى منصب عمدة برلين؛ لتصبح أول عمدة من أصول تركية.

لم يأتِ صعود اليمين المتطرف واليسار الاشتراكى من فراغ؛ إذ تبنى حزب «البديل» برنامجًا متشددًا تجاه الهجرة، شمل الدعوة إلى زيادة عمليات الترحيل وإنشاء قوة شرطة حدودية وشرطة مختصة بالترحيل، إلى جانب طرح إمكانية وقف استقبال طالبى اللجوء على مستوى الولاية، فضلًا عن معارضة تقديم المساعدات لأوكرانيا.

فى المقابل، استند حزب اليسار إلى برنامج انتخابى ركز على العدالة الاجتماعية وتحسين الخدمات الأساسية، وفى مقدمتها معالجة أزمة السكن من خلال الحد من ارتفاع الإيجارات وفرض قيود أكثر صرامة عليها، إلى جانب مكافحة التمييز والعنصرية.

وأقر المستشار الألمانى بحجم الخسارة الانتخابية، واصفًا النتائج بأنها «كارثة»، كما اعترف بأن تراجع شعبيته الشخصية كان أحد العوامل المؤثرة فيها، ورغم ذلك، شدد على عزمه البقاء فى منصبه، مؤكدًا أن حكومته ماضية في مواجهة التحديات التي تمر بها البلاد. كما ألمح إلى أمرٍ أكثر جوهرية في تصريحاته عقب انتخابات الولايات هذا الشهر، حيث قال إن أحزاب الوسط لم تتمكن بعد من إقناع الناخبين بأن تركيزها التقليدي على التوافق والتغيير التدريجي أكثر فعالية من الخطط «الراديكالية» لحزب البديل من أجل ألمانيا أو حزب اليسار.

وقد دفعت الضغوط المتزايدة على «ميرتس» رؤساء حكومات الولايات المنتمين إلى حزبه إلى إعلان دعمهم له، وسط تساؤلات حول استمرارية هذا الدعم. ورغم أن استبدال المستشار خلال ولايته ليس أمرًا غير مألوف، فإن الإطاحة به فى هذه الظروف ستكون خطوة صعبة، خاصة أن اختيار خلف له سيتطلب توافقًا بين حزبه وشريكه فى الائتلاف، الحزب الديمقراطى الاجتماعى (SPD). وفى الوقت نفسه، يبدو أن هناك قلة من المرشحين المستعدين لتولى المنصب.

وتكشف نتائج استطلاع للرأى أُجرى فى سبتمبر عن حجم التحديات التى يواجهها «ميرتس»؛ إذ أبدى 13 فى المائة فقط من الألمان رضاهم عن أدائه، وفقًا لاستطلاع أجرته شبكة «ARD» التلفزيونية العامة.

بدأت مشكلات «ميرتس» حتى قبل أن يتسلم رسميًا مقاليد الحكم. فقد تطلب الأمر محاولتين ليتم تثبيته رسميًا فى منصب المستشار، وهو سيناريو غير مسبوق. ثم تراجع عن وعد انتخابى بعدم زيادة الاقتراض الألماني، وذلك عبر إقرار إنفاق بقيمة نصف تريليون دولار مخصص للدفاع والبنية التحتية، وقد أسهمت سياساته الاقتصادية الصعبة وأسلوبه الحاد فى التواصل، إلى جانب ارتفاع أسعار الوقود بسبب الحرب فى الشرق الأوسط، فى تنامى استياء الناخبين وتراجع شعبيته، وانعكس ذلك على أداء حزبه فى الانتخابات الأخيرة، وفقًا لتقرير صادر عن صحيفة «نيويورك تايمز».

تعليقًا على ما سبق، قال الدكتور طارق وهبي، خبير العلاقات الدولية، إن «أسباب صعود اليمين المتطرف خلال الفترة الأخيرة تعود إلى إخفاق السياسات العامة التى انتهجتها الأحزاب التقليدية، إلى جانب الضغوط المعيشية وتداعيات الحروب وطريقة تعامل الحكومات الأوروبية مع التطورات الخارجية، فضلًا عن قضيتى الهجرة واللاجئين، وهو ما أتاح لهذا التيار توسيع خطابه الشعبوى القائم على الدعوة إلى حماية أموال الدولة وعدم توجيهها إلى الخارج».

وأضاف أن «هذه الأوضاع أسهمت فى فقدان الناخب الأوروبى قدرًا من الثقة فى الأحزاب التقليدية، خاصة أن تطلعاته إلى الرخاء الاقتصادى القائم على سياسات عامة تضمن لكل فرد فى المجتمع حقه اصطدمت بواقع مختلف، تفاقم مع اندلاع حرب أوكرانيا وتوقف تدفق الغاز الروسى إلى أوروبا، وما تبع ذلك من ارتفاع أسعار الطاقة، إلى جانب تداعيات الحرب الإيرانية-الإسرائيلية التى أثرت فى أسعار النفط ومشتقاته؛ إذ تجاوز سعر النفط فى أوروبا 100 دولار للبرميل، بالتزامن مع ارتفاع أسعار البنزين والديزل إلى أكثر من يوروين للتر الواحد».

كما أشار إلى أن «اليمين المتطرف فى ألمانيا يثير جدلًا بشأن أفكاره؛ إذ يرى البعض أنها تحمل طابعًا نازيًا، بينما يسعى آخرون إلى تجاوز إرث الحقبة النازية، باعتبار أن الحربين العالميتين الأولى والثانية أصبحتا جزءًا من الماضي، وأن الأجيال الحالية لا تتحمل مسئولية ما حدث آنذاك، وفى الوقت نفسه، يركز هذا التيار على الدفاع عن الهوية الوطنية، التى أصبحت شعارًا بارزًا فى ألمانيا، وهو ما يثير تساؤلات بشأن تقاطع بعض أفكاره مع أفكار نازية».

ويرى «وهبي» أن «اليمين المتطرف غير قادر فى الوقت الراهن على الإطاحة بالمستشار الألماني»، موضحًا أن الأمر أكثر تعقيدًا بسبب نظام التعددية الحزبية، فضلًا عن أن حزب «البديل» لا يستطيع، رغم تصدره فى الولاية التى فاز فيها، تشكيل حكومة بمفرده، لعدم تحقيقه الأغلبية المطلقة، ومن ثم يحتاج إلى شريك أو تحالف مع أحزاب أخرى.

 
 
 
 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة