رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

إثيوبيا وحرب «الأقاليم المشتعلة»


3-10-2026 | 12:25

.

طباعة
تقرير: أمانى عاطف

على وقع اشتباكات تُعيد إلى الأذهان أهوال «حرب تيجراي» تقف إثيوبيا مجددًا أمام اختبار أمنى وسياسى بالغ الخطورة، مع اتساع رقعة المواجهات بين القوات الفيدرالية وقوات إقليم تيجراي، وامتدادها إلى أقاليم مجاورة، وسط تحالفات مسلحة جديدة تهدد بتغيير خريطة الصراع ومخاوف من انهيار اتفاق بريتوريا للسلام، تبدو إثيوبيا أمام مفترق طرق بالغ التعقيد: فإما احتواء التصعيد وإحياء الاتفاق، أو أن تتحول شرارة تيجراى مجددًا إلى صراع أوسع يمتد تأثيره إلى دول القرن الإفريقي.

عادت البنادق إلى الواجهة فى إثيوبيا، وبدأ القتال يمتد ليشمل مناطق خارج ساحة المعركة المباشرة، بما فى ذلك إقليما عفار وأمهرة المجاوران، فيما تبادلت الحكومة الإثيوبية والحزب المسيطر على إقليم تيجراى الشمالى الاتهامات بشن هجمات، مما زاد المخاوف من انزلاق إثيوبيا مجددًا نحو حرب مدمرة فى إقليم تيجراي، وسيطرت قوات تيجراى على مطارات فى الإقليم، وعلقت الخطوط الجوية الإثيوبية رحلاتها إلى تيجراى عقب الاستيلاء على المطارات، كما عُلقت الرحلات إلى لاليبيلا مع تصاعد حدة الاشتباكات فى المنطقة. وتعد لاليبيلا بلدة فى منطقة أمهرة، تقع على طرق رئيسية إلى شمال إثيوبيا، وتشتهر بكنائسها المنحوتة فى الصخر، والتى تعود إلى العصور الوسطى، وهى مُدرجة على قائمة اليونسكو للتراث العالمي.

وفى المقابل، أعلن الجيش الإثيوبى مقتل 272 متمردًا وإصابة 260 آخرين فى مواجهات دارت شمالى البلاد مع جبهة تحرير شعب تيجراي، التى كانت قد أعلنت تحالفها مع فصائل متمردة أخرى، وتحولت التوترات القائمة منذ سنوات بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تيجراى إلى نزاع مفتوح، واتهم غيتاشيو رضا، مستشار رئيس الوزراء الإثيوبى آبى أحمد، قوات تيجراى بشن هجوم شامل على مواقع الحكومة، بينما تقول سلطات تيجراى إن «قواتها كانت ترد دفاعيًا على هجمات القوات الفيدرالية»، ولا يزال من الصعب تحديد النطاق الأوسع للقتال بسبب محدودية الوصول وتضارب الادعاءات من الأطراف المتنازعة.

وفى هذا السياق، أفادت وكالة «رويترز»، بانقطاع شبكات الإنترنت والهاتف فى إقليم تيجراى شمال إثيوبيا. وفى غضون ذلك، قام السكان بتخزين المواد الغذائية وسحب النقود، استعدادًا لاحتمال تحول النزاع الجديد إلى حرب طويلة الأمد، ويمثل هذا العنف الأخير التصعيد الأخطر منذ حرب تيجراى التى دارت رحاها بين عامى 2020 و2022، والتى أسفرت عن مقتل مئات الآلاف، ودفعت أجزاء واسعة من الإقليم إلى ظروف شبيهة بالمجاعة.

ويُعد الانتشار الجغرافى للقتال ذا أهمية خاصة، فقد وردت أنباء عن قتال قوات تيجراى إلى جانب جماعات مسلحة فى كل من عفار وأمهرة، ففى عفار، أفادت التقارير بأن قوات تيجراى كانت تعمل جنبًا إلى جنب مع جماعة مسلحة محلية، وفى أمهرة، أفادت التقارير بأنها كانت تقاتل إلى جانب حركة فانو المسلحة، التى كانت متحالفة مع الحكومة الفيدرالية خلال حرب تيجراى السابقة، لكنها انقلبت لاحقًا على أديس أبابا. وتشارك فانو فى تمرد ضد الحكومة الإثيوبية منذ عام 2023، وهى أيضًا جزء من تحالف جديد مع جبهة تحرير شعب تيجراى وخمس جماعات مسلحة أخرى. وبدأ القتال يمتد ليشمل مناطق خارج ساحة المعركة المباشرة.

وتأتى هذه التوترات المتجددة فى ثانى أكبر دولة إفريقية من حيث عدد السكان، فى وقت يواجه فيه القرن الإفريقى عمومًا صراعات متعددة، بما فى ذلك الحرب فى السودان المجاور، المستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات، كما تواجه إثيوبيا قتالًا مستمرًا فى منطقتى أمهرة وأوروميا، وتقع هذه المنطقة على حدود إريتريا، التى تدعم جبهة تحرير شعب تيجراي، لذا فإن اتساع رقعة هذه الحرب ينذر بخطر كبير لنشوب صراع بين إثيوبيا وإريتريا.

وأثار التصعيد الدعوات إلى ضبط النفس والعودة إلى عملية السلام التى يدعمها الاتحاد الإفريقي، حيث حث الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش، الأطراف على ممارسة أقصى درجات ضبط النفس وتجنب أى أعمال قد تؤدى إلى اتساع نطاق النزاع، ودعا رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي، محمود على يوسف، إلى «خفض التصعيد فورًا»، وحث الطرفين على استئناف المحادثات.

وفى هذا السياق، أوضح الدكتور محمد عز الدين، رئيس مؤسسة النيل للدراسات الإفريقية والاستراتيجية، أن «التصعيد الحالى فى إقليم تيجراى تعود جذوره إلى التآكل التدريجى لاتفاق بريتوريا الموقع عام 2022»، مضيفًا أن «هذه الاتفاقية، للأسف، لم تحسم ملفات كثيرة فى إثيوبيا الفيدرالية، ومنها ملفات الحدود بين الأقاليم، وعدم حسم ملفات الحدود الداخلية المعلقة، خاصة غرب تيجراي، كان بمثابة قنبلة موقوتة تنذر بتفجر الأوضاع، كما أن النزاع السلمى بين جبهة تحرير تيجراى والحكومة الفيدرالية لن يستمر طويلًا دون اقتتال».

وتابع: تفجر المشهد أخيرًا جراء هجمات بطائرات مسيرة وضربات جوية استهدفت مواقع ومرافق فى الإقليم، تلاها إعلان سبع فصائل مسلحة، من بينها جبهة تحرير تيجراى وميليشيات فانو الأمهرية، عن تشكيل التحالف الإثيوبى للبقاء لإسقاط نظام آبى أحمد، حيث شنت قوات تيجراى هجومًا مضادًا واسعًا، وسيطرت على مطارات حيوية، وتوغلت فى أقاليم مجاورة كعفار وأمهرة، وسط تبادل للاتهامات بين الطرفين حول بدء القتال الشامل.

وأضاف أن «المؤشرات الميدانية والسياسية تؤكد أن ما يشهده الإقليم والولايات المجاورة ليس مجرد جولة عسكرية محدودة أو مناوشات عابرة، بل يمثل اتساعًا خطيرًا لرقعة الحرب الأهلية الشاملة فى إثيوبيا. فالقتال لم يعد محصورًا فى جبهة واحدة، بل امتد ليشمل تحالفات عابرة للقوميات وتنسيقًا ميدانيًا بين جبهات متعددة، فى وقت تعانى فيه الدولة من إنهاك اقتصادى وأمنى شديد، وهو ما يضع البلاد أمام سيناريو الانزلاق نحو حرب طويلة الأجل تهدد بتفكيك نسيج الدولة المركزية برمتها».

واختتم «عز الدين» بـتأكيده أن «احتمالية تحول الحرب الداخلية إلى مواجهة مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا تظل قائمة وبشدة، فى ظل التوتر الصامت والحشود العسكرية على الشريط الحدودى الممتد، وخاصة مع تقاطع المصالح وتخوف أسمرة من أى ترتيبات أمنية جديدة فى إقليم تيجراي، بالإضافة إلى الطموحات الإثيوبية المعلنة بشأن الوصول إلى البحر الأحمر، وأن تدخل إريتريا، سواء بشكل مباشر عبر الحدود أو عبر دعم أطراف داخلية، قد يحول الصراع الداخلى سريعًا إلى مواجهة إقليمية مباشرة، تسفر عن تداعيات كارثية على استقرار القرن الإفريقى برمته».

 
    كلمات البحث
  • حرب
  • تيجراى
  • إثيوبيا
  • اختبار
  • تصعيد

أخبار الساعة

الاكثر قراءة