فى كتابه الشهير «ماذا حدث للمصريين؟»، التقط جلال أمين التحولات الكبرى من تفاصيل الحياة اليومية، وتابع تغير العلاقات بين الطبقات، وصورة النجاح، وأنماط الاستهلاك، ونظرة المصرى إلى نفسه وإلى الآخرين. وبعد عقود من صدور الكتاب، دخل الهاتف المحمول إلى أدق تفاصيل حياتنا، وحوّلت وسائل التواصل كل هاتف تقريبًا إلى كاميرا ومنصة نشر ومحكمة جماهيرية. وصارت مشادة محدودة بين شخصين قادرة، خلال دقائق، على التحول إلى قضية عامة يتابعها مئات الآلاف.
وسط هذا العالم، يفرض سؤال الأمان نفسه بصورة جديدة. الأمان هنا هو شعور الإنسان بأن خلافه ولحظة غضبه وخطأه العابر ستظل فى حدود الموقف، ولن تتحول صورته إلى مادة دائمة تطارده أمام جمهور لا يعرف ظروف الواقعة ولا ما سبقها.
قدمت كاميرات الهواتف خدمة مهمة فى توثيق الاعتداءات وحفظ الأدلة وكشف تجاوزات كان يصعب إثباتها. تبدأ المشكلة عند الانتقال من التسجيل إلى النشر العام، فالتصوير يمكن أن يحفظ حقًا، والإبلاغ يضع المادة أمام الجهة المختصة، والنشر يفتح بابًا آخر تحكمه التعليقات وإعادة التداول والاقتطاع من السياق.
وغالبًا ما يبدأ المقطع عند ذروة التوتر، يرى الجمهور لحظة محدودة، ويغيب عنه ما سبق تشغيل الكاميرا وما حدث بعد توقفها، وقد يكون حامل الهاتف مشاركًا فى الخلاف أو طرفًا فى تصعيده. ثم يصل الفيديو مصحوبًا بعنوان يوجه الحكم منذ اللحظة الأولى، ويمنح الأدوار مسبقًا: ضحية هنا، ومعتدٍ هناك.
وفى بعض الوقائع تصبح الكاميرا جزءًا من صناعة المشهد. يطول الجدال، ويزداد الاستفزاز، ويستمر التصوير انتظارًا للحظة ينفعل فيها الطرف الآخر. عندها يفقد الهاتف موقع الشاهد المحايد، ويدخل فى تشكيل الحدث نفسه.
وتزداد المشكلة حين يعتقد المواطن أن انتشار الفيديو أكثر فاعلية من طريق البلاغ الرسمي. وقد أصبحت عبارة «كشف ملابسات مقطع فيديو متداول على مواقع التواصل الاجتماعي» مألوفة فى البيانات الأمنية، وهو ما يدفع بعض الناس إلى تصور أن الوصول السريع إلى المؤسسات يحتاج أولًا إلى جذب اهتمام الجمهور.
ومن هنا ظهرت صورة يمكن وصفها بـ«النجدة الموازية». يحمل المواطن شكواه إلى المنصات، ويحاول جمع المشاهدات والتعليقات حتى تصبح الواقعة قضية رأى عام، وينتج عن ذلك تفاوت واضح؛ تحظى الواقعة الأكثر إثارة بالاهتمام، بينما قد يبقى صاحب الضرر الهادئ بعيدًا عن الضوء.
وتحتاج قنوات البلاغ الإلكترونى القائمة إلى مزيد من التطوير والتعريف بها، بحيث يستطيع المواطن إرسال المادة المصورة بسهولة، والحصول على رقم متابعة، ومعرفة مسار الشكوى، وكلما أصبح الطريق الرسمى أسرع وأكثر وضوحًا، تراجعت الحاجة إلى استدعاء الجمهور للفصل فى النزاعات.
وتساعد خوارزميات المنصات على توسيع دائرة الغضب، لأنها تمنح المحتوى المثير للتعليقات والمشاركة فرصًا أكبر للظهور، وكلما ارتفع مستوى الانفعال، اتسع انتشار المقطع، حتى تتحول واقعة صغيرة إلى موجة عامة يصعب التحكم فى نتائجها.
وكانت واقعة عامل النظافة المعروفة بقضية «كشرى التحرير» من النماذج التى كشفت قوة هذا المسار، أثار الفيديو تعاطفًا واسعًا، وتوالت اللقاءات والعروض والوعود بالمساعدة، وانتقل صاحبه خلال فترة قصيرة من شخص مجهول إلى اسم معروف لدى الجمهور. ثم ظهرت معلومات إضافية بعد أن كان الانطباع العام قد استقر.
وتكشف هذه الواقعة ملامح ما يمكن تسميته «اقتصاد التعاطف»؛ حيث تتحول المظلومية المصورة إلى رأس مال من الانتباه والانتشار، وقد تفتح أبواب الشهرة والمساعدة والظهور الإعلامى، ومع تكرار هذه النماذج، يصبح استمرار المشادة أحيانًا أكثر قابلية لصناعة المحتوى من انتهائها بالمصالحة.
وتدخل الحساسية الطبقية فى توجيه الحكم على المقاطع. يميل جزء من الجمهور إلى مساندة الطرف الأقل دخلًا أو صاحب المهنة البسيطة، استنادًا إلى خبرة اجتماعية طويلة مع التفاوت واختلال القوة، ويظل السلوك نفسه هو الأساس الذى ينبغى أن تُبنى عليه المسؤولية، قد يتعرض مقدم الخدمة للإهانة، وقد يصدر عنه تجاوز، وقد يكون صاحب العمل معتديًا أو متضررًا. وعندما تتحول المهنة إلى معيار جاهز للحكم، يفقد الأشخاص تفاصيلهم، ويتحول الخلاف إلى مواجهة رمزية بين طبقات المجتمع.
ويمنح التعليق الغاضب صاحبه شعورًا سريعًا بالمشاركة فى تحقيق العدالة،. يكتب إدانته، ويعيد نشر الفيديو، ثم ينتقل بعد أيام إلى واقعة أخرى، أما الشخص المصور، فقد يظل أمام أثر طويل يمس عمله وأسرته وسمعته. وهنا يظهر أحد أقسى جوانب المحاكمة الرقمية: الفارق بين غضب يستمر دقائق وعقوبة اجتماعية قد تمتد سنوات.
واتسعت الظاهرة كذلك إلى رقابة أخلاقية أهلية. ففى واقعة قنا خلال أغسطس 2026، صورت سيدة جارها واقفًا عارى الصدر فى شرفة منزله، ونشرت المقطع اعتراضًا على تكرار ظهوره بهذه الهيئة، وأرجع الرجل الأمر إلى ارتفاع الحرارة، واتهمها بالسب والتشهير، كان خلافًا بين جارين، ثم أصبح مادة عامة يتداولها أشخاص لا يعرفون الطرفين.
وتستدعى الواقعة ما جرى فى التجمع عام 2021، عندما صورت سيدة أوكرانية فى شرفة منزلها أثناء نشر الغسيل، وهى ترتدى لباس السباحة، ودار النقاش وقتها حول حرمة الحياة الخاصة. وتكشف المقارنة بين الحالتين حاجة المجتمع إلى معيار ثابت للخصوصية يشمل الجميع، بصرف النظر عن الجنس أو الجنسية أو درجة قبول الناس للسلوك.
ويظهر الخلل بوضوح فى عبارة «رصيد الستر خلص». فهى تمنح فردًا سلطة تقرير اللحظة التى يفقد فيها إنسان آخر حقه فى الستر. ومن هذا المنطق تنشأ رقابة عشوائية مجالها الشرفات والشوارع والمطاعم والمواصلات، وأداتها الهاتف، ومحكمتها صفحات التواصل.
ويملك القانون المصرى أدوات لحماية الخصوصية؛ فالمادة 25 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 تتناول نشر معلومات أو صور تنتهك خصوصية شخص من دون رضاه، حتى مع صحة المعلومات المنشورة. كما تتناول المادة 309 مكرر من قانون العقوبات التقاط أو نقل صورة شخص فى مكان خاص، فى الحالات التى حددها القانون.
ومع صدور اللائحة التنفيذية لقانون حماية البيانات الشخصية سنة 2025، أصبح الحديث عن محو البيانات والخصوصية الرقمية أكثر حضورًا. وهذا يقود إلى سؤال مهم: ماذا يحدث للمقطع بعد انتهاء الواقعة؟ قد تنتهى الشكوى، أو يتصالح الطرفان، أو يظهر خطأ الانطباع الأول، بينما يظل الفيديو محفوظًا فى نتائج البحث وصفحات التواصل لسنوات.
وهنا تبرز أهمية النسيان الرقمي. فالإنسان يحتاج إلى فرصة للخروج من أسر لحظة عابرة، مع الاحتفاظ بالمحتوى الذى تقتضى المصلحة العامة بقاءه.
أما الخسارة الأعمق، فتتعلق بالثقة. من يتوقع ظهور الهاتف أمامه فى أى خلاف، يبدأ فى مراقبة كلماته وحركاته، وقد يتردد الناس فى التدخل لمساعدة غريب خوفًا من ظهورهم داخل مقطع مبتور.
طرح جلال أمين سؤاله بحثًا عن التحولات التى أصابت الشخصية المصرية. واليوم يفرض العالم الرقمى سؤالًا جديدًا: ماذا بقى للمصريين من الأمان؟
يبدأ الجواب حين يصبح طريق البلاغ واضحًا وسريعًا، ويعرف حامل الهاتف أن الصورة مسؤولية، ويطمئن الإنسان إلى أن لحظة غضب أو ضعف لن تتحول إلى حكم جماهيرى مفتوح المدة.