رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«إمدادات الوقود».. أزمة تضرب أوروبا


2-10-2026 | 13:30

.

طباعة
تقرير: سلمى أمجد

فى ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية واضطراب إمدادات الطاقة العالمية، تجد أوروبا نفسها أمام تحدٍ متزايد جراء الارتفاع الحاد فى أسعار الوقود، فى وقت تعتمد فيه بدرجة كبيرة على الواردات لتلبية احتياجاتها من الطاقة، ومع استمرار حالة عدم اليقين فى الأسواق العالمية، تتسع تداعيات الأزمة لتشمل ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج، وزيادة أسعار السلع والخدمات، الأمر الذى يفرض أعباء إضافية على المستهلكين ويضاعف الضغوط على الاقتصادات الأوروبية.

وتتزايد حالة الاستياء بين الأوروبيين مع وصول أسعار الوقود فى محطات التعبئة إلى مستويات قياسية فى بعض الدول، إذ ينفق السائقون فى الاتحاد الأوروبى 203 ملايين يورو إضافية يوميًا على وقود الديزل وحده، وفقًا لمجموعة «النقل والبيئة» المعنية بحملات التوعية والمناصرة.

وأظهر تحليل أجرته وكالة «فرانس برس» لبيانات المفوضية الأوروبية، أن «أسعار الديزل فى محطات الوقود سجلت مستوى قياسيًا جديدًا بلغ 2.23 يورو للتر، ويأتى هذا الارتفاع فى ظل تأثر إمدادات النفط الخام بالحروب فى الشرق الأوسط وأوكرانيا، إلى جانب الأضرار التى لحقت بمصافى التكرير، ما أسهم فى دفع أسعار الطاقة عالميًا إلى مستويات مرتفعة».

ومن بين الدول التى سجلت مستويات قياسية جديدة، جاءت الدنمارك وفنلندا فى صدارة الدول الأعلى سعرًا، إذ بلغ سعر لتر الديزل 2.56 يورو، تليهما ألمانيا بسعر 2.46 يورو. كما اقتربت الأسعار فى كل من بلجيكا وفرنسا من حاجز 2.40 يورو، بينما لامست نحو 2.30 يورو فى إيطاليا.

وفى إطار تقليص الاتحاد الأوروبى اعتماده على الطاقة الروسية، ازداد اعتماده على الإمدادات الأمريكية، بما فى ذلك وقود الديزل. إلا أن التوترات المرتبطة بإيران، إلى جانب تأييد الرئيس الأمريكى دونالد ترامب لفكرة حظر صادرات الديزل الأمريكية، أثارت مخاوف داخل التكتل من نقص الإمدادات، واضطراره إلى البحث عن مصادر بديلة، وانعكس ذلك على الأسواق، إذ قفزت العقود الآجلة للديزل تسليم أكتوبر فى أوروبا إلى 1509.75 دولار للطن، بما يعادل 202.65 دولار للبرميل.

وفى محاولة لاحتواء تداعيات ارتفاع تكاليف الطاقة وتخفيف الضغوط المعيشية، لجأت الحكومات الأوروبية إلى خفض الضرائب على الوقود، وتقديم الدعم المالي، وتعديل القواعد المنظمة لقطاع الطاقة، حيث أعلنت فرنسا عن حزمة بقيمة 450 مليون يورو شملت توسيع نطاق المساعدات القائمة على مستوى الدخل للأشخاص الذين يقطعون أكثر من 30 كيلومترًا ذهابًا وإيابًا إلى العمل، أو أكثر من 8 آلاف كيلومتر سنويًا لأغراض مهنية، كما مددت الحزمة الجديدة دعم الوقود للمزارعين والصيادين وشركات البناء حتى نهاية العام، إلى جانب تقديم قسائم طاقة تتراوح قيمتها بين 48 و277 يورو قبل موعدها المعتاد بثلاثة أشهر، لمساعدة 5.8 مليون أسرة على سداد فواتير الطاقة خلال فصل الشتاء.

وفى ألمانيا، وافقت الحكومة على تجديد التخفيضات الضريبية على الوقود، بما يخفض أسعار البنزين والديزل بنحو 17 سنتًا للتر الواحد، وذلك فى الفترة من الأول من أكتوبر وحتى نهاية العام، بتكلفة إجمالية تبلغ 2.5 مليار يورو، وتستعد الحكومة لإجراء محادثات مع قطاع النفط بشأن وضع سقف لأسعار الوقود بحلول الأول من يناير 2027.

فى هذا السياق، قال الدكتور ممدوح سلامة، خبير النفط والطاقة العالمي، إن «التأثيرات الجيوسياسية الحالية كبيرة جدًا على أسعار الوقود، فقد أوقفت الحرب على إيران، وما تبعها من إغلاق مضيق هرمز، 20 فى المائة من إمدادات النفط وإمدادات الغاز السائل القطرى إلى العالم، وبالطبع، التأثير على هذه الإمدادات ينعكس فورًا على ارتفاع أسعار الوقود، لأن المصافى فى العالم مضطرة إلى شراء ما يتواجد فى الأسواق من النفط وتحويله إلى وقود ومشتقات نفطية أخرى».

وأضاف أن «الارتفاع الحاد فى أسعار البنزين والديزل وغيرها من أنواع الوقود يمتد تأثيره إلى مختلف القطاعات، من الإنتاج الغذائى والصناعى إلى الاقتصاد العالمى ككل، بما يزيد الضغوط على النمو الاقتصادى ويدفعه نحو الانكماش».

وبشأن ارتفاع أسعار الوقود فى الاتحاد الأوروبي، أوضح «سلامة» أن «الاتحاد الأوروبى لا يملك مصادر مهمة للطاقة باستثناء النرويج، ولكن مع ذلك يسعى للحفاظ على أسعار مقبولة لشعبه عن طريق استيراد النفط والغاز السائل من أنحاء العالم، ولكن عندما تكون أسعار إمدادات هذه المواد آخذة فى الارتفاع نتيجة لإغلاق مضيق هرمز والحرب على إيران، هذا بالطبع سينعكس بشكل كبير على العالم، وبشكل خاص على أسعار نقل المستوردات والصادرات والغذاء والسلع فى أوروبا».

وتابع: أوروبا تعاني، وقد لاحظنا أن مخزونها من الغاز استعدادًا لفصل الشتاء، عادةً فى هذا الوقت، يكون قد امتلأ بنسبة 90 فى المائة. لكن حاليًا المخزون أقل من نصف ذلك، مما يعنى أن الاتحاد سيضطر أن يتنافس مع السوق الكبرى الأخرى، وهى منطقة حوض المحيط الهادي، على المتواجد من الغاز ومن النفط والديزل والغاز السائل، ويدفع أسعارًا عالية جدًا لتأمين الغذاء والأمن للشعوب الأوروبية.

«سلامة»، شدد على أن «الدول الأوروبية مضطرة إلى تقليص المخصصات المتواجدة لشعوبها من أنواع الطاقة لاستخدامها فى التدفئة، وتأمين الغذاء والمواصلات. ويتضاعف التأثير السيئ على الاتحاد الأوروبى إذا أوقفت الولايات المتحدة صادراتها من الوقود ومن مشتقات النفط، وأنقصت إمداداتها إلى السوق العالمى بسبب ارتفاع الأسعار والطلب المتزايد على إمداداتها، ومن هذه الزاوية، لا يستطيع الاتحاد الأوروبى حماية المستهلكين بشكل كبير من تقلبات أسعار الطاقة على المدى الطويل، ويضطر إلى أن يدفع أسعارًا عالية لتأمين هذه الإمدادات، ما يزيد الضغوط المالية على الاقتصاد الأوروبي، ويؤدى إلى تقلصه».

كما لفت إلى أن «الاقتصاد الأوروبى كان يعانى من ضغط ارتفاع أسعار الطاقة حتى قبل أزمة الحرب على إيران، والدليل على ذلك أن الكثير من الشركات الرئيسية الأوروبية قررت نقل عملياتها الصناعية خارج الاتحاد، إلى الصين والولايات المتحدة، سعيًا وراء أسعار أقل للطاقة».

وفيما يتعلق بإمكانية الحد من تأثر أوروبا بتقلبات أسعار النفط مستقبلًا عبر تسريع التحول إلى الطاقة المتجددة، أكد «سلامة» أن «هذا الوضع فى العالم، وفى الاتحاد الأوروبى بشكل خاص، قد يؤدى من الناحية النظرية إلى بعض التحول نحو السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة، لكن الاتحاد الأوروبى معروف أنه كان الأكبر فى تعلقه بتحول الطاقة نحو الطاقة البديلة، ومع ذلك فشل فى تأمين ما يكفى من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وذلك يرجع إلى أن تكلفة هذا التحول كبيرة جدًا، وتأثيرها هائل على الاقتصاد الأوروبى والعالمي، ثم إنه حتى لو نجح فى هذا التحول السريع، فهذا لن يفى بكل المطالب؛ لأن الطاقة المتجددة غير قادرة وحدها على تلبية احتياجات العالم من الكهرباء دون إمدادات ضخمة من الغاز ومن الفحم ومن الطاقة النووية، لذلك يكمن الحل فى اتباع استراتيجية عقلانية وعملية تعتمد على التواجد والتعايش بين الطاقة المتجددة والطاقة الأحفورية لتوفير الطاقة الكهربائية واحتياجات العالم من الطاقة».

أخبار الساعة

الاكثر قراءة