رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

المديونيات التاريخية تتحول إلى قيمة اقتصادية


1-10-2026 | 12:31

.

طباعة
بقلـم: د. عبد المنعم السيد

يعد ملف التسويات التى تقودها وزارة التخطيط مع بنك الاستثمار القومى عملية لإعادة هيكلة ميزانية الدولة وفض التشابكات المالية، وليس مجرد إعفاء جهات حكومية من ديونها.

ولا شك أنها تعد خطوة تحمل دلالات اقتصادية ومالية تتجاوز مجرد إغلاق عدد من ملفات المديونية المتراكمة، وتتحرك الحكومة المصرية خلال الفترة الأخيرة نحو تسوية جانب من التشابكات المالية التاريخية بين الهيئات والجهات الحكومية وبنك الاستثمار القومى من خلال مزيج من إسقاط الفوائد والغرامات، ومبادلة المديونيات بالأصول، وإعادة ترتيب ملكية الأراضى والمباني، وفك الرهون عن بعض الأصول المالية.

 

وقد بلغت قيمة التسويات التى أعلنت عنها وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية بالتعاون مع بنك الاستثمار القومى نحو 298.8 مليار جنيه، بما يجعلها واحدة من أكبر عمليات إعادة ترتيب المراكز المالية بين الجهات الحكومية خلال السنوات الأخيرة.

وتأتى تسوية مديونية الهيئة الوطنية للإعلام «ماسبيرو» فى مقدمة هذه العمليات، بقيمة نهائية بلغت 88.3 مليار جنيه، بعد إسقاط فوائد وغرامات تأخير تراكمت بنحو 51.4 مليار جنيه، إلى جانب نقل ملكية 44 أصلًا غير مستغل من أراضٍ ومبانٍ إلى بنك الاستثمار القومى بقيمة 18.06 مليار جنيه، مع التأكيد على عدم المساس بالأصول المدرة للعائد.

كما شملت التسويات قطاعات أخرى، من بينها شركات مياه الشرب والصرف الصحي، وهيئة التعمير والتنمية الزراعية، وهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، والهيئة الزراعية المصرية، إضافة إلى تسوية مديونية محافظة الوادى الجديد البالغة نحو 222.7 مليون جنيه، من خلال مبادلة المديونية بأصول عقارية.

المديونيات الحكومية المتراكمة ليست ظاهرة جديدة فى الاقتصاد المصري.

فخلال عقود طويلة نشأت علاقات مالية معقدة بين الوزارات والهيئات الاقتصادية والشركات القابضة والجهات التابعة للدولة، وأصبح من الطبيعى أن تكون جهة حكومية دائنة لجهة حكومية أخرى، بينما تكون الجهة المدينة فى الوقت نفسه مدينة لجهة ثالثة.

ومع مرور السنوات، لا يبقى الدين عند قيمته الأصلية، حيث تضاف إليه فوائد وغرامات تأخير.

ومن ثم تظهر أهمية التسويات، كمحاولة لتحويل دين تاريخى غير قابل للتحصيل الفعلى إلى تسوية قابلة للتنفيذ.

لذلك يمكن النظر إلى التسوية باعتبارها تحويلًا من قيمة دفترية غير قابلة للتحقق إلى قيمة اقتصادية قابلة للتحقق، وهذا أساس وهدف إعادة الهيكلة المالية.

وأيضًا الأصول من أراضٍ ومبانٍ غير مستغلة التى انتقلت ملكيتها لبنك الاستثمار القومي، يستطيع من خلال تطوير الأصل أو الدخول به فى شراكة مع القطاع الخاص أو تحويله إلى مشروع مدر للدخل، فهنا تتحول التسوية إلى خلق قيمة اقتصادية حقيقية للدولة المصرية.

إلا أن على الهيئات التى تمت تسوية مديونياتها وتخفيف أعبائها المالية أن تسعى لإعادة الهيكلة ومعالجة أخطاء الماضي.

فالجهة التى تعانى من خسائر سنوية تحتاج إلى إصلاح نموذج أعمالها، وليس فقط إسقاط مديونياتها، وهذا ينطبق على أى مؤسسة عامة.

لأن تسوية المديونية تعالج الماضي، لكنها لا تصلح المستقبل، ومن أهم المكاسب الاقتصادية للتسويات التى تمت أنها تساعد على:

تحسين وتخفيف الأعباء المالية للمراكز المالية للجهات الحكومية.

فبدلًا من وجود أرقام ضخمة من الديون التاريخية والفوائد المتراكمة التى يصعب تحصيلها، تصبح هناك مراكز مالية أكثر وضوحًا.

وهذا يرفع جودة البيانات المالية ويساعد على اتخاذ قرارات أفضل بشأن الاستثمار والإنفاق وإعادة الهيكلة.

وأيضًا تسوية مديونية ماسبيرو تحمل ميزة إضافية تتمثل فى فك الرهون عن أسهم الهيئة فى مدينة الإنتاج الإعلامى والنايل سات، وهذا يعنى أن الهيئة لا تحصل فقط على تسوية للمديونية، وإنما تستعيد حرية أكبر فى إدارة أصولها المالية.

أيضًا من المكاسب تقوية المركز المالى لبنك الاستثمار القومي، حيث إن بنك الاستثمار القومى يمثل طرفًا رئيسيًا فى هذه العملية.

فبدلًا من الاحتفاظ بمديونيات تاريخية صعبة التحصيل، يحصل البنك على أصول يمكن تطويرها واستثمارها، مما يساعد على زيادة الأرباح المحققة للبنك.

وهذا يمكن أن يساعد فى بناء نموذج أكثر استدامة للبنك.

وأيضًا تسوية مديونية محافظة الوادى الجديد بقيمة 222.7 مليون جنيه تقدم نموذجًا آخر، فالمبادلة بقطعتى أرض إلى جانب الإعفاء الجزئى لا تستهدف فقط إغلاق ملف مالي، وإنما ترتبط بإعادة تفعيل صندوق الإسكان الاقتصادي.

خاصة إذا ارتبطت التسوية بمشروع إنتاجي، فإنها يمكن أن تتحول من مجرد تسوية مالية إلى أداة للتنمية.

ولا شك أن التسويات للديون تخفض التشابكات المالية الحكومية وتحسن هيكل المراكز المالية، بينما أثرها على إجمالى الدين العام يعتمد على طبيعة الجهة المدينة والدائنة وطريقة تصنيف الدين فى الحسابات الحكومية.

ومن المؤكد أن برنامج التسويات فرصة لكى تنتقل الدولة من مفهوم إدارة الدين إلى مفهوم أوسع، وهو إدارة الثروة الحكومية.

ولا شك أن التسويات الحكومية التى تقترب من 300 مليار جنيه تمثل خطوة مهمة فى معالجة إرث طويل من التشابكات المالية داخل القطاع الحكومي.

وتسوية ماسبيرو بقيمة 88.3 مليار جنيه، وإسقاط 51.4 مليار جنيه من الفوائد والغرامات، ونقل 44 أصلًا غير مستغل، إلى جانب تسويات مياه الشرب وهيئة التعمير والمجتمعات العمرانية وغيرها، تعكس اتجاهًا نحو إعادة ترتيب العلاقة بين الديون والأصول داخل الدولة.

لكن هذه التسويات ليست نهاية الإصلاح، إنها بداية لمرحلة جديدة.

فإذا تم استخدام الأصول المنقولة فى مشروعات استثمارية منتجة، وتم إصلاح أسباب الخسائر والتشابكات، ومنع تراكم مديونيات جديدة، وتحسين إدارة الأصول الحكومية، فإن التسويات يمكن أن تتحول إلى أداة حقيقية لإعادة هيكلة المالية العامة وتعظيم ثروة الدولة.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة