تتساءل الصحيفة عن مكانة الدولار وفرض العقوبات والطريقة التي تتخذ بها أمريكا في التعامل مع الدول.
بدأت الدول في بناء بنية مالية خارج نطاق الدولار الأمريكي، صحيح أن البدائل لم تنافس الدولار حتى الآن، إلا أن الدول تحاول تقليص اعتمادها على الدولار، في صراع السياسة والاقتصاد على السيطرة والنفوذ والهيمنة.
كسرت الأسواق القواعد الفقهية التقليدية بزلزال مالي يفيد رسم خارطة الأسواق العالمية للمرة الأولى منذ عقود، حيث تشهد الأسواق تزامنًا لافتًا بين ارتفاع أسعار النفط والدولار، بعدما كانت العلاقة تقليدية كلاسيكية تقوم فيها المعادلة على ارتفاع الدولار وصعود مؤشره الكلاسيكي، وهنا يتم الضغط على أسواق الطاقة.
ولأول مرة نجد أن الطرفين، النفط والدولار، يتحرك فيهما الطرفان في الاتجاه الصعودي نفسه.
الدولار يحافظ على قوته ويتجاهل الفيدرالي الأمريكي، وأسعار النفط عند ثلاثة أرقام بسبب المخاطر والتوترات الجيوسياسية في الممرات المائية المتصاعدة، وكأن أسواق وول ستريت أصبحت على سطح هذه الممرات البحرية، سواء هرمز أو باب المندب.
اندفع المستثمرون مرة أخرى إلى الدولار كملاذ آمن، والسياسة النقدية تنظر إلى استهداف كبح التضخم والوصول به إلى نسبة الـ2 فى المئة المستهدفة.
التحول الذي حدث بالأسواق لا يرتبط بالجغرافيا السياسية فقط، بل بتغيير هيكل الاقتصاد الأمريكي نفسه، وهي معادلة جديدة: نفط مرتفع ودولار مرتفع.
الاقتصاد الكلي يواجه تحولًا جذريًا في النظام المالي والإنتاجي العالمي، يتجاوز مجرد تعديل دوري في سعر الفائدة.
وخلافًا لكل قواعد الاقتصاد التقليدي لرفع أسعار الفائدة قصيرة الأجل الذي أقره الفيدرالي، فإن الضغط ما زال على عوائد السندات طويلة الأجل التي تخطت حاجز الـ5 فى المائة، ورفضت الانصياع للفيدرالي الأمريكي أو وزير الخزانة الأمريكية.
وهذا الأمر ينعكس على كل دول العالم بالنسبة لتكلفة التمويل طويل الأمد، وهي عامل حاسم سيؤثر على الاستهلاك والاستثمار التجاري والتطور التكنولوجي للدولة.
هذا السلوك للأسواق العالمية يفسر لنا أن هناك تحولات هيكلية تجبر الاقتصادات حول العالم على التكيف مع بيئة رأسمالية أكثر كلفة بشكل ملحوظ.
ومع الاختناقات وندرة الطاقة والموارد الإنتاجية وخنق الممرات، يقترب العالم نحو الكساد الاقتصادي.
ولتفسير هذه النقطة، لابد أن نأخذ بعين الاعتبار أن التهديد الرئيسي للاستقرار الاقتصادي لا يكمن في صدمة الطلب أو ظاهرة الركود التقليدية الناجمة عن ارتفاع أسعار السلع، بل في الاختناق المروري للإمدادات الطاقوية، ومن هنا يحذر المحللون الاقتصاديون وصحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية أن الاقتصاد العالمي يقترب من سيناريو آخر، هو انعدام الإمدادات الأولية، حيث سيؤدي هذا النقص أو الانعدام إلى شل حركة النشاط الصناعي والنقل. سيؤدي هذا النقص المادي إلى انكماش إنتاجي، مما يدفع الدورة الاقتصادية العالمية نحو كساد اقتصادي بدلًا من مجرد ركود تضخمي، وذلك يدور في سياق جيوسياسي تسعى فيه أمريكا إلى ترسيخ هيمنتها على قنوات الإمدادات الاستراتيجية، لذلك ترفض الأسواق العالمية الانصياع للفيدرالي الأمريكي.
وهنا نقول إن النفط وأسعاره لم تعد لها علاقة تقليدية بأسعار الدولار، وإنما أصبحت أسعارًا تحرك كل شيء، فهي التي تحرك الفائدة والتضخم العالمي، حيث أعاد مضيق هرمز الطاقة إلى قلب السياسة النقدية والأجور والتوظيف والإسكان والسياسات المالية.
لذلك أزمة العالم لم تحل برفع الفيدرالي الأمريكي سعر الفائدة ربع نقطة أساس، وإنما وقع العالم في دائرة جديدة، وهي انتظار الوصول إلى المستهدف وهو الـ2 فى المئة بحلول عام 2029.
حالة جديدة من الصخب والحذر تلف الأسواق، والسؤال الختامي: لماذا ترفض الأسواق الانصياع لقرارات الفيدرالي الأمريكي؟ وإلى حديث آخر.