رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

انهيار المشروع الصهيونى (18)


2-10-2026 | 13:29

.

طباعة
بقلم: د. محمود مالك علوان

إن الاستثمار فى المشروع الصهيونى خيانة لليهودية الحقة، واستثمار فى الموت والخيانة، واستثمار فى السراب. إنه مشروع يلتهم صانعيه، ويبقى الحق الفلسطينى ساطعًا كالشمس، يدق الأبواب.

«دوام الحال من المحال». الظلم لا يدوم، والاستعمار إلى زوال، والحق ينتصر ولو بعد حين. هذه ليست مجرد شعارات، بل هى خلاصة لتجارب التاريخ البشرى الطويلة. الرهان على الظلم هو رهان خاسر دائمًا. والرهان على نموذج ينتج «الأمساخ الأخلاقية»، ويعتمد على «التضليل اللغوي»، ويخون «العصر الذهبي» للتعايش، هو رهان على الموت والهاوية.

 

هذا هو الدرس المستفاد من هذه السلسلة لفضح المشروع الصهيونى العنصرى الظالم، الذى وجوده ضد منطق التاريخ وحركته، ونواصل ما انتهينا إليه فى الفصل الحادى عشر.

ثالثًا: الخسارة الثقافية والهوياتية: الاغتراب عن الذات والفصام

بالنسبة إلى «الصهيونى الوظيفي» المنتمى إلى المنطقة العربية والإسلامية، فإن تعلقه بالكيان الصهيونى يفرض عليه حالة مأساوية من «الفصام الحضاري» والاغتراب الوجودى، أما بالنسبة إلى «المسخ الأخلاقي» داخل المجتمع الصهيوني، فإنه يعانى من «الفصام الجماعي» الذى شخصناه سابقًا. كلاهما، بطريقته، يفقد الاتصال بذاته الحقيقية وبإنسانيته. و«الصهيونى الوظيفى اللغوي» يخسر لغته ووعيه، ويساهم فى اغتراب أمته.

والثمن؟ محاولة التماهى مع «الغالب» (الكيان الصهيوني) تقتضى من «الصهيونى الوظيفي» احتقار ذاته، وإنكار تاريخه، والتبرؤ من لغته، والتنصل من شعبه وأمته، إنها عملية «تبييض» نفسية وثقافية مؤلمة. وفى المقابل، فإن «المسخ الأخلاقي» داخل إسرائيل يضطر إلى إنكار إنسانيته هو الآخر، وقمع ضميره، والعيش فى حالة انفصام بين صورته كإنسان «متحضر» وأفعاله كآلة قتل وقمع.

والنتيجة: إن «الصهيونى الوظيفي» يظل، فى نظر الكيان الذى يخدمه، مجرد «أداة وظيفية» تنتهى صلاحيتها بانتهاء المهمة. هو ليس شريكًا حقيقيًا، وليس ندًّا، وليس مقبولًا تمامًا. وهكذا، ينتهى به الأمر «غريبًا» فى وطنه الأصلي، و«خادمًا» غير مقبول فى وطنه المتبنّى. أما «المسخ الأخلاقي» داخل إسرائيل، فيعيش حياة ممزقة، غير قادر على التصالح مع ذاته، خائفًا من الحقيقة التى يراها فى عيون ضحاياه وفى مرآة ضميره الميت، كلاهما يخسر ذاته، ويعيش فى «منطقة رمادية» من الاغتراب واللاجدوى.

ومن فقه التاريخ: إن العملاء والمتعاونين مع المشاريع الاستعمارية فى كل زمان ومكان عانوا من هذا المصير: نبذتهم شعوبهم، واحتقرهم المستعمرون الذين استخدموهم. أما المجتمعات التى أنتجت «الأمساخ الأخلاقية» وعانت من الفصام الجماعي، فقد انتهى بها الأمر إلى التفكك والانهيار من الداخل.

رابعًا: الخسارة التاريخية: الوقوف فى الجانب الخطأ من الزمن

التاريخ، فى مسيرته الطويلة، لا يرحم النماذج الإحلالية التى تعاند منطق التحرر البشرى وتتحدى سنن العدالة. فالتاريخ ليس «محايدًا»، بل هو، فى العمق، ساحة لتحقق العدالة الإلهية والسنن الكونية.

التشخيص: لنتأمل فى مصير كل القوى والأفراد الذين دعموا نظام الأبارتهايد فى جنوب إفريقيا، أين هم اليوم؟ لقد خجلوا من تاريخهم، وحاولوا التنصل من ماضيهم، ودفنوا رؤوسهم فى الرمال. لم يعد أحد يجرؤ على الدفاع عن ذلك النظام علنًا، لقد تحول المدافعون عنه ومنفذو سياساته إلى «منبوذين» فى التاريخ، وأسماؤهم مقرونة بالعار والتواطؤ مع الظلم.

النتيجة: المعلّقون بهذا الكيان الصهيونى اليوم، سواء كانوا «صهاينة وظيفيين» فى الخارج، أو «أمساخًا أخلاقية» فى الداخل، أو «صهاينة وظيفيين لغويين» يسممون الوعي، يكتبون أسماءهم بأحرف من نار فى «الصفحات السوداء للتاريخ». تلك الصفحات التى ستُقرأ غدًا، وستُدرَس فى كتب التاريخ، كأمثلة صارخة على «العمى السياسي» و«التواطؤ الأخلاقي» و«الانحطاط الإنساني» ضد الحقوق الطبيعية للشعوب فى الحرية والكرامة وتقرير المصير، إنهم يراهنون على «حصان خاسر» فى سباق التاريخ، وسيسجلهم التاريخ كمن راهنوا على الجانب الخطأ، وشاركوا فى صنع «الأمساخ» التى تلتهم نفسها، وخانوا «التجربة اليهودية» الحقيقية التى ازدهرت فى ظل الحضارة الإسلامية.

ومن فقه التاريخ: «دوام الحال من المحال». الظلم لا يدوم، والاستعمار إلى زوال، والحق ينتصر ولو بعد حين. هذه ليست مجرد شعارات، بل هى خلاصة لتجارب التاريخ البشرى الطويلة. الرهان على الظلم هو رهان خاسر دائمًا على المدى التاريخي. والرهان على نموذج ينتج «الأمساخ الأخلاقية»، ويعتمد على «التضليل اللغوي»، ويخون «العصر الذهبي» للتعايش، هو رهان على الموت والهاوية.

خلاصة فقه التاريخ: استثمار فى السراب وفى الموت

إن التعلق بهذا الكيان الصهيوني، بكل ما كشفناه من اعتلالاته البنيوية وتناقضاته الداخلية وأمساخه الأخلاقية وتضليله اللغوى وخيانته للتجربة اليهودية الحقيقية، هو ببساطة «استثمار فى السراب»، بل هو «استثمار فى الموت» الأخلاقى والوجودي. إنه رهان على مشروع يحمل بذور فنائه فى صميم بنيته، وينتج يوميًا الكائنات التى تعجل بفنائه.

فالاعتلال البنيوى الذى شخصه (ليبوفيتش وأرندت وسعيد وبابى وأسد)، والأمساخ الأخلاقية التى شهدنا نماذجها المروعة، ليست مجرد وعكة سياسية عابرة يمكن علاجها ببعض الإصلاحات السطحية، بل هى «خلل فى التكوين»، هو عيب خلقى فى لحظة التأسيس ذاتها. إنها «خطيئة أصلية» لا تمحى، و«ديناميكية تآكل ذاتي» لا تتوقف، تجعل البقاء مستحيلًا على المدى الطويل، ليس بسبب قوة الأعداء فى الخارج، بل بسبب «تفسخ المجتمع من الداخل»، كما حذر (ليبوفيتش) قبل عقود، وبسبب «الأمساخ التى تلتهم صانعيها»، كما شهدنا فى تحليلنا، وبسبب «خيانته للعصر الذهبى للتعايش الإسلامى اليهودي».

إن المتعلقين به يخسرون قيمهم لأنهم قبلوا بالظلم وبرروه ودافعوا عنه. ويخسرون عقولهم لأنهم عاندوا حقائق التاريخ والجغرافيا والديموغرافيا، وصدقوا أوهام السردية الصهيونية التى تمررها الترجمات المضللة. ويخسرون مستقبلهم لأنهم ربطوا مصيرهم بكيان يلهث وراء جدران الإسمنت العازلة هربًا من حتمية الحقيقة الفلسطينية التى تطرق الأبواب كل يوم، بينما تنخر الأمساخ فى جسده من الداخل، وبينما تدوى فى آذانهم شهادة التاريخ: «إن أزهى عصوركم كانت تحت ظلالنا».

إنهم، كما قال الشاعر العربى القديم:

(وَمَن يَستَعِن بِغَيرِ اللَهِ فى حاجَةٍ
يَجِد حَبلَهُ وَاهٍ ضَعيفَ المَحامِلِ).

وكما تقول الحكمة التاريخية المستقاة من تجارب الأمم:

“من استند إلى جدار متصدع، سقط بسقوطه؛ والكيان الصهيونى اليوم ليس إلا جدارًا يتآكل من أساسه، مهما حاول الوكلاء الوظيفيون ترميمه بالدعاية والمال والسلاح وبالترجمات المضللة. والأخطر من ذلك، أن هذا الجدار يفرز «أفاعي» تلتهم أحشاءه قبل أن تسقطه الرياح،. ومن يرهن مصيره لهذا الجدار، فإنه لا يخسر فقط مستقبله، بل يخسر ماضيه أيضًا، ذلك الماضى الذهبى الذى كان فيه اليهودى والعربى أخوين فى حضارة واحدة، قبل أن تأتى الصهيونية لتحول الأخ إلى “مسخ وظيفي” والآخر إلى “ضحية مستباحة”.”

(يتبع)

أخبار الساعة

الاكثر قراءة