رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

أن نكون فارس عودة أو الدرة؟


1-10-2026 | 12:23

.

طباعة
بقلـم: أحمد النبوى

لا تزال صورة محمد الدرة عالقة بأذهان شعوب العالم، تلك الصورة التى التقطتها عدسة مصور قناة فرانس 2 عام 2000 والتى هزت مشاعر الإنسانية لدى شعوب العالم، وكانت ثوانٍ قليلة قادرة على أن تُكسب القضية الفلسطينية اهتماما عالميا وليس مجرد تعاطف فقط، بعد أن أعلن جيش الاحتلال تحمله المسئولية عن استشهاد الدرة، ولكن مع تصاعد الاهتمام العالمى وحالة التعاطف وفشل محاولات الصهاينة لمحو تلك الصور من وسائل الإعلام العالمية تراجع الصهاينة عن الاعتراف وادعاء أنه ربما قتل من رصاصات قوات الأمن الفلسطينية فى محاولة للحفاظ على تعاطف العالم معهم .

 

واليوم مع الذكرى السادسة والعشرين لاستشهاد الطفل محمد الدرة فى الثلاثين من سبتمبر عام 2000 إلا أن صورة محمد الدرة ما زالت حاضرة فى قلوب الملايين، بعد أن أصبح الدرة أيقونة الانتفاضة الثانية، تلك الانتفاضة التى عُرفت باسم انتفاضة الأقصى، والتى اندلعت بعدما اقتحم المجرم شارون باحات المسجد الأقصى بحماية مشددة من جنود الاحتلال، واستمرت انتفاضة الأقصى لمدة خمس سنوات، ولكن بعد أقل من شهر من استشهاد الدرة ظهرت صورة أخرى، وهى صورة الطفل فارس عودة، الذى لم يُكمل الخمسة عشر عاما، وهو يقف بمفرده بشجاعة ليواجه دبابة لجيش الاحتلال بحجارة فى يده وجنود الاحتلال يحتمون خلف الدبابة، وهى الصورة التى التقطها مصور وكالة أسوشيتد برس، وكانت تلك الصورة فضيحة لجيش الاحتلال، ورغم سيطرة الصهيونية على الإعلام العالمى، ورغم كل المحاولات لمحو تلك الصورة؛ إلا أنها فشلت، ولم يكن أمام المحتل الصهيونى إلا أن يمحو فارس عودة من الوجود بعد عشرة أيام من التقاط الصورة، واستشهد فارس عودة فى الثامن من نوفمبر بعد إصابة مباشرة برصاص الاحتلال فى العنق .

ما بين صورة استشهاد محمد الدرة وفارس عودة تظهر القضية الفلسطينية ومشكلتها فى استخدام الإعلام لإيصال الصورة الحقيقة للعالم، وليس مجرد الحديث فى الغرف المغلقة أو فى الإعلام العربى، الذى عجز على مدار سنوات عن التعامل السليم مع القضية إعلاميا عالميا وليس محليا، ورغم أن هاتين الصورتين منذ 26 عاما، وأثبتا أن الصورة أقوى من كل أسلحة جيش الاحتلال، ولكن لم يتم حتى الآن استثمار القضية إعلاميا كما يجب، وترك المجال للإعلام الصهيونى منفردا يشكل وجهة نظر العالم تجاه القضية الفلسطينية؛ ولكن علينا كإعلام عربى مناصر للقضية أن نحدد الرؤية التى نريد أن نطرحها للعالم، فهل نريد أن نكون محمد الدرة أم فارس عودة؟

قد يكون التساؤل غريبا للبعض لأن الاثنين شهيدان يفصلهما شهر واحد وفى سن الطفولة وهما من أيقونات انتفاضة الأقصى، وكل هذا يجعل البعض يعتقد أن لا فرق بينهما، ولكن هذا اعتقاد خاطئ لأن صورة استشهاد محمد الدرة بالنسبة لى تدل على الخوف والقهر والعجز وهى صفات إنسانية نعانى منها جميعا؛ لأننا نحب الحياة وهو ما جعل تداول الصورة يكسب تعاطف العالم مع الشهيد الدرة، الذى أصبح أيقونة بعد الاستشهاد لأن الكل وضع نفسه مكان الأب والإحساس بالعجز عن حماية ابنه من رصاص الاحتلال، وعلى العكس كان الشهيد فارس عودة أيقونة قبل الشهادة وبعدها؛ لأن صورته وحيدا فى مواجهة الدبابة بحجارة فى اليد وجنود جيش الاحتلال يختبئون خلف الدبابة هو أكبر دليل على شجاعة هذا الطفل ومدى إيمانه بقضيته العادلة فى الدفاع عن وطنه المحتل، وعدم الخوف من الدبابة التى من السهل أن تجعل جسده ذرات من التراب، بالإضافة إلى أن الصورة أظهرت مدى جبن وخوف جنود الاحتلال من مجرد طفل يقف بمفرده ولا يحمل سوى حجارة صغيرة فى كف اليد وليست قنبلة أو مدفعا أو حتى رشاشا أو حتى مسدسا يمكن أن يقتل أحدهم، ولكنهم جنود جبناء يختبئون خلف جسم الدبابة خوفا من الحجارة، وهنا تظهر عقيدة الشعب الفلسطينى فى الدفاع عن الأرض المحتلة؛ لذا حاول المحتل محو صورة فارس عودة، وعندما فشل فى ذلك لم يجد إلا أن يتم اغتياله بعدها بأيام، ولم يحتمِ فارس عودة فى والده بحثا عن الأمان والتمسك بالحياة، بل على العكس كان الأب هو منْ يبحث عن الابن لكى يحميه، ولمنْ لم يعرف الطفل «فارس» فمنذ صغره وهو يشارك فى مواجهة جنود الاحتلال بالحجارة دائما وفى الصفوف الأمامية، وهو الأمر الذى جعل والده يحبسه بالمنزل لعدم المشاركة.

وفى أحداث انتفاضة الأقصى كان فارس يهرب من المدرسة للذهاب للمشاركة فى الانتفاضة بدون علم أهله، ووصل الأمر أن اشتكى مدير المدرسة لوالد فارس الذى قام بضرب ابنه ضربا مبرحا وقام بتقييده وحبسه بالمنزل، ولكن العقاب لم يثنِ فارس عن إيمانه بقضية وطنه، فواصل المشاركة حتى تم التقاط صورته ونشرها، ورغم تكرار عقاب الأب ولكن واصل فارس رشق الحجارة على جنود الاحتلال وعلى الدبابات من المواجهة وليس محتميا خلف جدار أو مع جماعات بل كان منفردا محتميا بإيمانه وشجاعته، وهذه هى الأيقونة التى يحتاج لها الشعب الفلسطينى للوصول لحل للقضية، وتخيلت لو لم يتم استشهاد الدرة وفارس منذ 26 عاما كيف سيكون حالهما اليوم، بكل تأكيد لم نكن نعرف محمد الدرة الذى أصبح موظفا وتزوج وأنجب أبناء ويعيش كما يعيش أغلب الشعب الفلسطينى ولا نعرفهم، وبالنسبة لفارس عودة فلو كان ما زال حيا لتوقعنا جميعا أنه أسير فى سجون الاحتلال أو مناضل له اسم معروف أواستشهد ، ورغم مرور 26 عاما ما زلنا لا نعرف هل حل القضية الفلسطينية بأن نكون محمد الدرة أم نكون فارس عودة؟

المشهد الأخير المكرر فى قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك أثناء صعود نتنياهو لإلقاء كلمته في الجمعية العامة وحالة الانسحاب الجماعي لمندوبي أكثر من 50 دولة رفضا لمجازر الاحتلال فى غزة، هى رسالة دبلوماسية قوية من العديد من دول العالم، وللعلم عدد الدول الأعضاء فى الأمم المتحدة 193 وعندما ينسحب وفود أكثر من 50 دولة، فهذا يعنى رفض أكثر من ربع دول العالم للمحتل ودعم تلك الدول للقضية الفلسطينية، وعلى الدول العربية والإعلام العربى أن يتحرك لكشف جرائم الاحتلال ضد المدنيين العزل والحصار المفروض على أهالى غزة ومنع المأكل والماء والتعليم والعلاج وغيرها من الاحتياجات الأساسية لأى مواطن فى العالم، وتشكيل رأى عام عالمى متجدد لصالح القضية الفلسطينية لا يعتمد فقط على الجرائم والمجازر التى يقوم بها الاحتلال، ولكن التأكيد أيضا على إيمان الشعب الفلسطينى والعربى بأكمله بالقضية، وأنه رغم كل جرائم المحتل فهذا لن يثنى الشعب العربى بأكمله عن الدفاع عن فلسطين، وأن الصمود والشجاعة هى أهم صفات الشعب الفلسطينى كما مثلتها صورة الشهيد فارس عودة.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة