فى الوقت الذى تحلم فيه جماهير الكرة المصرية، وتتمنى مواصلة البناء على ما تحقق من نجاح فى مونديال الولايات المتحدة الأخير، وتستعد لانطلاقة جديدة فى التصفيات الإفريقية المؤهلة للنهائيات القادمة العام المقبل، جاءت تصريحات حسام حسن المدير الفنى للمنتخب الوطنى الأخيرة لتقلب الطاولة، وتثير عاصفة من الجدل والتوتر والقلق فى الوسط الكروى كله، تصريحات لم تكن فى موعدها، ولم تكن موفقة فى مضمونها، ولم تكن منضبطة فى لغتها، فقد فاجأ حسام حسن الجميع بهجوم غير مبرر على محمد الشناوى حارس مرمى الأهلى والمنتخب، وهو هجوم أثار استياءً واسعاً فى الأوساط الرياضية، وفتح باباً للتكهنات والانقسام فى وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى الوحدة والتماسك.
فى تصريحات تليفزيونية وصحفية، انتقد حسام حسن بشكل مباشر مستوى محمد الشناوي، وألمح إلى تراجع مستواه وعدم جاهزيته، وهى تصريحات، حتى لو كان فيها جزء من الحقيقة الفنية من وجهة نظره، فإن مكانها الطبيعى هو الغرف المغلقة، وليس شاشات الفضائيات، والمؤتمرات الصحفية.
المدير الفنى للمنتخب، ليس محللاً رياضياً، وليس ناقداً، ولكنه المسئول الأول عن الحالة النفسية للاعبيه، وحين ينتقد حارسه الأساسى علناً، فهو لا ينتقد لاعباً واحداً، بل يهز ثقة منظومة دفاعية كاملة، «الشناوى» ليس حارساً عادياً، هو قائد فى الأهلى، وقائد ثانٍ فى المنتخب، وصاحب تاريخ طويل منذ فترة بعيدة، والمساس به بهذه الطريقة يترك جرحاً غائراً.
والسؤال الأهم: لماذا الآن؟ لماذا فى بداية التصفيات؟ لماذا قبل مباريات مصيرية؟ التوقيت نفسه يمثل علامة استفهام كبرى، ويوحى بأن هناك حالة من التوتر غير المبرر داخل الجهاز الفني.
لم تمر تصريحات المدير الفنى مرور الكرام، فقد أثارت موجة عارمة من ردود الفعل الغاضبة، نقاد رياضيون كبار، بعضهم كان من أشد المؤيدين لحسام حسن، خرجوا ليعلنوا تحفظهم الشديد على ما قاله، قالوا إن هذا ليس أسلوب إدارة المنتخبات الكبرى، وإن المنتخبات لا تدار بالتصريحات النارية.
لاعبون قدامى، من جيل حسام نفسه، عبروا عن دهشتهم، وقالوا إن حسام كان وهو لاعب يكره أن ينتقده مدربه علناً، فكيف يفعلها اليوم وهو مدرب؟
أما على مستوى الأندية، فقد كان رد الفعل من النادى الأهلى هادئاً ظاهرياً، لكنه كان غاضباً فى الكواليس. فالشناوى هو كابتن الأهلي، وأى إساءة له تمس جماهير بالملايين، وحتى أندية أخرى، لا تربطها علاقة بالأهلي، رأت فى تصريحات حسام خطراً على مبدأ العدالة والمساواة بين اللاعبين.
وهكذا، وجد حسام حسن نفسه فى مواجهة مع الجميع تقريباً، فى مناخ متوتر لم يكن موجوداً من قبل.
ولم تتوقف الأزمات عند الشناوي، ففى اللقاء الأخير للمنتخب أمام أنجولا، والذى انتهى بالتعادل السلبى فى بداية التصفيات، فوجئ الجميع بقرار حسام حسن استبدال محمد صلاح فى الشوط الثانى.
صلاح لم يعترض فى الملعب، احتراماً للمنتخب، وقرار المدير الفنى لكن المصادر المقربة من المنتخب أكدت أن صلاح كان غاضباً بشدة بعد المباراة، وشعر أن التبديل كان غير مبرر، وأنه كان قادراً على صناعة الفارق حتى اللحظة الأخيرة، وهنا مكمن الخطر الحقيقي، محمد صلاح ليس مجرد لاعب، هو أيقونة الكرة المصرية والعربية، هو القائد الحقيقى داخل وخارج الملعب، هو منْ يصنع الفارق فى أى لحظة. وأى توتر فى علاقته بالجهاز الفني، حتى لو كان بسيطاً، يمكن أن يتحول إلى أزمة كبيرة تهدد استقرار المنتخب كله.
والحقيقة أن التعامل مع النجوم الكبار، لاسيما بحجم صلاح والشناوي، يحتاج إلى حكمة خاصة، وإلى احتواء، وإلى ذكاء إدارى، وهذه الحكمة غابت للأسف فى تصريحات وقرارات حسام الأخيرة.
يجب أن نتذكر أننا بدأنا التصفيات الإفريقية فى مناخ متوتر أصلاً. هناك ضغوط جماهيرية كبيرة، وهناك توقعات عالية بعد الظهور المشرف فى مونديال أمريكا، وهناك منتخبات إفريقية تطورت كثيراً وأصبحت لا تهاب اسم الفراعنة.
فى مثل هذا المناخ، يحتاج المنتخب إلى مدير فنى هادئ، يجمع ولا يفرق، يحتوى ولا يصطدم، يبنى جسور الثقة ولا يهدمها، لكن ما يحدث الآن هو العكس تماماً، تصريحات حسام تخلق مناخاً من القلق والاضطراب، وتجعل اللاعبين يلعبون تحت ضغط نفسى مضاعف، خشية أن يكونوا هم الضحية القادمة للانتقاد العلنى، وهذا ليس فى مصلحة المنتخب، ولا فى مصلحة حسام حسن نفسه، ولا فى مصلحة الكرة المصرية، وهنا نصل إلى النقطة الأخطر، فهناك دائماً منْ يتربص بالكرة المصرية، هناك ما يسمى بالطابور الخامس، وهم مجموعة من أصحاب المصالح والمتربصين الذين لا يريدون للمنتخب أن يستقر. هؤلاء كانوا ينتظرون أى هفوة، أى خطأ، أى تصريح منفلت، لينقضوا على المنتخب ويضربوا استقراره.
وللأسف، تصريحات حسام حسن قدمت لهم هذه الفرصة، فبدلاً من أن نتحدث اليوم عن خطة التأهل، وعن الاستعداد للنهائيات، أصبحنا نتحدث عن أزمة الشناوى وغضب صلاح، هؤلاء يريدون الخلاص من حسام حسن، وضرب النجاح الذى تحقق فى المونديال الأخير بالولايات المتحدة، وهم يستغلون تصريحات حسام نفسها لتحقيق هدفهم، فهل ينتبه حسام لهذا الفخ؟
نحن لا نهاجم حسام حسن كشخص، نحن نحبه ونقدر تاريخه كلاعب وكمدرب وطنى مخلص، ونعرف أنه يحب مصر من قلبه، لكن محبتنا له هى التى تدفعنا لدق ناقوس الخطر.
المطلوب من حسام الآن هو وقفة مع النفس، أن يقلل من تصريحاته الإعلامية، ويركز على العمل الفنى داخل الملعب، ويحافظ على تماسك اللاعبين، وخاصة الكبار منهم.
عليه أن يجلس مع الشناوى، ويطيّب خاطره، ويعيد الثقة إليه. وعليه أن يحتوى محمد صلاح، ويتحدث معه كقائد، ويوضح له وجهة نظره الفنية بهدوء.
مهمة المدير الفنى للمنتخب الوطنى هى مهمة إدارة بشر قبل أن تكون إدارة كرة، هى مهمة نفسية فى المقام الأول، ومن هنا نوجه دعوة صادقة ومخلصة للجميع.
إلى حسام حسن: أنت ابن مصر، والمنتخب أمانة فى عنقك، فحافظ عليها بالهدوء والحكمة.
إلى اللاعبين، كباراً وصغاراً: منتخب مصر أكبر من أى خلاف، فكونوا على قلب رجل واحد.
إلى النقاد والجماهير والأندية: ادعموا منتخبكم فى هذا التوقيت الدقيق، فالتصفيات بدأت، والطريق إلى النهائيات الإفريقية العام القادم يحتاج إلى تكاتف الجميع.
دعونا نغلق صفحة الخلافات، ونفتح صفحة جديدة عنوانها: كلنا مع المنتخب. كلنا من أجل مصر.
فالمنتخب ليس منتخب حسام حسن وحده، ولا منتخب صلاح وحده، بل هو منتخب 110 ملايين مصرى يحلمون برؤية علم بلادهم يرفرف عالياً فى المحافل الإفريقية والعربية، والعالمية.