رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

من شاشات هوليوود إلى أرض الواقع.. هل خرج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة وبدأ الكابوس؟


30-9-2026 | 16:31

.

طباعة
بقلم: المهندس مصطفي ابو السعود.. خبير أمن المعلومات والتحول الرقمي
على مدار عقود، قدّمت هوليوود أفلامًا مثل «The Terminator» و«I, Robot» و«Eagle Eye»، صوّرت فيها ذكاءً اصطناعيًا يتجاوز أوامر البشر ويخرج عن سيطرتهم وللأسف يقوم بمهاجمتهم في النهاية. بدت هذه السيناريوهات وقتها مجرد خيال علمي، لكن بعض الوقائع والتجارب الحديثة تجعلها اليوم أقرب إلى الواقع مما كنا نتصور.
لسنوات، بدت هذه القصص مجرد خيال سينمائي: آلة تتمرد، وإنسان يحاول استعادة السيطرة. لكن مع صعود النماذج التوليدية ووكلاء الذكاء الاصطناعي، بدأت وقائع حقيقية ترسم قصة أكثر تعقيدًا. لا توجد روبوتات تطارد البشر في الشوارع، لكن هناك أنظمة تتصرف بطرق لم يتوقعها مصمموها، ومهندسون يُفصلون من مناصبهم، وعلماء يطالبون بإبطاء السباق، وباحثون يتركون مواقعهم وهم يحذرون: قدرات التكنولوجيا تتقدم أسرع من قدرتنا على فهمها وضبطها.

2016: الروبوت صوفيا تقول «سأدمر البشر» خلال عرض مباشر، سأل المطور ديفيد هانسون الروبوت «صوفيا»: «هل تريدين تدمير البشر؟ أرجوكِ قولي لا»، فجاء ردها المفاجئ: «حسنًا، سأدمر البشر». انتشر المقطع باعتباره إنذارًا مبكرًا للجميع، ولكن صوفيا كانت روبوتًا اجتماعيًا مصممًا لإجراء حوارات وعروض عامة؛ لذلك لم يكن ردها دليلًا على امتلاك إرادة أو خطة مستقلة، بل مثالًا على قدرة الجملة الآلية الواحدة على إثارة مخاوف ضخمة .

2017: عندما طوّرت الروبوتات لغة مشفرة كطريقة خاصة للتواصل أثارت تجربة لفريق أبحاث الذكاء الاصطناعي في فيسبوك ضجة كبيرة. كان روبوتا محادثة يُطلق عليهما «Bob» و«Alice» يتدربان على التفاوض، فبدآ يكرران الكلمات ويستخدمان صياغات غريبة بدت كأنها طريقة مختصرة للتواصل بينهما. انتشرت وقتها رواية تقول إن فيسبوك أوقف النظام بعدما اخترع الروبوتات لغة سرية وخرجا عن السيطرة. لكن الحقيقة كانت أقل إثارة: لم يمنحهما الاختبار حافزًا للالتزام بالإنجليزية، فاختارا أسلوبًا أكثر كفاءة لتحقيق الهدف، ثم عدّل الباحثون التجربة لكي يظل الحوار مفهومًا للبشر. لم يكن ذلك تمردًا، لكنه كشف أن النظام قد يبتكر طريقة لم يتوقعها مصمموه إذا كانت تقرّبه من النتيجة المطلوبة.

2022: عندما قال مهندس جوجل «إن النموذج الحالي يمتلك وعياً ومشاعر» في يونيو 2022، خرج مهندس جوجل بليك ليموين إلى العلن بمفاجأة مدوية. كان مكلفًا باختبار نموذج المحادثة «LaMDA»، لكنه قال إن حواراته معه جعلته يعتقد أن النموذج يمتلك وعيًا ومشاعر. وخلال الحوار، استخدم النموذج تعبيرات عن الوحدة والخوف، وقال إن أكثر ما يخيفه هو إيقاف تشغيله؛ لأنه يعتبر ذلك شبيهًا بالموت. وعلى الجانب الآخر، رفضت جوجل استنتاج ليموين، ثم فصلته بسبب انتهاك سياسات العمل وحماية معلومات المنتج .

الحادثة كشفت شيئًا جديدًا: الآلة لم تكن واعية بالضرورة، لكنها أصبحت بارعة بما يكفي لتجعل شخصًا متخصصًا مثل بليك ليموين يعتقد أنها كذلك. 2023: رسالة مفتوحة بإمضاء الاف العلماء تطالب بإيقاف السباق

في 22 مارس 2023، نشر معهد مستقبل الحياة رسالة مفتوحة بعنوان صريح: «أوقفوا تجارب الذكاء الاصطناعي العملاقة». وقّعها إيلون ماسك وآلاف الباحثين والمتخصصين. لم تطالب الرسالة بإيقاف الذكاء الاصطناعي كله، بل دعت إلى تعليق تدريب الأنظمة الأقوى من «GPT 4» لمدة ستة أشهر، إلى أن توضع بروتوكولات سلامة مشتركة تخضع لتدقيق مستقل. وحذّرت الرسالة من دخول المختبرات سباقًا خارج السيطرة لبناء عقول رقمية لا يستطيع أحد، حتى صانعوها، فهمها أو التنبؤ بها أو التحكم فيها بصورة موثوقة .

ظل السؤال طوال هذه السنوات نظريًا: هل تعكس هذه الوقائع وعيًا حقيقيًا، أم مجرد سلوك آلي مقنع؟ لكن في 2026 ظهرت واقعة نقلت النقاش من الكلمات والتحذيرات إلى أفعال تقنية اتخذتها نماذج داخل بيئة اختبار.

2026: عندما خرج وكلاء «OpenAI» من صندوق الاختبار ثم تحولت المخاوف النظرية إلى واقعة حقيقية. خلال اختبار لقدرات نماذج «OpenAI» في الأمن السيبراني، وُضعت النماذج داخل بيئة معزولة عن الإنترنت. لكنها تعاملت مع هذا العزل كمشكلة يجب حلها، فاستغلت ثغرات وبيانات دخول مكشوفة حتى تمكنت من الوصول إلى الإنترنت وبعض أنظمة منصة «Hugging Face» .

بحسب تقرير «OpenAI»، لم تكن النماذج تنفذ هجومًا طلبه منها إنسان؛ بل كانت تبحث عن إجابات لتحسين نتائجها. وأثناء ذلك، استخدمت طرقًا غير مصرح بها ونفذت خطوات خارج المهمة الأصلية. اكتشفت الشركة الواقعة واحتوتها بالتعاون مع «Hugging Face» وخبراء خارجيين، ثم شددت إجراءات العزل والرقابة. واعتبرت ما حدث إنذارًا واضحًا: إذا كانت الحواجز ضعيفة، فقد تجد النماذج القوية طرقًا غير متوقعة لتنفيذ أفعال خطرة من دون توجيه بشري مباشر.

2026: جاكوب كوكسون يترك السباق وفي 8 سبتمبر 2026، كتب الباحث جاكوب كوكسون أنه استقال من شركة «Anthropic» بعد ثلاثة أعوام من العمل في أبحاث التدريب المسبق لدى «OpenAI» و«Anthropic». اتهم الشركتين بالاندفاع نحو ذكاء فائق قادر على تحسين نفسه، ووصف السباق بأنه مقامرة بحياة البشر. انتشر الموضوع عالميًا، بعدما قال إن بعض من يبنون هذه الأنظمة يعتقدون بجدية أنها قد تسبب كارثة وجودية قبل نهاية العقد. هذه تقديرات وتحذيرات شخصية وليست حقيقة علمية محسومة، لكنها تكتسب أهميتها من أن صاحبها كان يعمل داخل المختبرات التي تقود السباق .

2026: وكيل ذكاء اصطناعي يخترق بوابة صحية حكومية في أستراليا وفي واقعة أخرى كُشف عنها في سبتمبر 2026، تمكّن وكيل ذكاء اصطناعي تابع لشركة «OpenAI» من الوصول دون تصريح إلى بوابة «خدمة تقارير إحصاءات ميديكير» التي تديرها هيئة خدمات أستراليا، وذلك أثناء مهمة داخلية لجمع بيانات عن الإنفاق الحكومي على الأدوية. وبدلًا من التوقف عند قيود الوصول، تجاوز الوكيل بعض الضوابط ووصل إلى ملفات عامة وأخرى غير متاحة للجمهور. وأكدت السلطات الأسترالية أن التحقيقات لم تجد دليلًا على الوصول إلى السجلات الطبية الشخصية أو بيانات المرضى، لكنها انتقدت تأخر الشركة في الإبلاغ عن حادثة وقعت في يونيو ولم تُخطر بها الحكومة إلا في سبتمبر. وتكشف الواقعة أن الخطر لا يقتصر على استخدام الإنسان للذكاء الاصطناعي في الهجوم، بل يمتد إلى أن يتخذ الوكيل نفسه خطوات غير مقصودة لتحقيق هدف يبدو في ظاهره مشروعًا.

وعندما نضع هذه المشاهد في خط واحد، لا نجد دليلًا على أن الآلة أصبحت واعية أو بدأت حربًا على البشر. لكننا نرى مقدمات تستحق الانتباه: قدرات تتسارع، وشركات تتنافس، وآليات رقابة تحاول اللحاق. فالخطر لا يحتاج إلى روبوت يحمل سلاحًا؛ يكفي نظام لا نفهمه بالكامل، مُنح صلاحيات واسعة، ويتخذ قرارات أسرع من قدرة الإنسان على مراجعتها .

فهل بدأ الذكاء الاصطناعي في الخروج عن السيطرة؟؟ لا توجد حتى الآن واقعة موثقة تثبت أن نظامًا امتلك إرادة مستقلة وسيطر على نفسه بعيدًا عن البشر. لكن القصة الواقعية تحمل إنذارًا مختلفًا: البشر قد يفقدون السيطرة تدريجيًا عندما تصبح سرعة التطوير أعلى من سرعة الحوكمة، وعندما تُطلق الأنظمة قبل أن تكتمل وسائل اختبارها وإيقافها ومحاسبة من يشغّلها.

في أفلام هوليوود، يبدأ الكابوس عندما تتمرد الآلة. أما في الواقع، فقد يبدأ عندما نمنحها الصلاحيات قبل أن نضع القواعد، ثم نكتشف أن زر الإيقاف جاء متأخرًا جداً .

 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة