عقدت المائدة المستديرة برئاسة مشتركة بين مصر وألمانيا وفرنسا والمفوضية الأوروبية، بمشاركة ريم العبالى-رادوفان، وزيرة التعاون الاقتصادى والتنمية الألمانية، وإيلينور كاروا، وزيرة الشئون الفرونكوفونية والشراكات الدولية والفرنسيين بالخارج، ودوبرافكا شويتسا، المفوضة الأوروبية لشئون المتوسط، والتى دعت الى ضرورة جعل التعافى المبكر جزءاً من عملية تنفيذ خطة السلام وليس مرحلة مؤجلة إلى ما بعد الانتهاء من جميع الملفات السياسية والأمنية وهو ما أكده الدكتور بدر عبدالعاطى، وزير الخارجية والتعاون الدولى والمصريين بالخارج.
وشهد الاجتماع مشاركة رئيس الوزراء الفلسطينى الدكتور محمد مصطفى عبر تقنية الاتصال المرئى، إلى جانب وزير خارجية النرويج إسبن إيدى، ووزير خارجية إندونيسيا سوجيونو، ووزراء التعاون الدولى فى كل من بريطانيا وقطر والإمارات، فضلًا عن عدد من كبار المسئولين فى الأمم المتحدة.
وضمت قائمة المشاركين كذلك ألكسندر دى كرو، مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائى، وتوم فليتشر، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشئون الإنسانية، وراميز الأكباروف، نائب المنسق الخاص للأمم المتحدة لعملية السلام فى الشرق الأوسط، وكارل سكاو، المدير التنفيذى بالإنابة لبرنامج الأغذية العالمى، إلى جانب ممثلى مجلس السلام واللجنة الوطنية لإدارة غزة، وعدد من كبار المسئولين من باكستان وتركيا واليابان وإيطاليا وإسبانيا وعدد من الدول الأوروبية.
وفى هذا السياق، أكد السفير نادر زكى، المتحدث الرسمى باسم وزارة الخارجية، أن «اللقاء تناول الأوضاع الإنسانية المتدهورة فى قطاع غزة، وسبل ضمان وصول المساعدات الإنسانية والإغاثية بصورة آمنة ومستدامة ودون عوائق، إلى جانب بحث سبل حشد الجهود الدولية فى هذا الإطار، كما ناقش المشاركون أهمية الإسراع فى إطلاق جهود التعافى المبكر وإعادة الإعمار، بما يسهم فى توفير سبل العيش الكريم للشعب الفلسطينى، ويدعم مسار الاستقرار والتنمية فى القطاع خلال المرحلة المقبلة».
وبحسب المتحدث الرسمى لـ «الخارجية»، فقد أكد الدكتور بدر عبدالعاطى - خلال الاجتماع - أن «قمة شرم الشيخ للسلام مثلت محطة مهمة لحشد الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى إنهاء الحرب فى قطاع غزة ودعم مسار السلام والاستقرار، وشدد وزير مشدداً على ضرورة تنفيذ الخطة الشاملة للرئيس الأمريكى بمختلف مراحلها، إلى جانب قرار مجلس الأمن رقم 2803، مؤكدًا أهمية وفاء جميع الأطراف بالتزاماتهم، بما فى ذلك إسرائيل، لضمان الانتقال إلى المراحل التالية من خطة إنهاء الحرب والتعافى، وأشار «د.عبدالعاطى» إلى ضرورة الانتقال بصورة عاجلة من مرحلة الاستجابة الإنسانية الطارئة إلى مرحلة التعافى المبكر وإعادة الإعمار، باعتبار ذلك التزامًا لا يحتمل التأجيل، لافتًا إلى أن الأولوية فى المرحلة الحالية تتمثل فى ضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى مستحقيها دون عوائق».
كما طالب وزير الخارجية، بضرورة إزالة العراقيل الإسرائيلية التى تحول دون انسياب المساعدات الإنسانية، بما يضمن توفير الاحتياجات الأساسية لسكان القطاع، بالتوازى مع بدء خطوات التعافى وإعادة تأهيل البنية الأساسية والمرافق المتضررة، وأكد كذلك ضرورة تعزيز التنسيق بين وكالات الأمم المتحدة ومجلس السلام والمؤسسات الفلسطينية والشركاء الإقليميين والدوليين، بما يضمن توحيد الجهود وتوجيهها نحو تلبية احتياجات الشعب الفلسطينى ودعم مسار التعافى.
كذلك، شدد «د.عبدالعاطى» على موقف مصر الرافض لأى محاولات لتهجير الشعب الفلسطينى، مؤكدًا دعم جهود التعافى وإعادة إعمار قطاع غزة، بما يهيئ الظروف اللازمة لاستعادة الاستقرار وتحسين الأوضاع الإنسانية والمعيشية للسكان.
وتعقيبًا على التحركات المصرية المتوالية فى ملف قطاع غزة، قال السفير محمد حجازى، مساعد وزير الخارجية الأسبق، إن «أهمية التحرك المصرى تكمن فى طرح التعافى المبكر بوصفه جزءاً من عملية تنفيذ خطة السلام وليس مرحلة مؤجلة إلى ما بعد الانتهاء من جميع الملفات السياسية والأمنية، وتوفير الغذاء والدواء والمياه والكهرباء والمأوى والخدمات الأساسية للفلسطينيين يمثل شرطاً ضرورياً لترسيخ وقف إطلاق النار وتهيئة البيئة اللازمة للانتقال إلى إعادة الإعمار».
وأضاف «حجازى»، أن «مصر تمتلك، بحكم موقعها الجغرافى ودورها فى الاتصالات مع مختلف الأطراف، قدرة مهمة على الربط بين الأمم المتحدة والدول المانحة والمؤسسات الدولية والأطراف الفلسطينية والإسرائيلية، بما يسمح بتحويل التوافق الدولى حول ضرورة استمرار المساعدات إلى آليات عملية ومستدامة تضمن وصولها إلى سكان القطاع دون عوائق»، مشيراً إلى أن «نجاح هذا المسار يتطلب التزام جميع الأطراف، وبصفة خاصة إزالة القيود التى تعوِّق النفاذ الإنسانى».
كما لفت مساعد وزير الخارجية الأسبق، إلى أن «المائدة المستديرة اكتسبت أهمية إضافية من اتساع المشاركة الدولية فيها، بما شمل ألمانيا وفرنسا والمفوضية الأوروبية ودولاً عربية وأوروبية وآسيوية، إلى جانب الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية»، مؤكدا أن «هذا الحشد يمكن أن يشكل قاعدة دولية لحشد التمويل والخبرات وتنسيق جهود إعادة الإعمار، شريطة وجود آلية واضحة للتمويل والتنفيذ والرقابة»، ومشددا على أن نجاح المرحلة المقبلة سيتوقف على قدرة المجتمع الدولى على الانتقال من إدارة الأزمة إلى إدارة عملية التعافى والسلام رغم عراقيل إسرائيل.
بدوره، قال الدكتور أحمد رفيق عوض، مدير مركز المتوسط للدراسات، إن «التنفيذ الكامل للمرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار من شأنه أن يُحدث تحولًا حقيقيًا فى الأوضاع الإنسانية داخل قطاع غزة، وأولى نتائج الاتفاق ستكون وقف إطلاق النار والاغتيالات والاقتحامات، بما يتيح بدء مرحلة جديدة تقوم على إعادة الإعمار وتوفير الخدمات الأساسية للسكان، مع بقاء التحدى الأكبر فى ضمان تنفيذ الاتفاق واستمراره».
«د.أحمد»، أضاف أن «الأولوية فى المرحلة المقبلة يجب أن تتركز على تنفيذ خطة التعافى المبكر، من خلال توفير مساكن مؤقتة مناسبة للنازحين، تشمل الكرفانات والمرافق الأساسية من مياه وكهرباء واتصالات، لإنهاء معاناة الأسر التى تعيش فى خيام تفتقر إلى مقومات الحياة»، مؤكدًا أن «هذه الخطوة تمثل الأساس الذى تنطلق منه عملية إعادة الإعمار الشاملة».
كما شدد على أن «إعادة إعمار قطاع غزة تحتاج إلى بيئة سياسية مستقرة وتعهدات واضحة بعدم العودة إلى الحرب»، لافتًا إلى أن «الجهات المانحة والمستثمرين لن يضخوا الأموال اللازمة لإعادة البناء ما لم تتوافر ضمانات حقيقية تحول دون تدمير ما سيتم إنجازه مستقبلاً، وهو ما يجعل تثبيت اتفاق السلام عاملًا رئيسيًا فى نجاح عملية الإعمار».
وأشار «عوض»، إلى أن «برامج التعافى المبكر لا تقتصر على توفير المأوى، وإنما تمتد إلى إعادة تشغيل الخدمات الحيوية فى مجالات الصحة والتعليم والمياه والكهرباء والاتصالات، بما يسهم فى استعادة الحد الأدنى من الحياة الطبيعية ويمنح سكان القطاع الأمل فى تجاوز الأزمة الإنسانية»، مؤكدًا أن استمرار التعنت الإسرائيلى يمثل العقبة الرئيسية أمام انطلاق هذه المرحلة.
فى حين أوضح الدكتور أحمد سيد أحمد، خبير العلاقات الدولية، أن «القضية الفلسطينية ظلت محورًا رئيسيا فى كلمة الدكتور مصطفى مدبولى أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، بما يعكس استمرار حضورها فى أجندة السياسة الخارجية المصرية»، مشيرا إلى أن «مصر تؤدى دورا داعما للقضية الفلسطينية، وتتمسك بضرورة إنهاء الاحتلال وتحقيق السلام، إلى جانب رفض مخططات التهجير القسرى للفلسطينيين، باعتبارها مخالفة للقانون الدولى».
وأكد خبير العلاقات الدولية، أن «التحرك المصرى يركز على تخفيف معاناة الفلسطينيين عبر إدخال المساعدات الإنسانية ووقف نزيف الدم وتثبيت وقف إطلاق النار فى قطاع غزة، إلى جانب الدفع نحو تنفيذ المرحلة الثانية من خطة السلام المتعلقة بالتعافى وإعادة الإعمار»، موضحا أن «مصر تدعم تشكيل قوة للاستقرار فى غزة، مع ضرورة تحقيق التزامن بين ترتيبات المرحلة المقبلة وانسحاب القوات الإسرائيلية، مؤكدًا أهمية الحفاظ على وحدة الأراضى الفلسطينية».
كذلك، شدد «سيد أحمد»، على رفض الاعتداءات الإسرائيلية وجرائم المستوطنين فى الضفة الغربية والقدس الشرقية، مؤكدًا أن معالجة القضية الفلسطينية تمثل مدخلًا أساسيًا لتحقيق الأمن والاستقرار فى المنطقة.
من جهته، قال الدكتور محمود عثمان، أستاذ العلاقات الدولية، إن «التحرك المصرى فى نيويورك يضع ملف إعادة إعمار قطاع غزة فى موقع متقدم من أجندة العمل الدولية، والمرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من التعامل مع التداعيات الإنسانية للحرب إلى بناء مسار اقتصادى وتنموى قادر على استعادة الحياة الطبيعية داخل القطاع».
«عثمان»، أضاف أن «المائدة المستديرة التى استضافتها مصر حول التعافى المبكر فى غزة تمثل تحركاً مهماً لتنسيق الرؤى الدولية بشأن إعادة الإعمار، خاصة مع مشاركة أطراف دولية وأوروبية وفلسطينية وأممية، بما يتيح بناء إطار عملى يجمع بين المساعدات العاجلة وإعادة تأهيل البنية الأساسية وتهيئة البيئة الاقتصادية اللازمة لعودة النشاط والإنتاج».
وأكد أن «إعادة إعمار غزة يجب ألا تقتصر على المبانى والمنشآت، وإنما تشمل المدارس والمستشفيات وشبكات المياه والطاقة والطرق وفرص العمل، مع دعم المؤسسات الوطنية الفلسطينية حتى يتمكن الشعب الفلسطينى من استعادة مقومات الحياة الكريمة»، لافتًا إلى أن «مصر تمتلك خبرات كبيرة فى تنفيذ مشروعات البنية الأساسية وإعادة تأهيل المناطق المتضررة، وهو ما يمكن توظيفه فى دعم عملية التعافى الفلسطينى بالتعاون مع الدول والمؤسسات الدولية».
خبير العلاقات الدولية، أشار كذلك إلى ضرورة توفير التمويل المستدام للمشروعات وعدم الاكتفاء بالتعهدات، لافتًا إلى أن «كلمة الدكتور مصطفى مدبولى أمام الأمم المتحدة قدمت رؤية مصرية واضحة تربط بين السلام والتنمية، حيث أكد أن استمرار النزاعات والاحتلال والتهجير وتدمير البنية الأساسية يحول دون تمتع الشعوب بحقها فى التنمية، وأن حق الشعب الفلسطينى فى التنمية لا ينفصل عن حقه فى تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة، وهى رسالة تؤكد أن إعادة الإعمار يجب أن تكون جزءاً من مسار سياسى شامل».
الدكتور هيثم عمران، أستاذ العلوم السياسية، أوضح أن «التحركات الإنسانية المصرية تجاه قطاع غزة تمثل جزءًا أساسيًا من استراتيجية متكاملة تجمع بين الدعم الإغاثى والتحرك السياسى والدبلوماسي، كما أن القوافل المصرية والمساعدات الإنسانية تسهم فى تعزيز صمود الشعب الفلسطينى والحفاظ على القضية الفلسطينية من مخططات التصفية»، مضيفًا أن «التدخل الإنسانى المصرى فى غزة من خلال القوافل المتواصلة، ومنها قوافل «زاد العزة» و«تحيا مصر»، لا يقتصر على تقديم المساعدات فقط، بل يعكس رؤية مصرية شاملة للتعامل مع الأزمة».
«د.هيثم»، أكد كذلك أن «هذه الجهود تحمل أبعادًا قومية وإنسانية، خاصة أن مصر قدمت النسبة الأكبر من المساعدات الإنسانية والإغاثية التى دخلت إلى قطاع غزة منذ بداية الأزمة، بالتعاون بين مؤسسات الدولة المختلفة، والهلال الأحمر المصرى، وصندوق تحيا مصر، والتحالف الوطنى للعمل الأهلى التنموى».
وأضاف أن «استمرار إدخال الوقود والمستلزمات الطبية والمواد الإغاثية يمثل عاملًا مهمًا فى دعم صمود الفلسطينيين على أرضهم، ويحد من آثار الحصار والتجويع وتدهور الأوضاع الإنسانية داخل القطاع»، مشيرا إلى أن مدينة العريش تحولت إلى مركز لوجستى رئيسى لاستقبال وتجهيز المساعدات القادمة من مختلف الدول، إلى جانب التنسيق مع الجهات الدولية لتسهيل وصول الدعم إلى مستحقيه.
وأكد أن «التحرك الإنسانى المصرى لا يمكن فصله عن الدور السياسى والدبلوماسى الذى تقوم به القاهرة»، موضحا أن «المساعدات تمثل ذراعًا تنفيذية للجهود السياسية الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار، ودعم مسار التهدئة، والحفاظ على حقوق الشعب الفلسطينى»، لافتا إلى أن القضية الفلسطينية تمثل قضية أمن قومى لمصر، وأن القاهرة تواصل تحركاتها لمنع تصفية القضية أو فرض أى مخططات تستهدف تهجير الفلسطينيين من أراضيهم.
وأشار أستاذ العلوم السياسية إلى أن مصر تمتلك خبرات دبلوماسية وتاريخية تؤهلها للقيام بدور محورى فى إدارة الأزمة، مؤكدًا أنه لا يمكن تحقيق استقرار حقيقى فى قطاع غزة دون مشاركة مصرية فاعلة، وهو ما أكدته مصر خلال اجتماعات الأمم المتحدة الأخيرة وحثها على بدء مسار التعافى المبكر والإعمار فى قطاع غزة، موضحا أن القاهرة تواصل جهود الوساطة بين مختلف الأطراف، والعمل على تنفيذ الاتفاقات المتعلقة بوقف إطلاق النار، إلى جانب الضغط من أجل الالتزام بالمسارات السياسية التى تضمن حقوق الشعب الفلسطينى.
واختتم حديثه مؤكداً أن المرحلة المقبلة تتطلب استمرار الجهود المصرية للتعامل مع التحديات القائمة، خاصة فيما يتعلق بتنفيذ بنود الاتفاقات والانتقال إلى مراحل أكثر استقرارًا، مؤكدًا أن مصر ستواصل دورها فى دعم الشعب الفلسطينى واستقبال المساعدات والجرحى عبر معبر رفح.