رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

جغرافيًا وثقافيًا وتاريخيًا.. نحن فى قلب العالم


2-10-2026 | 13:26

.

طباعة
بقلم: حلمى النمنم

مع اقتراب الحرب العالمية الثانية من نهايتها، بدا أن هناك نظامًا عالميًا جديدًا يتم تشكيله، قضت الحرب على القوة الألمانية وكذا اليابانية، وتراجعت الإمبراطورية البريطانية، بريطانيا العظمى وكذا فرنسا، التى تم احتلالها من قبل النازى فى بداية الحرب، وكانت الولايات المتحدة تتقدم الجميع، وإلى جوارها وربما خلفها الاتحاد السوفييتى.. ومع هذه المرحلة تم الاتجاه إلى تصفية عصبة الأمم، التى دفع عجزها عن منع قيام الحرب، وعن القيام بدور فاعل، وكان هناك اتجاه إلى تكوين منظمة بديلة، عن «هيئة الأمم المتحدة، ولا تزال قائمة إلى اليوم، وفى نيويورك عقدت دورتها رقم 81 الأسبوع الماضى وترأس د. مصطفى مدبولى وفد مصر فى الاجتماعات، نيابة عن الرئيس السيسى.

 

كان الشرط لنيْل عضوية هيئة الأمم أن تكون الدولة شاركت فى الحرب إلى جوار الحلفاء أو فى معسكرهم، وشعرت النخبة السياسية العليا فى مصر بضرورة أن يكون لمصر مقعد فى الهيئة الجديدة، لذا بادر رئيس الوزراء أحمد ماهر باشا بإعلان انضمام مصر إلى الحلفاء، فى مطلع سنة 1945، رغم أن مصر ظلت فى منأى عن الاشتراك فيها منذ سنة 1939، ورغم أن بريطانيا أرادت ذلك من مصر، وكان التعبير وقتها الذى ردده الملك فاروق وصاغه الشيخ مصطفى المراغى، شيخ الأزهر: «هذه حرب لا ناقة لنا فيها ولا جمل»، لكن الهيئة الجديدة كانت ستقرر مصير الدول التى خضعت للاستعمار، وهكذا كان ضروريا تواجد مصر، كى تعرض قضية الجلاء البريطانى التام عن أراضيها، الغريب أن أحمد ماهر باشا تعرض بسبب ذلك إلى الاغتيال برصاص المحامى الشاب محمود العيسوى، الذى كان عضوًا فى الحزب الوطنى، ثم كشف كل من الشيخ الباقورى والشيخ سيد سابق أن العيسوى كان «خلية نائمة» لجماعة الإخوان، وتلقى التكليف باغتيال أحمد ماهر رئيس الوزراء من حسن البنا، فى مايو 1945، وبرر البنا ذلك بأن ماهر كان وراء فشله سنة 1942 فى انتخابات مجلس النواب بدائرة الإسماعيلية.

وقد لعبت مصر دورًا نشطًا فى المنظمة الدولية منذ تأسيسها وحتى هذا الأسبوع، حيث ترأس نيابة عن الرئيس عبدالفتاح السيسى وفد مصر، د. مصطفى مدبولى رئيس مجلس الوزراء، وفد مصر فى اجتماعات الدورة رقم 81، وألقى كلمة مهمة شرح فيها موقف مصر من مختلف القضايا المتعلقة بالمنطقة والعالم، مثل قضية التنمية والمناخ.

فى القضايا المصرية توقف د. مدبولى أمام مسألة «الأمن المائى»، واعتبرها «قضية وجود»، مؤكدا أن النيل بالنسبة لمصر ليس مجرد نهر بل «شريان حياة»، وأضاف أن موارد المياه العابرة للحدود يجب أن تكون مجالاً للتعاون لا للصراع وللتنازع، وأكد عدم معارضة مصر لأى تنمية لدى الدول الأخرى، لكنها تتمسك بمبدأ «عادل» لا يسمح للدول أن تقيم التنمية على حساب الآخرين وإلحاق الضرر بهم.

وبالنسبة لقضية السودان، حذر من مخاطر تفكيك الدولة الشقيقة ومؤسساتها، وأن الأزمة تجاوزت الجانب العسكرى وباتت تهدد حياة المواطنين المدنيين فى السودان وتدمير بنيته، وقال د. مدبولى إن مصر سند قوى للسودان وشعبه.

وبالنسبة للقضية الفلسطينية، أكدت مصر على لسان رئيس الوزراء، أن التهجير القسرى للفلسطينيين من ديارهم مرفوض تماما بالنسبة لمصر، لأن ذلك يعنى تصفية القضية، وأن مصر متمسكة بحل الدولتين، أى قيام الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من يونيو سنة 1967 وفق القرارات الدولية، الصادرة عن مجلس الأمن، وحذر إسرائيل من مغبة التوسع فى الاستيطان بالضفة الغربية والعمل على تهجير الفلسطينيين.

وفيما يتعلق بالميليشيات والجماعات المسلحة التى تهدد بعض الدول فى المنطقة، ذهب د. مدبولى إلى أن أى طرف إقليمى يدعم الجماعات المسلحة لتحقيق مصالح خاصة به، يعد طرفا مباشرا فى الأزمة وليس بعيدا عنها، وقد حذر رئيس الوزراء من «الكيانات الموازية» التى يتم بناؤها لتهديد أمن الدول واستقرارها، ومن ثم فإن تغذية الصراعات الأهلية داخل الدول والمجتمعات تزيد من هشاشة الشرق الأوسط، فضلا عن تهديد للملاحة والموارد الحيوية واستقرار الحدود المشتركة بين الدول.

كلمة مصر التى ألقاها رئيس الوزراء، تم بثها مباشرة على القناة الأولى بالتليفزيون المصرى وبعض القنوات الأخرى، والكلمة وافية بالفعل، تليق باسم مصر ودورها ومكانتها فى المنطقة والعالم.. الكلمة باتت وثيقة محفوظة في الأمم المتحدة، بالإضافة إلى أنها وثيقة مصرية، توضع فى ملف الوثائق الخاصة بالدولة ودورها فى الأمم المتحدة.

الكلمة أُلقيت مساء الجمعة، لكن على هامش الاجتماعات أجرى رئيس الوزراء العديد من اللقاءات، مع أمين عام الأمم المتحدة جوتيريش، وقد وجه إليه الدعوة باسم الرئيس السيسى لزيارة مصر، وقد سبق له أن جاء إلى مصر فى ذروة أزمة غزة، حيث ذهب إلى الحدود المصرية الفلسطينية، فضلا عن عدد من المقابلات مع وزراء خارجية بعض الدول ورؤساء الوزراء العرب الذين شاركوا فى القمة.

هذا الحرص المصرى على التواجد فى المنظمة الدولية ليس جديدا من جانب، كما أنه يعكس توجها عميقا لدى الدولة المصرية، أما التوجه فهو العمل على إعمال القانون الدولى والهيئات الدولية فى العديد من القضايا بالمنطقة، إدراكا من مصر أنه لا حلول عسكرية لها، مثل الأزمة فى السودان وكذا فى ليبيا، فضلا عن الأزمة الكبرى فى مضيق هرمز، ومضيق باب المندب، تاريخيا ثبت أن قضايا من هذا النوع تُحل وتُنظم عبر القرارات الدولية وبواسطة القانون الدولى.

ويثبت التاريخ أن كثيرًا من القضايا أمكن حلها بالطرق السلمية وعجزت الحلول العسكرية؛ النموذج الأشهر حرب فيتنام، رغم أن الولايات المتحدة بكل ترسانتها العسكرية طرف رئيسى فيها.

الحرب السودانية- السودانية توشك أن تتم عامها الثالث، ما أدى إلى هجرة الملايين من المدنيين وتدمير مدن ومجتمعات بأكملها، ويبدو إلى الآن أن إمكانية حسمها عسكريًا فى حكم المستحيل، وإذا سارت الأمور على هذا النحو فإن السودان معرض للتفتت، وهذا ما حذرت منه مصر مرارا وتكرارا.

أما قضية فلسطين، فإذا لم تُحل سلمًا وبالقانون الدولى، وعبر تدخل المنظمة الدولية، فإن إسرائيل سوف تستمر فى نهجها، الذى يهدف إلى إخلاء الأراضى الفلسطينية من سكانها الأصليين، بتهجيرهم خارج الحدود أو بالإبادة.. ولما كانت مصر ترفض التهجير وكذلك الأردن، فإذا لم يتدخل القانون الدولى فإننا نسير فى طريق الإبادة..

هذا النهج فى اللجوء إلي القانون والتفاوض قديم لدى الإدارة المصرية، منذ أحداث ثورة سنة 1919 وحتى تحرير سيناء سنة 1982، كان التفاوض والاتفاقيات ومعاهدات السلام هي الأساس الحاسم فى نهاية الأمر.. كانت المعارك والمقاومة تبدأ، ولكن عند حد معين، يتوقف السلاح والعمل المسلح أو القتالى، ثم يتدخل المفاوض.

فى سنة 1922 حصلنا على الاستقلال بعد تفاوض ثم معاهدة سنة 1936 وبعدها معاهدة سنة 1954، مع الإنجليز، كل معاهدة أو اتفاق سبقته أعمال فدائية أو مظاهرات كبرى.

وكذلك الأمر فى حروبنا وصراعاتنا مع إسرائيل، فقد انتهى الأمر بالحلول الدبلوماسية، وإعمال القانون الدولى وإشراف المنظمة الدولية، أي هيئة الأمم المتحدة والمفوضيات التابعة لها.

صلة مصر بالمجتمع الدولى قديمة وعميقة، فضلا عن أنها مؤثرة، وقد لا يعرف كثيرون أن عددا من فقهاء القانون فى مصر شاركوا فى صياغة بعض القوانين والهيئات الدولية؛ د. عبد الحميد بدوى، د. محمود عزمى، وغيرهما.

منظمة اليونسكو، استضافت د. طه حسين ليلقى المحاضرة الرئيسية فى مؤتمرها الأول؛ ألقاها بالفرنسية، وتعد هذه المحاضرة واحدة من الوثائق المهمة لدى اليونسكو وفى الثقافة المعاصرة كلها.. أما فى المواقع الدولية، فقد تولى رئاسة اتحاد البرلمان الدولى فى الأربعينيات رئيس مجلس الشيوخ المصرى د. محمد حسين هيكل (باشا) صاحب رواية زينب وكتاب «حياة محمد»، وقد شغل هذا الموقع فيما بعد مصرى آخر هو د. أحمد فتحى سرور، كل منهما كان فقيها قانونيا وبرلمانيا مرموقا.. وحاليا يتولى منظمة اليونسكو مصرى هو د. خالد العنانى وزير الآثار السابق، صاحب الخبرة الطويلة فى هذا المجال، وقد فاز العام الماضى بالموقع بأغلبية تصويت ساحقة، يمكننا القول إنه كان بلا منافس.

ولا يمكن أن ننسى اسم د. بطرس غالى، الذى انتُخب أمينًا عامًا للأمم المتحدة، كان أول مصرى وعربى وإفريقى يتولى هذا الموقع وله تجربة مهمة.

وبعيدًا عن المواقع القيادية فى المنظمة الدولية، وكلها كانت بالانتخاب، فإن العلماء والخبراء المصريين فى مختلف الهيئات الدولية والمفوضيات التابعة لهيئة الأمم المتحدة؛ منظمة العمل الدولية، ومنظمة الصحة العالمية وغيرهما، لا تخلو أى منها من خبير مصرى كبير على الأقل، ليس هذا اليوم، بل منذ تأسيس تلك الهيئات والمفوضيات.

هذا التواجد المصرى يعكس عدة أمور مهمة، أولها أن صلة مصر لم تنقطع يوما بالعالم، وأنها لا تصح العزلة، لأن مصر بحكم الموقع الجغرافى وبحكم التاريخ والثقافة منفتحة على العالم، ومتصلة به، الدائرة العربية والدائرة الإسلامية لنا صلة بالشرق الأقصى وصلة بالاتحاد الأوروبى وحوض المتوسط، فضلا عن تواجدنا بإفريقيا، مثلا كتلة دول عدم الانحياز التى لعبت دورا مهما فى السياسة الدولية، فترة الحرب الباردة، كانت مصر أحد مؤسسيها بواسطة الرئيس جمال عبدالناصر مع نهرو «الهند»، وتيتو «يوغسلافيا».

الأسبوع الماضى، قبل زيارته إلى الولايات المتحدة، كان الرئيس الصينى فى زيارة إلى القاهرة، واستقبله الرئيس عبدالفتاح السيسى، زار الضيف الكبير المتحف المصرى الكبير ومتحف الحضارات ثم شاركت مصر فى اجتماعات البريكس، والتقى الرئيس السيسى بالرئيس الروسى بوتين وعدد من الرؤساء.. مصر فى قلب العالم، هكذا هى ويجب أن تظل كذلك.

الأمر الآخر الذى يكشفه هذا التواصل والتميز فى المؤسسات العالمية، هو جودة الخبراء والعلماء المصريين فى مختلف المجالات، لم يكن اختيار د. هيكل باشا سنة 1947 لرئاسة البرلمان الدولى مجاملة لمصر، لكن لتميزه وخبرته فى المجال القانونى والدولى، وكذلك الحال مع د. بطرس غالى وغيرهما.. ثروة مصر فى كوادرها المتعلمة من أساتذة الجامعات والخبراء ورجال الدبلوماسية والإدارة المصرية، وهذا يعنى أن علينا الاهتمام والاعتزاز بأبنائنا الدارسين والمتعلمين وأن نقدم لهم كافة الفرص الممكنة.

الحضور المصرى المميز فى المجالات الدولية، الذى وضح فى الأسابيع الأخيرة ومع الأزمات التى تزداد كثافة، يؤكد الدور والقرارات المتميزة لدينا، وهذا يجب أن يكون مدعاة للاعتزاز بوطنيتنا والفخر بها، وأن نطرد عوامل الإحباط والعناصر التى تحاول بث اليأس فى نفوسنا والتى ترى كل شيء أسود وسلبيا فى هذا العالم، هؤلاء إما مرضى وإما مغرضون.

 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة