رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

التعدين فى مصر.. «رمال من ذهب»


2-10-2026 | 13:26

.

طباعة
تقرير: منار عصام

من المتوقع أن يشهد قطاع التعدين انطلاقة كبيرة خلال الفترة المقبلة، ويتحول فى غضون سنوات قليلة إلى واحد من الروافد المهمة والأساسية فى الاقتصاد، لا سيما أن المساحة الصحراوية الشاسعة، التى تصل إلى نحو 93 فى المائة من إجمالى مساحة البلاد التى تخفى تحت رمالها وصخورها ثروات معدنية هائلة، من الذهب والفوسفات والرمال السوداء والكوارتز والحديد والنحاس والمنجنيز وغيرها.

 

ويشار إلى أن واحداً فى المائة هو رقم هزيل لمساهمة قطاع التعدين فى الناتج القومي، وهو أمر تنبهت إليه القيادة السياسية خلال الفترة الحالية، ما دفعها إلى التحرك سريعًا ووضع هدف قومى لرفع هذه المساهمة إلى نحو 6فى المائة خلال السنوات الخمس المقبلة.

ويقول الدكتور حسن بخيت، رئيس المجلس الاستشارى العربى للتعدين ورئيس رابطة المساحة الجيولوجية المصرية: إن المساحة الصحراوية الشاسعة التى تصل إلى نحو 93فى المائة من إجمالى مساحة البلاد تعنى أن الخامات والمعادن موجودة فى رحاب هذه الرقعة الكبيرة، وانتشار المعادن يمتد من البحر الأحمر، بدءًا من العين السخنة وحتى حلايب، مرورًا بجبال وسلاسل البحر الأحمر والصحراء الشرقية، وصولًا إلى الصحراء الغربية بالكامل، وكذلك شمال وجنوب سيناء.

وأوضح أيضًا أن «مصر تقع داخل الدرع العربى النوبى، وفى نطاق حزام الذهب الكبير فى إفريقيا، الذى يغطى مناطق البحر الأحمر فى السودان ومصر والسعودية، وكذلك أجزاء من إريتريا وإثيوبيا، كما أن مصر تحتوى على أكثر من 270 موقعًا مسجلًا رسميًا عن طريق هيئة الثروة المعدنية، لكن المواقع المكتشفة وامتدادات التعدين التقليدي، التى تعمل فى مصر منذ عصور قديمة، تزيد بأضعاف هذا الرقم، ويتوزع الذهب فى الصحراء الشرقية، وجبل العوينات، وجنوب سيناء”.

«الذهب يتصدر قمة المعادن الثمينة فى مصر»، هكذا تحدث الدكتور أحمد جابر شديد، أستاذ الجيولوجيا ورئيس جامعة الفيوم السابق، ويضيف أن: «إنتاج مصر من الذهب وصل فى عام 2024 إلى نحو 560 ألف أوقية، ومن المتوقع أن يصل إلى نحو 800 ألف أوقية خلال السنوات الثلاث المقبلة حتى 2030، إلى جانب نحو 17.5 مليون طن من المعادن الأخرى، وبلغت أرباح الحكومة المصرية من الذهب وحده نحو 139 مليون دولار من منجم السكري».

وأوضح أن «إجمالى إنتاج منجم السكرى منذ بدء الإنتاج بلغ نحو 5.8 مليون أوقية، وارتفع الاحتياطى إلى نحو 12 مليون أوقية، ما يعنى إمكانية مواصلة الإنتاج بالمعدلات الحالية لمدة 13 عامًا. ويصل إجمالى إنتاج مصر من الذهب حاليًا إلى نحو 15.8 طن سنويًا، معظمه من منجم السكري، وقد صنف مجلس الذهب العالمى مصر فى المركز الثالث بين الدول الأكثر نموًا فى زيادة احتياطى الذهب خلال عام 2022، مع تسجيل الاحتياطى نحو 128 طنًا»، مشيرًا إلى أن «الحكومة أعلنت مؤخرًا عن إنشاء مدينة خاصة بالذهب على مساحة 150 فدانًا فى مطلع عام 2021، كما جرى الكشف عن بناء أول مصفاة معتمدة للذهب فى منطقة مرسى علم، وذلك نتيجة للتطورات الكبيرة التى شهدها إنتاج مصر من الذهب».

لا تقتصر الثروة المعدنية فى مصر على الذهب، فهناك أيضًا الفوسفات، والذى - بحسب “د. بخيت” - يمثل عصب البرامج الزراعية والأسمدة، مضيفًا أن “مصر تمتلك مواقع كبيرة للفوسفات فى الصحراء الغربية ووادى النيل والبحر الأحمر، وحاليًا هناك اتجاه نحو تعظيم القيمة المضافة منه، وذلك عبر إنشاء مجمعات كبيرة لتصنيع الفوسفات وإنتاج الأحماض والأسمدة الفوسفاتية، وهو ما سيحقق طفرة فى عدة محاور، منها تقليل البطالة، وتشغيل العمالة، وزيادة الصادرات، وتأمين احتياجات الصناعات المحلية، وتصدير الفائض إلى الخارج”.

حديث «د. بخيت» اتفق معه «د.جابر»، الذى عاد ليؤكد أن «مصر كانت تصدر طن الفوسفات الخام بنحو 20 دولارًا، ثم تستورده فى صورة أسمدة أو مواد مصنعة بنحو 1000 دولار للطن، وهو ما دفع إلى صدور توجيهات رئاسية بمنع تصدير المادة الخام والتوسع فى تصنيعها، وهضبة أبوطرطور فى الصحراء الغربية تُعد سابع احتياطى عالمى للفوسفات، وقد تم إنشاء عدة مصانع لاستغلال هذا الخام محليًا”.

إلى جانب الذهب والفوسفات، تضم قائمة «التعدين» كذلك الرمال السوداء، التى تعد واحدة من أهم الثروات المعدنية الواعدة فى مصر، وهنا أوضح «جابر» أن «احتياطى مصر من الرمال السوداء يصل إلى نحو 1.3 مليار متر مكعب، ما يجعلها صاحبة أكبر احتياطى عالمى من هذا الخام»، مشيرًا إلى أن «محافظة كفر الشيخ وحدها تحتوى على نحو 250 مليون طن.

وجدير بالذكر أنه فى 25 مايو 2023، افتتح الرئيس عبدالفتاح السيسى مجمع مصانع الكوارتز فى العين السخنة بمحافظة السويس، الذى يعد الأول من نوعه فى مصر والدول العربية والإفريقية، والأول عالميًا من حيث تكامل العملية الإنتاجية، بدءًا من استخراج الخام وكسره وطحنه إلى أحجام ومواصفات معينة، وصولًا إلى تصنيع ألواح الكوارتز، وهو المشروع الذى أوضح «د. جابر» أنه أسهم فى تقليل الاستيراد وتوفير العملة الصعبة، مع إتاحة الفائض للتصدير أو للصناعات الأخرى.

وتمتلك مصر رواسب حديدية مهمة فى شرق أسوان والواحات البحرية، حيث يصل الاحتياطى المؤكد فى الواحات البحرية إلى نحو 100 مليون طن، بنسبة تركيز تتراوح بين 45فى المائة و50فى المائة، وقد قامت على هذه الرواسب صناعة الحديد والصلب فى حلوان وغيرها. كما توجد رواسب للمنجنيز والنحاس والكروم والكبريت والكاولين، وإن كانت بكميات أقل، لكن التكنولوجيا الحديثة فى الاستخراج يمكن أن تغنى عن استيراد هذه الخامات من الخارج، وتوفر عملة صعبة كبيرة.

وبحسب «بخيت» فإن «صناعة مواد البناء فى مصر، ومنها الأسمنت، تأخذ نطاقًا كبيرًا منذ وقت طويل، خاصة مع طفرة الإنشاءات والبناء والكباري، هذا فضلًا عن خامات استراتيجية أخرى مثل النحاس والحديد والبوتاس، والتى آمل أن تحظى بمزيد من الاهتمام فى الفترة المقبلة”.

«التشريعات تحمى وتنمى الاستثمارات»، استراتيجية بدأت تتبعها القيادة السياسية خلال السنوات الماضية فى إطار بناء الاقتصاد الوطنى، ومن جانبه رصد «جابر» ما تحقق فى السنوات الأخيرة من إصلاحات فى قطاع التعدين.

فصدر قانون الثروة المعدنية رقم 198 لسنة 2014، ثم عُدل بالقانون رقم 145 لسنة 2019، قبل أن تُجرى تعديلات لاحقة لمواجهة معوقات المستثمرين، موضحًا أن «الدولة بدأت تنتهج منهجًا علميًا، فوضعت استراتيجية وخطة متكاملة لتطوير القطاع، وعملت على تطوير التشريعات لجذب الاستثمارات المحلية والعالمية، وتشجيع الصناعات التعدينية، وتعظيم القيمة المضافة، وتوفير فرص العمل، كما جرى تحويل هيئة الثروة المعدنية من هيئة خدمية إلى هيئة اقتصادية، وأطلقت الحكومة بوابة إلكترونية رقمية لطرح فرص الاستثمار التعدينى خلال عام 2026، بحيث تكون المشروعات ظاهرة لكل الراغبين فى الاستثمار فى خامات مثل الذهب والكوارتز والحديد والفوسفات. وطُبق نظام «الشباك الواحد»، بحيث يحصل المستثمر على كل التراخيص المطلوبة خلال أسابيع قليلة، بعد أن كان الأمر يستغرق شهورًا أو سنوات”.

وأضاف أن «الدولة بدأت تهتم بتدريب الكوادر الفنية، عبر اتفاقيات مع شركات عالمية لتدريب شباب الخريجين والطلاب فى أقسام الجيولوجيا والكيمياء.

«الطريق ليس مفروشًا بالورود».. تنبيه حملته تصريحات «د. جابر»، الذى شدد على أن «التعدين بطيء المردود، إذ يستغرق المستثمر وقتًا طويلًا فى دراسة الموقع، والحصول على التراخيص، وإعداد الجداول، وجمع العينات، وتحليلها، وتقييم القيمة الاقتصادية للخام. وتتعدد العوامل التى تحدد إمكانية الاستغلال، ومنها حجم الاحتياطي، وتكلفة الإنتاج، وتوافر الكفاءات المدربة، والظروف البيئية والاجتماعية، والاستقرار السياسي، والبنية التحتية ومصادر الطاقة.

تنبيه «جابر» ألحقه بما يمكن وصفه بـ«مميزات مصرية» خاصة أن قطاع التعدين فى مصر يمتلك مقومات فريدة، منها: تواجد الخامات بكميات كبيرة فى مواقع متعددة، ووجودها فى مناطق قريبة من شبكات الطرق الرئيسية والفرعية التى أنشأتها الدولة، وقرب كثير منها من الموانئ، ما يسهل التصدير، كما أن معظم الخامات المصرية قريبة من سطح الأرض، ما يقلل تكاليف الاستخراج، إضافة إلى توافر عمالة مدربة فى مناطق عديدة، وهذه العوامل تجعل استغلال الثروات المعدنية فى مصر ممكنًا بسرعة وبجدوى اقتصادية، شريطة استكمال تسهيل القوانين والإجراءات.

بدوره وضع «بخيت» خطة من عدة ركائز لتحقيق الانطلاقة المطلوبة فى قطاع التعدين، بداية من قاعدة المعلومات، حيث أكد أهمية وجود قواعد معلومات شفافة وسليمة، خاصة مع انتشار آليات الذكاء الاصطناعى التى تتيح معالجة البيانات المتراكمة بكميات كبيرة لدى هيئة الثروة المعدنية، والمساحة الجيولوجية، والجامعات، ومراكز البحث.

كما أنه يجب الاهتمام بتدريب الكوادر فى شقيها المهنى والتعليم العالي، فضلاً عن مراجعة مستمرة للتشريعات، والاستفادة من التجارب الناجحة فى الاستثمار الخارجي. وكذا أهمية الحوافز التشريعية لتشجيع المستثمر الوطنى والأجنبى، وأيضا ضرورة الإلمام بالسوق فى كل مراحل القطاع، بدءًا من الاستكشاف، مرورًا بالاستخراج، ثم معالجة الخامات، وصولًا إلى التصنيع».

    كلمات البحث
  • قطاع
  • التعدين
  • رمال
  • ذهب
  • حديد

أخبار الساعة

الاكثر قراءة