رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

دبلوماسية عُمان ترسخ للأمن الإقليمي والدولي


28-9-2026 | 14:50

.

طباعة
بقلم/أحمد تركي ... خبير الشؤون العربية

تتبنى سلطنة عُمان عقيدة سياسية فريدة تقوم على مفهوم الأمن المشترك؛ إيمانًا منها بأن أمن واستقرار أي دولة لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن جيرانها ومحيطها الإقليمي والدولي، ويتجلى هذا النهج بوضوح في حراكها الدبلوماسي النشط لخفض التصعيد، وتغليب لغة الحوار والوساطة لحل النزاعات.

إذ ترتكز الدبلوماسية العُمانية في ترسيخ الأمن المشترك على عدة ركائز أساسية وهي أولاً، الحياد الإيجابي والوساطة الموثوقة، حيث نجحت مسقط في كسب ثقة مختلف الأطراف الدولية والإقليمية المتنازعة، مما جعلها حلقة وصل وقناة اتصال أساسية لتقريب وجهات النظر والوصول إلى تسويات سلمية للأزمات، ثاني الركائز هي، أمن الملاحة والتجارة الدولية، إذ تولي عُمان أهمية قصوى لحماية الممرات المائية الحيوية، مثل مضيق هرمز والبحر الأحمر، وتدفع باتجاه تنسيق دبلوماسي خليجي ودولي مشترك لضمان حرية وسلامة الملاحة بعيداً عن الصراعات العسكرية.

أما ثالث الركائز التي ترتكز عليها الدبلوماسية العُمانية في ترسيخ الأمن المشترك، هي، الالتزام بالقانون الدولي، حيث تؤكد عُمان بانتظام أمام المحافل الدولية (مثل الجمعية العامة للأمم المتحدة) على ضرورة معالجة جذور النزاعات، ورفض سياسة ازدواجية المعايير، والتمسك بالقرارات الأممية، وفي مقدمتها حماية الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

وتتمثل رابع الركائز في قناعات عُمان بضرورة ربط السلام بالتنمية والتعاون، حيث ترى الرؤية العُمانية أن الأمن المستدام لا يقتصر على غياب الحرب، بل يمتد إلى بناء شراكات اقتصادية واستثمارية متينة تعود بالنفع على الشعوب، وتدعم قدرتها على التخطيط للمستقبل ومواجهة خطابات الكراهية والتحريض.

إن النموذج الدبلوماسي العُماني يثبت باستمرار أن الحوار وتوسيع مسارات التعاون الشامل هما الطريق الأكثر فاعلية نحو استقرار إقليمي دائم، يعزز أمن الجميع دون استثناء، وهوما تجلى في كلمة عُمان في الجمعية العامة للأمم المتحدة.

فبقولها إن الحرب التي شهدتها المنطقة هذا العام "كان يمكن تجنبها"، أعادت كلمة سلطنة عُمان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة النقاش إلى مسؤولية القرار السياسي عن الدماء التي أُريقت والمصالح التي تعطلت. كانت هناك خيارات قادت إلى الحرب، وتحتاج المنطقة اليوم إلى قرارات تفتح طريق الخروج منها. ويضع الإصرار العُماني على الحوار، الأطراف المعنية أمام مسؤولية منح التفاوض ما يحتاج إليه من إرادة واستعداد للاتفاق، بعد كل ما تحمّلته شعوب المنطقة من أثمان.

وتحتاج العودة إلى التفاوض إلى قدر من الاستقلال عن حسابات النصر والهزيمة التي حكمت الحرب. حين يُشترط على التسوية أن تثبت صحة قرار القتال، تضيق مساحة الاتفاق ويصبح التنازل، مهما كانت ضرورته، عبئا على صاحبه. وتستطيع الدبلوماسية أن تفتح مجالا آخر يبدأ بتحديد ما يمكن للأطراف الالتزام به الآن، ويترك القضايا الأشد تعقيدا لمسار تفاوضي متصل. ومن شأن اتفاقات محددة تحترمها الدول أن تمنحها سببا عمليا لمواصلة التفاوض، وأن تعيد بناء الثقة التي لا تكفي الدعوة إليها لاستعادتها.

وتتيح الدعوة العُمانية إلى التعاون لصون الملاحة في مضيق هرمز مجالا عمليا لهذا المسار، مستندة إلى القانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار واحترام مصالح جميع المستفيدين من ممرات العبور. تستطيع الدول أن تبدأ من هذه المرجعية بحث التزامات واضحة تضمن سلامة الملاحة، وتحترم السيادة والحقوق. وسيكون نجاحها في احترام ما تتفق عليه اختبارا لقدرتها على الانتقال إلى معالجة خلافاتها الأوسع، ومنع تعريض المضيق مجددا لتقلبات التصعيد.

وفي تأكيد عُمان التضامن مع دول الجوار في إجراءاتها المشروعة لحماية أمنها، وضعت كلمة سلطنة عُمان احترام السيادة إلى جانب الدعوة إلى إنهاء الخلافات. تحتاج دول المنطقة إلى الاطمئنان إلى أن التفاوض سيصون حقوقها، وأن ما تقدمه من التزامات سيقابله التزام مماثل، وسيكون من الصعب إقناع أي دولة باستدامة تسوية تُبقي أراضيها ومواطنيها عرضة للتهديد، ويقتضي الخروج من هذه المخاوف قواعد متبادلة تتوفر الإرادة والوسائل لاحترامها.

ووفقاً للرؤية العُمانية الثابتة والراسخة، تواجه هذه المرجعية امتحانها الأشد في فلسطين؛ حيث تقوض الاعتداءات الإسرائيلية واستمرار حرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه صدقية الوعود باستقرار إقليمي، يصعب بناء الثقة بقواعد يشهد الناس انتهاكها من دون مساءلة قادرة على وقف المعتدي.

وقد أعادت الكلمة العُمانية تأكيد الحقوق الفلسطينية وفق حدود عام 1967 وقرارات الأمم المتحدة، كما ربطت التسوية في اليمن بوحدته واستقلاله وحقوق أبنائه وعلاقاته الآمنة مع الجوار. وعلى هذه الأسس يمكن لاتفاقات السلام أن تجد سندا لدى الشعوب التي ستعيش في ظلها.

ويمنح تأكيد الحق في التنمية هذا السند معناه في حياة الأفراد، وفي قدرتهم على بناء اقتصادهم وتعليم أبنائهم والتخطيط لمستقبلهم. ويستحق هذا المستقبل حماية تبدأ قبل اندلاع العنف وتمتد إلى مواجهة الخطاب الذي يهيئ المجتمعات لقبوله، وهنا تقع أهمية (خطة مسقط) لمواجهة خطاب الكراهية والتحريض على الإبادة وجرائم الفظائع، وما يمكن أن تفتحه من تعاون لمنع الجريمة في المراحل التي يجري فيها تجريد البشر من حقوقهم وتبرير الاعتداء عليهم.

وأمام الأمم المتحدة، دعت سلطنة عُمان الدول إلى تحمل مسؤولياتها في حماية هذه الحقوق والمصالح، ويبقى على الأمم المتحدة دعم مساعي التسوية حين تتطلب تنازلات وأن تحترم القانون حين يقيّد خياراتها. وبقدر ما تنجح في ذلك، تستطيع المنظمة الدولية استعادة ثقة الشعوب بقدرتها على حماية حقوقها وإخضاع القوي والضعيف لقواعد واحدة.

وإذا كانت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وامتداد نيرانها إلى كل دول المنطقة، وتداعياتها الاقتصادية، قد كشفت حجم الضرر الذي يمكن أن يخلّفه إهدار فرصة السلام، فإن واجب المرحلة هو صون الفرصة التالية، لدى المنطقة مصالح واسعة تدفعها إلى التفاهم، ولدى العالم أسباب كافية لمساندتها، والمطلوب إرادة سياسية تمنح هذه المصالح وزنها قبل أن تفرض جولة أخرى من العنف أثمانا جديدة على الجميع.

ومن هنا يمكن البناء على طرح وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي أمام الأمم المتحدة، والذي تجلى في وضوح تام عبر مسارين مستقلين، تناول في الأول مبدأ شمولياً يرفض الاحتكام إلى السلاح والقوة بين الأمم، بينما ركز في المسار الثاني على أهمية الخيار السلمي ودعوة جميع الأطراف للسلام.

إن كلمة وزير الخارجية العُماني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة كانت تجليا للمبادئ والرؤية العمانية الشاملة التي عكست الالتزام بالقضايا الإقليمية، وتأكيدها على حماية الملاحة في مضيق هرمز، وإدانة الجرائم الوحشية التي ترتكبها إسرائيل، ودعوة لإقامة دولة فلسطينية على حدود عام 1967م، ومعالجة الخلافات في اليمن للوصول إلى تسوية من أجل السلام، وتضامنها مع دول الجوار لحفظ أمنها وسيادتها.

تؤكد الدراسات السياسية أن سلطنة عُمان منذ تأسيسها عام 1744 قبل حوالي 282 عاما على أيدى مؤسس الدولة الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي ليكون حاكما وإماما للبلاد، مازالت المبادئ والقيم العمانية الراسخة عبر الأجيال تسبق السعي وراء المصالح والمنافع على أهميتها، والدفع بالسلام عن طريق حل المشاكل والخلافات بالحوار والطرق السلمية تعلو وتسمو في نهج سلطنة عمان السياسي والدبلوماسي على قاعدة الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير ورفض تدخل الآخرين في شؤونها الداخلية.

وتأسيساً على استدامة وثبات ورسوخ هذه الدبلوماسية، لا تزال سلطنة عمان اليوم في عهد السلطان هيثم بن طارق وفي ظل نهضتها المتجددة، محافظة على قيمها ومبادئها الأصيلة بحكمة واقتدار ووعي بخطورة المرحلة الحالية التي تشهدها المنطقة بشكل خاص والعالم عموما. وعملت الدبلوماسية العمانية دون كلل ومن خلال دورها كوسيط موثوق بين الجانبين الأمريكي والإيراني على تجنيب المنطقة الصدام المسلح، وحاليا تواصل عُمان مساعيها الجادة والنزيهة إلى جانب الجهود الأخرى الإقليمية والدولية للتوصل إلى اتفاق عادل وشامل ينهي الحرب ويحقق السلام المستدام.

ولا ريب أن مبدأ الحياد الإيجابي الذي تتبعه عُمان كخيار استراتيجي وأساسي في سياستها الخارجية، يعني بأنها ستظل تعمل من أجل السلام والخير والرخاء والعدل للجميع في هذه المنطقة والعالم، وتؤكد على إيمانها بالحوار واحترام سيادة الدول والمبادئ التي قامت عليها الأمم المتحدة؛ ولكنها في الوقت نفسه لن تتردد في حماية أمنها واستقرارها وسيادتها الوطنية.

إجمالاً يمكن القول، أن السياسة الخارجية العُمانية ستظل تحرص على حسن الجوار ونبذ الفرقة والخلافات والفتن لما فيه مصلحة هذه المنطقة وشعوبها وستبقى قيم السلام والعدالة وحقوق الانسان راسخة في السياسة الداخلية والخارجية العُمانية؛ وهي في سلوكها هذا متصالحة مع نفسها والآخرين، وهو نهج ممتد عبر مراحل تاريخية وزمنية طويلة من عمر الدولة العُمانية المديد.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة