«مجدو وقادش» لتحتمس ورمسيس، وغيرها من المعارك الحربية، تؤكد امتلاك مصر جيشًا نظاميًا قويًا قبل آلاف السنين، وما طرد أحمس للهكسوس إلا نموذج للعسكرية المصرية القديمة.
ونحن نقترب من ذكرى انتصارات أكتوبر عام 1973م، نتوقف عند كتاب مهم للكاتبة سميحة المناسترلي، بعنوان «فن الحرب عند قدماء المصريين»، وهو كتاب يفجر مفاجأة مهمة، وهى أن قدماء المصريين هم أصحاب أول جيش نظامى فى التاريخ، وأنهم عرفوا سلاح المشاة، وسلاح العجلات الحربية، وأنواعًا شتى من الأسلحة والذخيرة.
والدليل على ذلك انتصارات أحمس على الهكسوس وطردهم من مصر، وتحتمس ومعركة مجدو، ورمسيس الثانى ومعركة قادش، وحتشبسوت وبطولات البحرية المصرية، وغيرها الكثير من أمجاد العسكرية المصرية.
وسميحة المناسترلى كاتبة قصة قصيرة، وسيناريست، وصاحبة صالون ثقافى وفني. اقتربت من يوسف إدريس، ومن كامل ومأمون الشناوي، وكان الثانى زوج خالتها، والفنان فاروق فلوكس زوج أختها سميرة، والقاص المتميز د. سمير المناسترلى شقيقها الأكبر.
وآخر كتبها إعداد وصياغة مذكرات الكاتب والسيناريست فيصل ندا، وقدّم لكتابها عن العسكرية المصرية ثلاثة من أبطال قواتنا المسلحة، وعادت عند إعداده إلى عدد من المراجع العربية والأجنبية.
إننا نعرف، كمثقفين، كتاب «فن الحرب» لمؤلفه الصينى «سن تزو» فى القرن السادس قبل الميلاد، ولكننا لم نسمع من قبل عن مؤلف عن فنون الحرب عند قدماء المصريين، فلماذا جاء كتابك؟
كان لا بد من تصحيح الوقائع التاريخية، فالمصريون القدماء هم أول من أسس جيشًا نظاميًا فى العالم القديم، وهم أول من رتبوا القوات كما نعرفها اليوم: سلاح للمشاة، وسلاح للعربات الحربية، وأسلحة أخرى.
واستخدموا السهام، والبلطة، والسكين، والخنجر، والسيف، والدروع، والأسطول البحري، وغيرها من أدوات وأسلحة الحروب.
وأبسط دليل على ذلك المعارك الحربية الناجحة التى خاضها القدماء، من مينا – نارمر، موحد الشمال والجنوب، إلى منتوحتب موحد البلاد، إلى أحمس الأول ونجاحه فى طرد الهكسوس من مصر، وتحتمس الثالث صاحب معركة مجدو الشهيرة، والتى جاءت انتصارات أكتوبر على نفس شاكلتها تمامًا، ثم رمسيس الثانى بطل معركة قادش، والملكة حتشبسوت وتأسيسها لأعظم بحرية فى التاريخ، وغيرهم من الأبطال العظام، الذين تتزين جدران المعابد والقبور الأثرية بأمجادهم، وتوجد فى متاحفنا المصرية سيرهم وبطولاتهم والأسلحة التى استخدموها فى الحروب.
لقد تعرضت مصر لغزوات استعمارية قديمة، من تسلل الليبيين إلى مصر فى شكل رعاة ومرتزقة وتجار، حتى تولى أحدهم، ويدعى شيشنق، حكم مصر لقرنين، ثم طمع النوبيون فى مصر واستولوا على الحكم فيها، ثم جاء الأشوريون من العراق وغزوا مصر، كما غزاها الفرس مرتين قبل الميلاد! من هنا خرج من أرض مصر قادة عظام طردوا المستعمر، واستردوا الأرض، وغزوا أرض الأعداء، ووصلت جحافل الجيوش المصرية إلى شمال الشام، وإلى ليبيا والسودان، وحافظ القدماء على الأسرى، وامتثلوا لأخلاق الفرسان، وطبقوا بنود اتفاقية جنيف لحماية الأسرى قبل أن توضع بآلاف السنين.
إننى وضعت كتابى نفيًا لمقولة د. جمال حمدان فى الجزء الأول من كتابه «شخصية مصر»: «إننا لا نعرف شيئًا عن مصر، وإننا كمواطنين مصريين جهلة جدًا بمصر»! وإذا كان التاريخ المصرى يمتد لنحو عشرين ألف سنة قبل الميلاد، فمنها على الأقل خمسة آلاف سنة مدونة على الحجر والبردي، وتشهد بعظمة الأجداد، ومن هنا جاء كتابى فى أربعة فصول؛ كى تعرف الأجيال المعاصرة تاريخ وأمجاد قدماء المصريين، الذين كانوا أول من ابتكروا فنون الحرب، والعقائد القتالية، ومبادئ الحروب، وابتكروا أسلحة وخططًا واستراتيجيات لا تزال ملهمة لجيوش العالم ليومنا هذا، ومن هنا كتبت ما هو مخطوط وموثق على الجدران وفى البرديات.
كيف كان شكل العسكرية المصرية القديمة؟
على سبيل المثال، تكوّن أول جيش نظامى مصرى قبل سبعة آلاف عام قبل الميلاد، ويعتبر الجيش الصينى هو التالى تاريخيًا للجيش المصري.
وكان الجيش المصرى يتكون من قوات برية وبحرية وإدارية، وقوات خاصة لحماية الملك، وكلها كانت قوى عاملة طوال الوقت، علاوة على قوات التجنيد أو الاحتياط، بقيادة قادة مدربين، وكان يطلق على القوات العاملة «القوات النظامية»، وكان «التجنيد الإجباري» معمولًا به فى مصر القديمة.
وكانت العقيدة القتالية للجيش هى الدفاع عن أرض وشعب مصر، وعرف القدماء مبادئ الحرب، من تقدير الموقف، وحالة الطقس، وطبيعة الأرض، والمناورة، والمفاجأة، والخداع، والمبادأة، والمطاردة، والاحتياط، والتعاون، ورفع الروح المعنوية، فضلًا عن القيادة الجسورة، وتحديد الأهداف، واستخدام الجاسوسية، والتكنيك، وخفة الحركة، والحشد، وتكوّن الجيش من فرق المشاة، وفرق العجلات الحربية، وفرق رمى السهام، والأسطول البحري، وعرف القدماء التدريب، والخطط، والرتب العسكرية، وانتبهوا إلى تعليمات القائد العام للجيش المصرى التى يعظ بها الجنود، يقول لهم: «لا تقتل جروا، لا تنهبوا، لا تهدموا بناءً، لا تقتلوا امرأة أو طفلًا، من سالمكم سالموه ولا تطعنوه»، ومن النصائح المسجلة على آثار القدماء: «لا تكن عنيفًا، لا تتهم أحدًا، ولا تعاقب أحدًا».
وتجلت تلك التعليمات فى معاملة المصريين للأسرى بنزاهة وشرف، قبل أن يعرف العالم «اتفاقية جنيف» لحقوق الأسرى بآلاف السنين، ويكفى للدلالة على ذلك مطالعة اتفاقية السلام بين رمسيس الثانى وملك الحيثيين سنة 1280 قبل الميلاد.
كيف كان الأسطول المصرى القديم؟
كانت السفينة تسمى «دبت»، والمراكب الكبيرة تسمى «دبت عات»، وكان لكل سفينة قائد متمرس، وللأسطول قائد عظيم.
وكان لمصر فى عهد الملكة حتشبسوت أسطولان: تجارى وحربي، وكانت تجارتها تمتد حتى أرض الصومال جنوبًا، وساحل الشام شمالًا.
ما هى أدوات التسليح القديمة؟
الحراب، والرماح، والسهام، والبلطة، والفأس، والقوس المركب.
ثم عرفوا العربات الحربية التى تجرها الخيول، وهى مرسومة على جدران المعابد، خاصة فى عصر رمسيس الثاني. كما استخدم القدماء الدروع، والقلنسوة، والخوذة، لحماية الرأس والوجه.
إن المصريين كوّنوا أول جيش نظامى فى عهد الملك العقرب قبل ثمانية آلاف عام قبل الميلاد، ثم طوّره مينا ومن خلفه، مثل أحمس وتحتمس الثالث ورمسيس الثانى وغيرهم. وكانت كلمة «جيش» تعنى «القوات البرية».