التقيت بها فى أكثر من مؤتمر فى جامعة عين شمس والمجلس الأعلى للثقافة، سيدة تتمتع بجمال هادئ، صوتها يحمل نبرة حزن وعمق تجربتها الحياتية، الشعر مصبوغ، أناقة كلاسيكية، نموذج للمرأة الليدى ترتجل بلغة سلسة سليمة. يُكنّ لها الجميع محبة بادية هى الأم والأستاذة.
طلبت منى د. فاطمة نصر ما قدمته فى المؤتمر لنشره فى مجلة «سطور»، كانت إطلالتى الحقيقية على الحركة الثقافية حينما نشر اسمى على غلاف مجلة أدب ونقد التى ترأستها آنذاك الناقدة الكبيرة فريدة النقاش.
لطيفة الزيات لم تبتعد عن نبض الجماهير فقد كانت مساندة للشعب الفلسطينى فى كفاحه ضد الممارسات الصهيونية.
كانت القراءة جسرا ممتدا، تابعت كل ما كتب عنها وما نشر من حوارات، بدا الأمر افتتانا بهذه الشخصية، وحضرت لها مناقشة رسالة الدكتوراه المقدمة من خيرى دومة، حضر المناقشة أبناء قريته، وتكونت اللجنة من؛ د. أحمد شمس الدين الحجاجى وسيد البحراوى ود. لطيفة الزيات، سألت د. سيد البحراوى، عن حالة د. لطيفة الصحية، همس لى لديها كانسر وهى لم تعرف للآن!
طلبت منها إجراء حوار، قلت ممكن نجرى الحوار تليفونيا، لكن للأسف كان المرض نال منها، لكن كتبت عنها مقالا يتناول رأيها فى قضايا المرأة.
اقترحت عدة موضوعات لبحث الماجستير، طرحت على أستاذى عبد المنعم تليمة، كان يصمت فأعرف أنه غير موافق، لا يقبلك تليمة، إلا بعد أن تقرأ كتبا يتخيرها، من بين هذه الكتب، رواية الباب المفتوح، كان المطلوب تلخيص العمل الإبداعى فى ثلاث صفحات!
كنت فى طريقى إلى مقر عملى بمجلة قطر الندى، بالهيئة العامة لقصور الثقافة، لمحت مجموعة من المبدعات والصحفيات يتشحن بالسواد، نزل الخبر كالصاعقة، ماتت لطيفة الزيات.
بعد أيام قابلت «تليمة»، كان حزينا على وفاتها، لكن قال الحمد لله أن كُرمت بنيل الجائزة التقديرية، جمعت ما كتب عنها فى تلك الفترة، إضافة لدراساتها ومشاركتها فى مؤتمرات، بحثت عن كتبها، فى مكتبة جبريل الضخمة أهدانى د. سيد البحراوى كتابا فيه جزء عن سيرتها ودراسات نقدية للنقاد عرب، وعثرت على شريط تسجيل مع محمد جبريل أذيع فى البرنامج الثقافى، أصبح لدىّ مادة ثرية متنوعة، تعيننى على إنجاز بحث رسالة الماجستير.
وافق تليمة وأرشدنى إلى عدة كتب فى التنظير منها كتاب جيرار جينيت، ودريدا وغيرها من الكتب، وكتب نقدية للدكتور عبد المحسن طه بدر، وكتاب للطيفة الزيات، وكان لدىّ كتابه عن على الجمال، أربعة أشهر ثم قدمت الخطة، لكن تليمة رفض قائلا فى الماجستير نتناول كتاباتها الإبداعية (الأعمال الخمسة) وفى الدكتوراه ندرس دراساتها النقدية وترجماتها.
يوم السيمنار أتذكر كان د. سيد البحراوى ود. أحمد شمس الدين الحجاجى، وطلبة الماجستير، وصديقات لى، كان يوما عصيبا تعرضت فى اليوم السابق لحالة تسمم، أتذكر أن د. سحر سامى والناقدة سلوى سيف، لمستا معاناتى، الحمد لله انتهى السيمنار، فقط بعض الملاحظات، وأثنى الجميع على اكتشاف قصة ابن الفقاعى التى نشرت مرة واحدة فى كتاب الشعب، ولم تذكرها لطيفة الزيات أو تتناول نقديا، هذه القصة الطويلة، تشير إلى الأسلوب والبنية والقضايا التى ظلت لطيفة الزيات تدافع عنها، القصة باختصار جنود الحملة الفرنسية أبادوا أهل القرية لم يتبق غير طفل شاهد موت أبيه وأمه، الطفل مجروح ومعه بندقية، لا هدف له إلا الوصول للقرية التالية لقريته ينبه سكانها من هجوم مباغت، يرشدهم إلى الأسلحة التى خلفها جنود الاحتلال. عرضت نشرها فى إحدى المجلات؛ إلا أن رئيس التحرير رفض بحجة أن القصة بها كلمتان غير واضحتين.
تعد القصة أولى كتابات لطيفة الزيات، تعتمد فيها على الحوار الداخلى، الوعى الفردى كمحرك للوعى الجماعى، التمرد على الواقع. طيب خاطرى أن لجنة المناقشة المكونة من د.عبد المنعم تليمة وطه وادى وإبراهيم عبد الرحمن، كم كنت أخشى منه وهو يدرس لنا الدراما الإغريقية، بكلية الآداب كتاب اليسار واليمين، كانت أول دراسة عن لطيفة الزيات وأدبها فى كليات الآداب قسم اللغة العربية، قبلها أنجزت رسائل ماجستير فى قسم اللغة الألمانية والإنجليزية.
كان يتابعنى الشاعر الكبير فاروق شوشة، فلطيفة ابنة دمياط وهو ابن قرية الشعراء بمحافظة دمياط، تواصلت مع د. أمينة رشيد سألتها عن فترة الاعتقال، تحدثت عنها بروح محبة ودودة، أخبرتنى عن كيف تقضى يومها، كان الغناء إحدى وسائل الترويح عن النفس وشحذ روح المقاومة لما يمارس عليهما من قمع، كانت لطيفة أكبرهن سنا لكنها واجهت العنف بطرق كثيرة، يبدو أن تجربتها السابقة فى المعتقل حصنتها، بثت الأمل فى نفوس المعتقلات فى العنبر، سنلمح فى قصة الرجل الذى عرف تهمته، وحملة تفتيش أوراق شخصية صدى لتلك الفترة كذلك نوفيلا «صاحب البيت».
قدم للدراسة أستاذى عبد المنعم تليمة، ونشرت فى كتاب صدر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، بفضلها تناول الكتاب العديد من النقاد، وأجريت حوارات معى، صرت تلميذة للكبيرة لطيفة الزيات.