رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

مـــأزق جديـــد


27-9-2026 | 14:02

.

طباعة
بقلـم: سناء السعيد

لم تعد التطورات المتسارعة في اليمن شأنًا داخليًا يمكن عزله عن المشهد الإقليمي، بعدما تمكنت جماعة الحوثيين من التقدم على الساحل الغربي لليمن والسيطرة على مدينة المخا وجزيرة بريم ومناطق استراتيجية أخرى بالقرب من مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وتكتسب هذه التطورات أهمية مضاعفة في ظل استمرار اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، بما يضع طرق نقل الطاقة أمام اختبار بالغ الحساسية.

 

تكمن أهمية باب المندب في موقعه الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن، ومن ثم يفتح الطريق أمام حركة السفن بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس. ولذلك فإن امتلاك طرف مسلح مواقع مطلة على هذا الممر يمنحه قدرة أكبر على مراقبة حركة السفن وتهديدها، وهو ما انعكس بالفعل على حركة الملاحة؛ إذ تراجعت عمليات العبور في المضيق بصورة ملحوظة خلال الأيام الأخيرة.

وتأتي الخطورة الأكبر بالنسبة إلى السعودية من تزامن هذه التطورات مع استمرار أزمة مضيق هرمز. فقد كانت المملكة تعتمد بصورة أكبر على المسار الغربي وخط أنابيب الشرق–الغرب لتجاوز مخاطر هرمز، إلا أن هذا الخط تعرض لهجوم بطائرات مسيرة، ما دفع الرياض إلى تعليق تشغيله احترازيًا. وهكذا تتقلص، في توقيت واحد، الخيارات البديلة أمام صادرات النفط السعودية، بينما تزداد حساسية الطريق المؤدي إلى البحر الأحمر.

وتنعكس التداعيات على سوق الطاقة العالمي أيضًا. فكلما ارتفعت المخاطر حول الممرات البحرية، زادت تكاليف التأمين والشحن، وارتفعت احتمالات اضطراب الإمدادات، وهو ما ساهم في دفع أسعار النفط إلى مستويات تجاوزت حاجز المائة دولار للبرميل خلال التصعيد الأخير. وإذا استمرت الضغوط على هرمز وباب المندب في الوقت نفسه، فقد تصبح أزمة الملاحة والطاقة أكثر اتساعًا من حدود الصراع اليمني أو السعودي–الحوثي.

لكن خلف المشهد العسكري تبرز أسئلة سياسية أكثر تعقيدًا: هل يمثل التصعيد الحوثي امتدادًا مباشرًا للحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران، ومحاولة فتح جبهة إضافية تضغط على حلفاء واشنطن في المنطقة؟ أم أن الأمر يعكس حسابات يمنية مرتبطة بموازين القوى الداخلية ومسار الحرب الطويلة؟ وإلى أي مدى يمكن أن تستمر الجماعة في الاحتفاظ بالمواقع التي سيطرت عليها، في ظل تحركات القوات الموالية للحكومة اليمنية لاستعادتها؟.

ويظل هناك السؤال الأهم بالنسبة إلى السعودية: هل ستتجه الرياض إلى مواجهة عسكرية أوسع، أم ستبحث عن مسار سياسي يحد من المخاطر على حدودها وعلى صادراتها النفطية؟ وفي المقابل، هل تستطيع القوى الدولية منع تحول باب المندب إلى ساحة جديدة للصراع على غرار مضيق هرمز؟

لقد حذر مساعد الأمين العام للأمم المتحدة لشئون الشرق الأوسط من أن الوضع في مضيق باب المندب ومحيطه أصبح متقلبا بشكل متزايد خلال الأيام الأخيرة، مع تصاعد القتال على الساحل الغربي لليمن واستمرار تقدم جماعة الحوثي باتجاه المضيق الاستراتيجي. وأكد المسئول الأممي أن التصعيد العسكرى يفاقم معاناة المدنيين، إذ أجبر أعدادا متزايدة من السكان على النزوح من منازلهم، وتسبب في سقوط ضحايا مدنيين، وزاد الضغوط على العمليات الإنسانية.

إن ما يحدث في البحر الأحمر اليوم لا يهدد دولة واحدة فحسب، بل يضع أمن الملاحة والتجارة والطاقة أمام معادلة جديدة. وبين التصعيد العسكري ومحاولات احتوائه، يبقى مستقبل المنطقة مرهونًا بما إذا كانت الأطراف ستتجه نحو التهدئة والتفاوض، أم أن المرحلة المقبلة ستشهد اتساعًا جديدًا للصراع، بما يحمله ذلك من تداعيات على السعودية واليمن ومصر والعالم العربي والاقتصاد الدولي.

ولا شك أن التطورات الأخيرة تؤكد الحاجة الملحة لمنع تحول الصراع اليمنى إلى تهديد أوسع لأمن البحر الأحمر والملاحة الدولية. ولهذا يتعين على جميع الأطراف خفض التصعيد، والانخراط بجدية في الجهود السياسية التى تقودها الأمم المتحدة للتوصل إلى حل تفاوضي للأزمة اليمنية.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة