وفى هذا السياق، قال الدكتور مصطفى أحمد رضوان، أستاذ الاقتصاد والمالية العامة، إن «إعداد برنامج التحول الاقتصادى الوطنى يمثل خطوة مهمة فى توقيت يحتاج فيه الاقتصاد المصرى إلى الانتقال من مرحلة إدارة الأزمات وتحقيق الاستقرار الكلى إلى مرحلة أكثر عمقا، يكون عنوانها الأساسى الإنتاج والتصدير والاستثمار ورفع مستوى معيشة المواطن، حيث إن نجاح أى برنامج اقتصادى خلال المرحلة المقبلة لن يُقاس فقط بمعدلات النمو أو تراجع معدلات التضخم، وإنما بمدى قدرته على تحويل هذه المؤشرات إلى وظائف ودخول حقيقية، وتحقيق تحسن ملموس فى القوة الشرائية للمواطن ومستوى الخدمات المقدمة له».
وأضاف «رضوان»، أن «التحدى الأساسى أمام برنامج التحول الاقتصادى الوطنى يتمثل فى تغيير هيكل الاقتصاد نفسه، وليس الاكتفاء بتحسين مؤشراته المالية والنقدية»، لافتًا إلى أن «المطلوب هو بناء اقتصاد أكثر قدرة على الإنتاج والتصدير وتوليد النقد الأجنبى بصورة مستدامة، حيث يتطلب ذلك أن تتصدر مجموعة من الملفات أولويات البرنامج، وفى مقدمتها زيادة الإنتاجية، وتعميق الصناعة المحلية، ورفع نسبة المكون المحلى، ودعم الصادرات، وتحسين بيئة الاستثمار، إلى جانب إدارة الدين العام وأعباء خدمته بكفاءة، بالتوازى مع زيادة الاستثمار فى التعليم والصحة والتدريب باعتبارها ركائز أساسية لبناء رأس المال البشرى ورفع قدرة الاقتصاد على النمو».
وتابع أن «نجاح البرنامج يتطلب أيضًا وضع مستهدفات كمية واضحة يمكن قياسها ومحاسبة الجهات المعنية على معدلات تحقيقها بصورة دورية»، موضحًا أن «هذه المستهدفات يجب أن تشمل حجم الصادرات، ونسبة مساهمة الاستثمار الخاص، ومعدلات التشغيل، ومستويات الإنتاجية، ومساهمة القطاع الصناعى فى الاقتصاد، فضلًا عن نسبة المكون المحلى فى القطاعات الرئيسية، حيث وجود مؤشرات ومستهدفات قابلة للقياس يمثل عنصرا أساسيا لضمان انتقال برنامج التحول الاقتصادى من مجرد وضع السياسات إلى تحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع، بما ينعكس بصورة مباشرة على قدرة الاقتصاد المصرى على تحقيق نمو مستدام وتحسين مستويات معيشة المواطنين».
وأكد «د. مصطفى»، أن «نجاح برنامج التحول الاقتصادى الوطنى يجب أن ينعكس بصورة واضحة على ارتفاع الأجور الحقيقية والإنتاجية وتوفير فرص العمل، وليس فقط على تحسن المؤشرات الاقتصادية الإجمالية، حيث ارتفاع معدل النمو إلى 5.1 فى المائة خلال العام المالى 2025 - 2026 يمثل مؤشرا إيجابيا، إلا أن التحدى الرئيسى يتمثل فى الحفاظ على استدامة هذا النمو وتوسيع قاعدته، بما يضمن انتقال ثماره إلى مختلف فئات المجتمع وانعكاسها بصورة ملموسة على مستوى معيشة المواطن».
كما أشار «رضوان»، إلى أن «القطاعات الخمسة التى حددتها الحكومة، وهى الصناعة والزراعة والتصنيع الغذائى والسياحة والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات وأمن الطاقة، تمتلك قدرة حقيقية على توليد العملة الأجنبية وخلق فرص العمل، إلا أن تعظيم الاستفادة منها يتطلب التعامل معها باعتبارها سلاسل قيمة مترابطة وليست قطاعات منفصلة، حيث إن الصناعة تحتاج إلى التركيز على تعميق التصنيع المحلى وزيادة المكون المحلى، بينما يتطلب قطاع الزراعة رفع الإنتاجية وربط الإنتاج الزراعى بمراحل التصنيع الغذائى والتصدير، بما يرفع القيمة المضافة للمنتجات المصرية».
ولفت إلى أن «تطوير القطاع السياحى لا ينبغى أن يقتصر على زيادة أعداد السائحين، وإنما يجب أن يمتد إلى زيادة متوسط إنفاق السائح وإطالة مدة إقامته، بما يعظم العائد الاقتصادى من النشاط السياحي»، مضيفًا أن «قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات يمثل فرصة مهمة للتوسع فى تصدير الخدمات الرقمية وزيادة موارد الدولة من العملة الأجنبية».
وشدد على أن «قطاع الطاقة بدوره يمثل عنصرا أساسيا لضمان توفير إمدادات مستقرة وتنافسية للقطاعات الإنتاجية، بما يدعم قدرتها على التوسع والمنافسة، حيث إن الأهم من ذلك هو ربط الحوافز الحكومية بنتائج اقتصادية قابلة للقياس، بحيث لا ترتبط الحوافز بمجرد إنشاء المشروعات أو ضخ الاستثمارات، وإنما بما تحققه فعليًا من زيادة فى الصادرات، وخلق فرص عمل، ونقل التكنولوجيا، ورفع نسبة المكون المحلى، بما يضمن توجيه الدعم والحوافز نحو الأنشطة الأكثر تأثيرا فى الاقتصاد الوطني».
«رضوان»، أشار إلى أن «جذب الاستثمارات الإنتاجية يتطلب معالجة عدد من العقبات فى بيئة الأعمال»، مؤكدًا أن المستثمر يحتاج قبل الحوافز الضريبية إلى الوضوح والاستقرار وسرعة إنجاز الإجراءات.
«د. مصطفى»، شدد كذلك على أهمية تقليل تعدد الجهات التى يتعامل معها المستثمر، وتوحيد إجراءات وتراخيص النشاط، وتسريع عمليات تخصيص الأراضى، إلى جانب تبسيط الإجراءات الضريبية والجمركية، وتعزيز المنافسة والحياد التنافسى، بما يخلق بيئة أكثر وضوحًا وقدرة على جذب الاستثمارات طويلة الأجل، حيث إن نجاح الاستثمار الأجنبى لا ينبغى أن يُقاس بحجم التدفقات المالية فقط، وإنما بجودة ونوعية الاستثمارات التى تدخل الاقتصاد المصرى، لافتًا إلى ضرورة قياس ما يحققه الاستثمار من فرص عمل جديدة، وحجم الصادرات التى يسهم فى توليدها، ونوعية التكنولوجيا التى ينقلها إلى السوق المحلية، فضلاً عن نسبة المدخلات المحلية التى يعتمد عليها فى عمليات الإنتاج، حيث إن هذا النهج من شأنه توجيه الاستثمارات نحو الأنشطة الإنتاجية ذات القيمة المضافة، وتعظيم العائد الاقتصادى منها، بما يجعل الاستثمار الأجنبى جزءًا من عملية التحول الاقتصادى، وليس مجرد تدفقات مالية إلى السوق.
وأكد أستاذ الاقتصاد والمالية العامة، أن «تعافى الجنيه بصورة مستدامة لا يمكن أن يعتمد على المسكنات المؤقتة، لا سيما أن قوة العملة على المدى الطويل لا تصنعها القرارات الإدارية وحدها، وإنما تستند بالأساس إلى قوة الاقتصاد الذى يقف خلفها، حيث الطريق الأكثر استدامة لدعم الجنيه يتمثل فى زيادة موارد النقد الأجنبى الحقيقية والمتكررة، من خلال تنمية الصادرات، وتعظيم العائد من السياحة، ودعم تحويلات المصريين بالخارج، وجذب الاستثمار الأجنبى المباشر، والتوسع فى تصدير الخدمات الرقمية، إلى جانب تعظيم موارد قناة السويس، حيث تحسن قدرة الاقتصاد على توليد العملة الأجنبية بصورة مستدامة، بالتوازى مع زيادة الإنتاج المحلى وخفض الاعتماد النسبى على الواردات، من شأنه تعزيز قدرة سوق الصرف على تحقيق التوازن وتقليل الضغوط على العملة المحلية».
وأضاف أن «زيادة الإنتاج والصادرات يجب أن تكون جزءا أساسيا من برنامج التحول الاقتصادى»، لافتًا إلى أن قوة الجنيه لا تنفصل عن قوة القطاعات الإنتاجية والخدمية القادرة على توليد النقد الأجنبى، حيث إن الدفاع الحقيقى عن الجنيه يبدأ من المصنع والمزرعة وشركة التكنولوجيا والفندق والميناء، وليس من سوق الصرف وحدها، ومؤكدًا أن بناء اقتصاد أكثر إنتاجا وتصديرا هو المسار الأكثر استدامة لدعم العملة المحلية وتعزيز قدرة الاقتصاد المصرى على مواجهة الصدمات الخارجية.
ولفت «د. مصطفى»، إلى أن هناك عددًا من التجارب الدولية التى يمكن لمصر الاستفادة من دروسها عند تنفيذ برنامج التحول الاقتصادى الوطنى، من بينها تجارب كوريا الجنوبية وفيتنام وماليزيا والمغرب، موضحًا أن «القاسم المشترك بينها لم يكن استنساخ نموذج اقتصادى واحد، وإنما تبنى سياسات واضحة تستهدف زيادة الإنتاج والصادرات، وجذب الاستثمارات الصناعية وربطها بسلاسل القيمة العالمية، بالتوازى مع الاستثمار فى البنية الأساسية ورأس المال البشري»، موضحًا أن «التجربة الفيتنامية تقدم دروسا مهمة فى مجال جذب الاستثمارات الموجهة للتصدير، بينما تبرز التجربة الكورية الجنوبية فى بناء قاعدة صناعية وتكنولوجية قوية، فى حين أن ماليزيا قدمت نموذجا فى التنويع الاقتصادى، وتحمل التجربة المغربية دروسا مهمة فى تطوير الصناعات الموجهة للتصدير وربطها بالأسواق الخارجية».
أستاذ الاقتصاد والمالية العامة، شدد على أن «الاستفادة من هذه التجارب لا تعنى استنساخها أو نقل سياساتها بصورة حرفية إلى الاقتصاد المصرى، نظرًا لاختلاف الظروف والإمكانات والهياكل الاقتصادية من دولة إلى أخرى، وإنما تتمثل الاستفادة الحقيقية فى اختيار الأدوات والسياسات التى تتلاءم مع طبيعة الاقتصاد المصرى واحتياجاته وأولوياته، حيث إن نجاح برنامج التحول الاقتصادى يتطلب الاستفادة من الخبرات الدولية مع تطوير نموذج مصرى يستند إلى المزايا النسبية للاقتصاد، ويربط بين الإنتاج والاستثمار والتصدير والتكنولوجيا ورأس المال البشرى، بما يدعم بناء قاعدة اقتصادية أكثر قدرة على المنافسة والاستدامة».
وأشار «رضوان»، إلى أن «الوصول بالاقتصاد المصرى إلى وضع أكثر استقرارا واستدامة يتطلب العمل على عدة مسارات متوازية، تبدأ بضبط المالية العامة وإدارة الدين بكفاءة، وزيادة الاستثمار الخاص المنتج، وإطلاق استراتيجية واضحة للتصدير تتضمن أهدافا سنوية قابلة للقياس، إلى جانب تعميق الصناعة المحلية وإصلاح بيئة الأعمال والاستثمار المكثف فى رأس المال البشرى، حيث إن توسيع شبكات الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر تأثرا يجب أن يظل جزءا أساسيا من عملية التحول الاقتصادى، خاصة خلال فترات الإصلاح التى قد تفرض ضغوطا مؤقتة على بعض شرائح المجتمع، بما يضمن ألا تتحول تكلفة الإصلاح إلى عبء غير متوازن على الفئات الأكثر احتياجًا».
كما أوضح أن «الأهم هو ألا يظل برنامج التحول الاقتصادى مجرد مجموعة من السياسات والمستهدفات، وإنما يتحول إلى «عقد تنفيذى قابل للقياس والمساءلة»، له جدول زمنى واضح ومؤشرات أداء معلنة، إلى جانب تقارير دورية توضح ما تم تحقيقه وما لم يتحقق، وأسباب عدم تحقيق المستهدفات، بما يسمح بتصحيح المسار فى الوقت المناسب».
«د. مصطفى»، فى ختام حديثه، شدد على أن «الاقتصاد المصرى لا يحتاج فقط إلى الخروج من الأزمة الحالية، وإنما إلى بناء نموذج اقتصادى يقلل احتمالات تكرار الأزمات مستقبلاً»، مؤكدًا أن «الاختبار الحقيقى لبرنامج التحول الاقتصادى الوطنى سيكون فى قدرته على نقل الاقتصاد من مرحلة التعامل مع نقص الموارد إلى مرحلة صناعة الموارد، ومن إدارة سعر الدولار إلى زيادة القدرة على كسب الدولار، ومن مجرد تحسن الأرقام الاقتصادية إلى تحسن ملموس فى حياة المواطن».
من جانبه، قال محمد السيد، الخبير المصرفى، إن «برنامج التحول الاقتصادى الوطنى يواجه عددا من التحديات النقدية والمصرفية ، وفى مقدمتها تعزيز استقرار سوق الصرف، وزيادة قدرة الاقتصاد على توليد موارد مستدامة من النقد الأجنبى، إلى جانب تحقيق التوازن بين متطلبات الاستقرار النقدى ودعم النمو والاستثمار والإنتاج، حيث إن التحدى الأساسى لا يتمثل فقط فى إدارة سوق الصرف وقت الأزمات، وإنما فى معالجة الأسباب الاقتصادية التى تولد الضغوط على العملة المحلية، حيث إن برنامج التحول الاقتصادى يمثل فرصة للانتقال من إدارة أزمات سوق الصرف إلى بناء استقرار مستدام للجنيه، من خلال زيادة الإنتاج المحلى، وتعزيز الصادرات، وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وتنويع مصادر النقد الأجنبي».
وأشار «السيد»، إلى أن «استدامة استقرار الجنيه ترتبط بقدرة الاقتصاد على توفير موارد حقيقية ومتكررة من العملة الأجنبية، وليس الاعتماد على التدفقات المؤقتة أو الإجراءات الاستثنائية»، لافتًا إلى أن «زيادة موارد الدولة من الصادرات والسياحة والاستثمار الأجنبى المباشر، إلى جانب الصادرات الخدمية، تمثل ركائز أساسية فى هذا المسار، فبرنامج التحول الاقتصادى يجب أن يضع مستهدفات واضحة لزيادة الصادرات السلعية والخدمية، مع التركيز على القطاعات التى تمتلك مصر فيها مزايا تنافسية، والعمل على تحسين جودة المنتجات والخدمات وفتح أسواق جديدة أمامها، بما يرفع قدرة الاقتصاد على توليد «الدولار» من النشاط الإنتاجى».
ولفت الخبير المصرفى، إلى أهمية تعظيم العائد من القطاع السياحى، ليس فقط من خلال زيادة أعداد السائحين، وإنما أيضًا عبر زيادة متوسط الإنفاق وإطالة مدة الإقامة وتنويع المنتج السياحى، بما يعظم حصيلة القطاع من النقد الأجنبى، فالاستثمار الأجنبى المباشر يجب أن يكون جزءا من منظومة توليد العملة الأجنبية، من خلال توجيهه بصورة أكبر إلى المشروعات الإنتاجية والتصديرية، بما يضيف طاقات إنتاجية جديدة ويخلق فرص عمل ويدعم سلاسل التوريد المحلية، بدل من اقتصار أثره على التدفقات المالية.
كما أكد «السيد»، أن «قطاع الخدمات الرقمية يمثل كذلك فرصة متنامية أمام مصر لزيادة مواردها من العملة الأجنبية، خاصة مع امتلاكها قاعدة كبيرة من الكوادر الشابة»، موضحًا أن «التوسع فى تصدير خدمات تكنولوجيا المعلومات والتعهيد والخدمات المهنية يمكن أن يوفر موردا مستداما للنقد الأجنبى لا يعتمد على الواردات السلعية»، ومشيرًا إلى أن «تحقيق الاستقرار المستدام لسوق الصرف يتطلب فى النهاية زيادة موارد النقد الأجنبى بالتوازى مع ترشيد استخداماته، ورفع الإنتاج المحلى، وتعميق التصنيع، وزيادة المكون المحلى، بما يقلل الفجوة بين الطلب على العملة الأجنبية والموارد المتاحة منها».
«السيد»، أكد أيضا أن «استقرار الجنيه لا ينبغى أن يكون هدفا منفصلا عن برنامج التحول الاقتصادى، وإنما نتيجة طبيعية لاقتصاد أكثر إنتاجا وتصديرا وقدرة على جذب الاستثمار وتوليد موارد مستدامة من النقد الأجنبي».