رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

دبلوماسية المواقف الموحدة


26-9-2026 | 16:38

.

طباعة
تقرير: دعاء رفعت

لم تعد فكرة تنسيق المواقف العربية ترفًا دبلوماسيًا تفرضه المناسبات أو القمم العربية، وإنما باتت، فى ظل التحولات المتسارعة التى تشهدها المنطقة، مرتبطة بصورة مباشرة بقدرة الدول العربية على حماية مصالحها والتعبير عن قضاياها بلغة واضحة ومتسقة أمام المجتمع الدولي، وكذلك بقدرتها على مخاطبة شعوبها بخطاب يحول دون انتقال الخلافات السياسية إلى خصومات بين المجتمعات العربية. ليبقى السؤال الأبرز اليوم: هل يصبح الخطاب العربى الموحد ضرورة لحماية المصالح المشتركة فى مواجهة أزمات الإقليم؟

 

خلال العامين الماضيين، تزامنت تطورات شديدة الحساسية فى أكثر من ساحة عربية؛ فمن استمرار الحرب والتداعيات الإنسانية والسياسية للقضية الفلسطينية، إلى تصاعد الإجراءات الإسرائيلية فى الضفة الغربية والقدس، وصولًا إلى الهجمات الإيرانية التى استهدفت عددًا من الدول العربية، لتجد المنطقة نفسها أمام اختبار جديد لمفهوم الأمن العربى المشترك وللقدرة على بناء مواقف عربية متماسكة فى مواجهة الأزمات المتعددة. ففى فبراير 2026، شاركت دول عربية، إلى جانب دول آسيوية وأوروبية ومنظمة التعاون الإسلامي، فى بيان مشترك أدان قرارات إسرائيلية مرتبطة بتوسيع السيطرة والاستيطان فى الضفة الغربية، معتبرًا أن تلك الإجراءات تقوض إمكانية قيام دولة فلسطينية وتتناقض مع قواعد القانون الدولي. ويعكس هذا التحرك أهمية توسيع دائرة التنسيق العربى والدولى فى القضايا التى تمس القضية الفلسطينية. كما أكدت الدول العربية فى قمة القاهرة الاستثنائية بشأن فلسطين عام 2025 تمسكها بإقامة دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة، فى إطار حل الدولتين، مع التأكيد على القدس الشرقية عاصمة لها، وطرح العمل مع الأطراف الدولية من أجل دفع مسار سياسى ينهى الاحتلال ويحقق السلام. ولكن القضية الفلسطينية لم تكن التطور الوحيد الذى أعاد طرح سؤال الموقف العربى المشترك.

فخلال العام الجاري، تعرضت دول عربية لهجمات إيرانية بالصواريخ والطائرات المسيرة، وهو ما دفع مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزارى إلى عقد اجتماع استثنائى فى مارس، أكد خلاله تضامن الدول العربية مع الدول المستهدفة، واعتبر أن المساس بسيادة أى دولة عربية يمثل مساسًا بالأمن العربى المشترك. وبذلك بدت المنطقة أمام مسارين متوازيين: قضية فلسطينية تتطلب استمرار التنسيق العربى والدولى لحماية الحقوق الفلسطينية ومنع تغيير الحقائق على الأرض، وتهديدات أمنية طالت سيادة دول عربية ومصالحها الحيوية. وفى الحالتين، تبرز أهمية أن تكون الرسالة العربية واضحة ومتسقة، ليس بهدف إلغاء الاختلافات الطبيعية بين الدول، وإنما لتحديد الحد الأدنى من المصالح والقضايا التى يمكن أن تتحرك العواصم العربية بشأنها بصورة مشتركة. ولا يعنى بالطبع، توحيد لغة الدبلوماسية العربية أن تصبح جميع الدول العربية متطابقة فى سياساتها الخارجية أو فى تقديرها لكل أزمة، فلكل دولة حساباتها الوطنية ومصالحها وأولوياتها. ولكن هناك فارق بين تعدد الرؤى، وهو أمر طبيعى فى العلاقات الدولية، وبين غياب الحد الأدنى من التنسيق الذى يسمح بتحويل القضايا المشتركة إلى مواقف واضحة وقابلة للتأثير .وهنا تبرز أهمية ما يمكن تسميته بـ«الحد الأدنى العربى المشترك»: مجموعة من المبادئ والمصالح التى تتفق الدول العربية على الدفاع عنها، بحيث تكون الرسائل الموجهة إلى المحافل الدولية متقاربة فى جوهرها، حتى عندما تختلف الأدوات أو التفاصيل.

تزداد أهمية ذلك الفكر الموحد والحد الأدنى من التنسيق الدبلوماسى للدول العربية عندما يتعلق الأمر بقضايا مثل احترام سيادة الدول العربية، ورفض استهداف المدنيين، وحماية الملاحة وأمن المنطقة، ودعم الحقوق الفلسطينية، والالتزام بالقانون الدولى وقرارات الأمم المتحدة. غير أن المعركة على صياغة الموقف العربى لم تعد تدور داخل قاعات الأمم المتحدة أو اجتماعات وزراء الخارجية وحدها فقد أصبحت منصات التواصل الاجتماعى ساحة موازية لتشكيل التصورات عن الدول والشعوب والقضايا العربية .وفى هذه البيئة، يمكن لأى خلاف سياسى بين دولتين أن يتحول خلال ساعات إلى خصومة شعبية، ويمكن لمقطع مجتزأ أو معلومة غير موثقة أن تعيد تشكيل النقاش العام، بينما تتداخل الحسابات الحقيقية للمستخدمين مع حسابات آلية أو حملات منظمة يصعب أحيانًا التحقق من مصدرها. ولهذا فإن توحيد الوعى العربى لا ينبغى أن يعنى فرض رأى واحد على الشعوب، وإنما بناء قدرة أكبر لدى الجمهور على التمييز بين الاختلاف السياسى الطبيعى وبين الخطابات التى تستهدف تحويل هذا الاختلاف إلى عداء بين الشعوب. كما أن مواجهة الروايات المضادة لا تتحقق بمجرد نفيها أو مهاجمتها، وإنما تحتاج إلى خطاب عربى مهنى وسريع وموثق، يقدم المعلومات بلغات متعددة، ويخاطب الجمهور العربى والدولى فى الوقت نفسه، ويستند إلى مصادر قانونية ودبلوماسية وبيانات موثوقة.

وفى الوقت الذى تظل فيه القضية الفلسطينية أحد أبرز الاختبارات العملية لفكرة الخطاب العربى المشترك، ومع استمرار التطورات فى غزة وتصاعد الإجراءات الإسرائيلية فى الضفة الغربية، تحدث إلى «المصور» القائم بأعمال سفارة فلسطين لدى مصر، السفير ناجى الناجى وأوضح أن القضية الفلسطينية كانت وستبقى قضية العرب المركزية؛ لأنها فى جوهرها قضية شعب يناضل من أجل الحرية والاستقلال والكرامة، وحقه فى تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة. ولذلك، فإن استعادة القضية الفلسطينية باعتبارها مساحة للتضامن والتقارب العربى تبدأ من إدراك أن الاختلاف فى وجهات النظر يجب ألا يتحول إلى خلاف حول عدالة القضية الفلسطينية .ومن هذا المنطلق، فإن الموقف الفلسطينى يؤكد دائمًا أهمية الحفاظ على وحدة الصف العربي، وتعزيز التنسيق بين الدول العربية، والاستناد إلى الثوابت والقرارات العربية والدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية. وقد أكد الرئيس محمود عباس خلال زيارته الأخيرة إلى القاهرة أهمية الدور المصرى فى دعم القضية الفلسطينية، كما شدد على أن غزة جزء لا يتجزأ من دولة فلسطين، وعلى ضرورة الحفاظ على وحدة الأرض الفلسطينية ومؤسساتها ومرجعيتها الوطنية.

وأضاف «الناجى» «فى تقديري، فإن المسئولية هنا مشتركة بين السياسة والإعلام والمجتمع. دبلوماسيًّا، نحتاج إلى استمرار وتعزيز التنسيق العربي، ليس فقط فى المواقف السياسية، وإنما أيضًا فى المحافل الدولية، بحيث تتحول حالة التأييد الواسعة للحقوق الفلسطينية إلى مواقف عملية وضاغطة، خصوصًا فى مواجهة محاولات فرض الوقائع على الأرض، والتهجير، والاستيطان، وتقويض حل الدولتين.. إعلاميًّا، نحن بحاجة إلى خطاب عربى مسئول لا يسمح بتحويل معاناة الفلسطينيين إلى مادة للاستقطاب. المطلوب هو عدم الاختلاف حول الثوابت الأساسية: حق الشعب الفلسطينى فى الحرية والاستقلال، ورفض التهجير، والحفاظ على وحدة الأراضى الفلسطينية، ودعم حل الدولتين وفق الشرعية الدولية. كما أن مواجهة التضليل لا تكون فقط بالرد على الأخبار الكاذبة، وإنما بإنتاج إعلام عربى مهنى وسريع وموثوق، يخاطب الأجيال الجديدة بلغتها وأدواتها، ويقدم الرواية الفلسطينية باعتبارها قضية حرية وعدالة وحقوق إنسان».

واستطرد القائم بأعمال سفارة فلسطين لدى القاهرة قائلًا: «شعبيًا، فأعتقد أن أفضل مواجهة للاستقطاب هى إعادة بناء التواصل المباشر بين الشعوب العربية، خصوصًا بين الشباب، عبر الثقافة والتعليم والإعلام والفن والرياضة والمبادرات المدنية. ففلسطين لا ينبغى أن تكون موضوعًا إعلاميًا موسميًا يرتبط بالحرب والتصعيد فقط، وإنما جسر للتعارف والتفاعل بين المجتمعات العربية .وفى النهاية، نحن لا نحتاج إلى أن يتطابق الجميع، وإنما نحتاج إلى أن يتفقوا على ما يجمعهم: فلسطين، والقدس، ورفض التهجير، وحق الشعب الفلسطينى فى تقرير مصيره، وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، واحترام وحدة الدول وسيادتها. ومتى نجحنا فى تحويل هذه القواسم المشتركة إلى خطاب سياسى وإعلامى وشعبى متوازن، فإن القضية الفلسطينية ستستعيد دورها الطبيعى كمساحة تجمع العرب، لا كساحة تفرقهم .وهذا هو جوهر الرسالة التى يحملها الموقف الفلسطينى اليوم: وحدة الصف الفلسطينى والعربي، ودعم صمود الشعب الفلسطينى على أرضه، وتحويل التضامن العربى والدولى من موقف عاطفى إلى عمل سياسى ودبلوماسى وإعلامى وثقافى منظم».

من جانبه أوضح السفير جمال بيومي، مساعد وزير الخارجية الأسبق، أن الدبلوماسية العربية منوط بها وزراء الخارجية العرب داخل أروقة الخارجية العربية التى يتم داخلها التنسيق واتخاذ المواقف المتفق عليها، بالطبع يمكن خروج إحدى الدول عن هذا المسار بسبب سياستها الخارجية الخاصة، ولكن تظل الدبلوماسية الثنائية هى الأبرز فى الوقت الراهن على سبيل المثال زيارة ولى العهد السعودى الأمير محمد بن سلمان للقاهرة مؤخرًا ولقاؤه بالرئيس عبدالفتاح السيسى، وذلك لنفى الشائعات التى تروج لخلافات مصرية- سعودية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بالرغم من قول الرئيس لها صراحة «مسافة السكة» عندما تحدث عن العلاقات المصرية بالدول العربية. وأشار إلى أن الدبلوماسية المصرية اليوم أصبحت قادرة على العمل على كافة المستويات حتى فيما يخص الحرب الأمريكية الإيرانية، فبالرغم من غلق إيران سُبل الدبلوماسية مع العديد من الدول مازالت مصر تستطيع التوصل لحل لهذه الأزمة من خلال الدبلوماسية الثنائية.

وحول إمكانية التنسيق العربى – العربي، أوضح «بيومى»، أنه فى ظل ما تعانيه الدول العربية اليوم من ظروف انشقاق على نفسها وصراعات داخلية، لا يمكن طرح إمكانية التنسيق، قائلًا: «مع من سيتم التنسيق، فنحن نشهد احتلالا متعدد القوى لسوريا وانقساماً «لبنانى – لبنانى» وصراعات مسلحة فى السودان وغيرها من الدول التى لا يمكن وضعها ضمن إطار دبلوماسى شامل اليوم»، مشيرًا إلى أن ما يمكننا العمل عليه بكل قوة فى الوقت الراهن هو الدبلوماسية الرئاسية التى حُرمت منها مصر على مدار ما يقرب من 10 سنوات قبل تولى الرئيس السيسى لرئاسة مصر، والذى قام بالعديد من الجولات الدولية وزيارة العديد من الدول خلال فترة حكمه، مُضيفًا: «أنا دائمًا ما أذكر هذا الحدث الذى يدل على فعالية الدبلوماسية الرئاسية التى أعادها لنا الرئيس السيسى، إذ كنت سفيرًا غير مقيم فى الكاميرون حيث لا يوجد أى مكان يمكن الإقامة به، فإذا بالرئيس السيسى يقوم بزيارة إلى هناك ومعه مجموعة من المقاولين العرب وأمر ببناء سفارة لمصر وتفويض سفير مصري».

وأشار إلى قوة الدبلوماسية الرئاسية إذ قام الرئيس السيسى بزيارة الصين ونيويورك وطوكيو – التى قام بزيارتها مرتين فى 40 يومًا – وهى تغطية دبلوماسية جيدة للغاية يمكن اعتمادها لدحض الشائعات حول العلاقات العربية – العربية. فمصر رائدة فى مجال الدبلوماسية وكافة الدول العربية تحذو حذوها، وهو ما تدل عليه واقعة الرئيس الراحل أنور السادات الذى كان فى زيارة إلى مصنع الطائرات من طراز طائرة «إيرباص» فى ميونخ وطلب خمس طائرات – مراهنًا بأن العالم العربى سيحذو حذو القاهرة فى شرائها، وهو ما تم بالفعل، فبعدما وصلت الطائرات إلى القاهرة، تم بيع 120 طائرة إلى الدول العربية. فالتنسيق الدبلوماسى الآمن الآن بالنسبة للدول العربية هو الاعتماد على التنسيق الثنائى والدبلوماسية الرئاسية.

كما أوضح السفير د. محمد حجازي، مساعد وزير الخارجية الأسبق، أن الأوضاع الإقليمية والدولية المضطربة تتطلب تنسيقًا وتواصلًا عربيًا مستمرًا، وأن التطور المطلوب يتمثل فى تفعيل آلية تنسيق أكثر انتظامًا بين الدول العربية، تحول التوافق السياسى من ردود فعل متفرقة إلى مبادرات ورسائل دبلوماسية متقاربة، خصوصًا فى القضايا التى تمس الأمن القومى العربى والاستقرار الإقليمى .ويمكن أن يبدأ ذلك من خلال غرفة تنسيق دبلوماسية عربية مرتبطة بجامعة الدول العربية، تضم ممثلين عن الدول الأعضاء، مهمتها إعداد تقديرات مشتركة للمواقف الدولية، وصياغة أوراق موقف ورسائل دبلوماسية قابلة للتوافق، قبل طرح القضايا العربية الرئيسية فى الأمم المتحدة ومجلس الأمن وغيرها من المحافل الدولية. ولا يعنى ذلك توحيد مواقف الدول العربية فى كل الملفات، وإنما تحقيق حد أدنى من التنسيق فى القضايا ذات الأولوية، بحيث لا تتحول التباينات الطبيعية فى السياسات العربية إلى رسائل متناقضة تستغلها الأطراف الأخرى.كما أن التنسيق ينبغى ألا يقتصر على وزارات الخارجية، وإنما يمتد إلى البرلمانات والمؤسسات الإعلامية ومراكز البحوث والبعثات الدبلوماسية العربية فى الخارج، بما يسمح بتكوين خطاب عربى أكثر اتساقًا، يستند إلى المعلومات والقانون الدولى والقرارات الأممية، وليس فقط إلى البيانات السياسية.

وأشار «حجازى»، إلى أنه على مستوى الرأى العام، فالمطلوب هو الانتقال من التعامل مع منصات التواصل الاجتماعى باعتبارها ساحة للصراع الإعلامى إلى اعتبارها مساحة لبناء وعى عربى مشترك، ويمكن للدول والمؤسسات العربية إطلاق منصات ومحتوى إعلامى مهنى يشرح القضايا الخلافية ويصحح المعلومات المضللة، مع تجنب تحويل الاختلافات بين الحكومات إلى خصومات بين الشعوب؛ فالمشكلة ليست فى اختلاف الرأى بين المواطنين العرب، وإنما فى تحول هذا الاختلاف إلى خطاب كراهية وتخوين وتراشق بين المجتمعات. قائلًا: «فى تقديري، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تنتقل الخلافات السياسية بين الحكومات إلى وعى شعبى دائم بالعداء بين الشعوب العربية؛ لأن ذلك يضعف قدرة النظام العربى على التعامل مع الأزمات الخارجية. ولذلك، فإن توحيد الخطاب العربى لا ينبغى أن يعنى فرض خطاب واحد، وإنما بناء قواعد مشتركة لإدارة الاختلاف، بحيث تبقى المنافسة والخلافات السياسية ضمن إطارها الطبيعي، ولا تتحول إلى قطيعة شعبية أو صراع على الهوية والمصالح.. ومن هنا، يمكن أن تقوم الآلية العربية المنشودة على ثلاثة مستويات متوازية: تنسيق دبلوماسى لصناعة الموقف، وتنسيق بحثى وإعلامى لصناعة المعرفة والخطاب، وتواصل شعبى مسئول لحماية العلاقات بين المجتمعات العربية. وإذا نجحت هذه المستويات فى العمل معًا، يمكن أن يتحول التوافق العربى من مجرد رد فعل على الأزمات إلى قدرة مستمرة على المبادرة والتأثير فى صياغة الأجندة الدولية».

أخبار الساعة

الاكثر قراءة