لم يمهل التقويم الكروى منتخب مصر وقتًا للاستعداد، أو فرصة لالتقاط الأنفاس بعد رحلة كأس العالم؛ فبعد إسدال الستار على المشوار المونديالى، يجد «الفراعنة» أنفسهم أمام اختبار مختلف تماما فى طبيعته وضغطه؛ مباراتان رسميتان خلال أربعة أيام فقط، ضمن تصفيات أمم إفريقيا 2027، أنجولا فى القاهرة يوم 25 سبتمبر الجارى، ثم جنوب السودان يوم 29 سبتمبر.
على الورق، تبدو المباراتان مجرد مواجهتين ضمن مشوار التصفيات، لكن فى جوهرهما تختبران شيئًا أعمق من مجرد النتيجة، قدرة المنتخب على الانتقال من حالة ذهنية إلى أخرى، ومن سياق كروى إلى نقيضه، دون أن ينكسر خيط الاستمرارية الذى حاول حسام حسن بناءه طوال الأشهر الماضية.
علاء نبيل، المدير الفنى السابق لاتحاد الكرة، أوضح أن المنتخبات الكبرى، بعد كل محطة عالمية، تمر بما يمكن تسميته «اختبار إعادة ترتيب الأوراق»، اللاعب الذى اعتاد لعب كل مباراة بصفتها نهائيًا صغيرًا، وبمستوى تركيز استثنائى، مطالب فجأة بإعادة برمجة نفسه لمواجهة خصم أقل شهرة، فى قارة تصفياتها لا ترحم إلا من يحترم تفاصيلها، هذه ليست مسألة نفسية عابرة، بل معادلة فنية تمس جوهر الأداء، كيف يحافظ الفريق على الانضباط التكتيكى والجدية القتالية أمام أنجولا، وهو الخصم الذى لا يملك تاريخ صلاح وموهبته الفردية العابرة للقارات، هنا تكمن الزاوية الحقيقية للتحليل، لا سيما أن المباراتين ليستا اختبارًا لقوة مصر الكروية المطلقة، بل اختبار لجاهزيتها الذهنية للعودة إلى واقع التصفيات الإفريقية بكل خشونتها وتفاصيلها المرهقة».
«نبيل»، أضاف: يدخل حسام حسن الاستحقاق وهناك ثلاثة عناصر ذات ثقل ومؤثرة تتمثل فى، غياب محمود تريزيجيه لعدم جاهزيتة الفنية وياسر إبراهيم بداعى الإصابة، ويحرم الجهاز الفنى من خيارين مجربين فى مركزين حساسين: الجناح المساند لصلاح، وقلب الدفاع الذى يمنح الخط الخلفى خبرة القراءة المبكرة للهجمات. أما غياب مروان عطية عن مباراة أنجولا تحديدا بداعى الإيقاف، فيضع الجهاز الفنى أمام معضلة فورية فى منطقة الارتكاز، حيث يعد عطية الخيار الأقرب لموازنة الوسط بين الاستحواذ والقطع، وهذه الغيابات، رغم أنها ليست كارثية على مستوى الأسماء البديلة، تفرض على المدير الفنى حسابات دقيقة، خاصة أن القائمة تضم عناصر شابة أو أقل خبرة دوليا مثل مصطفى زيكو وهيثم حسن وحمزة عبدالكريم، ممن ينتظرون فرصة الإثبات دون أن يتحملوا عبء تعويض غياب لاعبين أساسيين دفعة واحدة».
وأوضح أحمد الكاس، المدير الفنى السابق لمنتخب الشباب، أن «السؤال الذى يفرض نفسه بقوة هو: هل يذهب حسام حسن بأقوى تشكيلة ممكنة أمام أنجولا لحسم النقاط الثلاث مبكرا وبأقل مجهود ممكن، أم يبدأ إدارة الأحمال والتدوير من المباراة الأولى، استباقا لصعوبة المباراتين فى فترة ليس كافية لتجمع اللاعبين مع بعضهم فى معسكر الإعداد؟.
وتابع أن «المنطق الفنى يقول إن أولوية النتيجة يجب أن تحسم فى القاهرة، حيث الأرض والجمهور والدعم المعنوى فى صالح «الفراعنة»، فالفوز بفارق مريح على أنجولا يمنح المدرب مساحة للتحرك أوسع فى مباراة جنوب السودان، أما إذا دخل حسام حسن مباراة أنجولا بعقلية «توفير طاقة اللاعبين»، فإنه يخاطر بمعادلة معقدة، نتيجة غير حاسمة فى القاهرة، تحمل مباراة جنوب السودان عبئا مضاعفا لا يحتمل الترف التكتيكى، والأقرب للمنطق أن يبدأ حسام حسن بتشكيلة قريبة من مباراة الأرجنتين بكأس العالم، مع تدوير محسوب فى مركز أو مركزين فقط، لا فى محاور اللعب الرئيسية».
كما أكد أن «خط الوسط يبدو أكثر من أى خط آخر، هو مسرح القرار الأصعب، بين إمام عاشور وأحمد سيد زيزو ومحمود صابر وعلى محمود ومهند لاشين وحمدى فتحى وإبراهيم عادل، تملك الكتيبة تنوعًا فى الأنماط، لكنها تفتقد فى غياب عطية عن اللقاء الأول، ذلك اللاعب الذى يجمع بين القوة البدنية والانضباط التكتيكى فى آن واحد، الخيار المرجح هو الاعتماد على ثنائية عاشور وزيزو كمحرك أساسى للعب، مع تفويض حمدى فتحى أو على محمود بمهمة السند الدفاعى، وهو حل ومؤقت أثناء سير المباراة أمام أنجولا أكثر منه مثاليًا».
وأشار إلى أن «صلاح ومرموش ثنائية تحسمها الأدوار لا الأسماء، حضور محمد صلاح وعمر مرموش فى الهجوم يمنح المنتخب سقفا فنيا مختلفا عن باقى منافسى المجموعة، لكن فاعلية هذا الثنائى تظل مرهونة بجودة الإمداد الذى يصله من لاعبى الوسط والأطراف، لا بموهبتهما الفردية وحدها، المباراتان أمام أنجولا وجنوب السودان تمثلان فرصة لصلاح ومرموش لبناء تفاهم أكثر نضجا خارج سياق الأندية، وهو ما يحتاج وقتا وتكرارا لا يوفره جدول التصفيات المزدحم.
فى النهاية يظل السؤال الأعمق: هل يدير حسام حسن هذا الحدث بمنطق «المباراة بالمباراة»، أم بمنطق بناء منتخب قادر على الاستمرار بثبات طوال مشوار طويل نحو الأمم الإفريقية؟.. الإجابة لن تقرأ من نتيجة مباراة واحدة، بل من قدرة الجهاز الفنى على الحسم فى القاهرة، دون أن يفقد المشروع الفنى ملامحه فى زحمة الحسابات الحالية، هذه هى المعادلة الحقيقية التى تنتظر حسام حسن، ليست فقط كيف يفوز، بل كيف يفوز وهو يبنى، فى آن واحد».