رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الفن الأصيل قوتنا الناعمة


25-9-2026 | 12:56

.

طباعة
بقلـم: أشرف غريب

أثبتت كل تجارب التاريخ أن قوة الأمة العربية فى تماسكها واتحادها، ولم يحقق العرب أى انتصار سياسى أو عسكرى - قديمًا وحديثًا - إلا حينما اجتمع العرب على كلمة سواء، وهذا واضح منذ الفتوحات الإسلامية الأولى، مرورًا بالحروب الصليبية وصولًا إلى نصر أكتوبر المجيد، وقد أدرك عدونا منذ الأزل هذه الحقيقة، وعمل دائمًا - ولا يزال - على فرقتنا وتشرذمنا، وإثارة النعرات التى تؤدى فى النهاية إلى أن يسير كل منا فى طريق، بل وربما التناحر فيما بيننا.

 

هذه اللحمة العربية، أو هذا التماسك الشعبى لا يتحقق إلا إذا اجتمع العرب حول أهداف واحدة وطموحات مشتركة على مستوى مواطن الشارع قبل القادة، فإذا صلحت القاعدة وتوحدت حول الهدف سهلت مهمة القادة، وأمَّنوا بذلك جبهتهم الداخلية فى مواجهة ما يحدق بالأمة من أخطار، وقد أدركت مصر قبل غيرها هذه الحقيقة التاريخية، وأيقنت أن واحدة من أهم وسائل الاجتماع العربى هى الفنون والآداب بعيدًا عن الخطب الرنانة والوعظ المباشر وشحذ الهمم الزاعق أو المبالغ فيه.

وربما كان «أسبوع شوقى» فى أبريل 1927 الذى استضافته القاهرة، واجتمع من خلاله الأدباء والشعراء العرب، وبايعوا أثناءه الشاعر الكبير أحمد شوقى أميرًا للشعراء، ثم استضافة أول مؤتمر للموسيقى العربية فى مارس سنة 1932 خطوتين مهمتين فى هذا الاتجاه، ليس من أجل الزعامة المصرية، وإنما بغرض الاتفاق على الثوابت وتحديد الهوية العربية فى الشعر والموسيقى باعتبارهما بداية كل إبداع، والبؤرة التى يمكن أن يجتمع حولها المواطن العربى.

وفى أعقاب ثورة الثالث والعشرين من يوليو 1952 كان واضحًا إيمان القيادة المصرية بالبعد القومى، وبضرورة مخاطبة الوعى العربى من خلال الفن والأدب وكافة أشكال الإبداع، ومن هنا كانت قوتنا الناعمة أداة فعالة ونافذة فى سبيل تحقيق هذا الهدف، فاختفت النعرة الفردية أو القُطرية، وعلت النبرة القومية التى توحد ولا تفرق، فأصبح الدكتور طه حسين هو عميد الأدب العربى، وأم كلثوم سيدة الغناء العربى، ويوسف وهبى عميد المسرح العربى، وأمينة رزق سيدة المسرح العربى، وفاتن حمامة سيدة الشاشة العربية، وهكذا، وصولًا حتى إلى هانى شاكر أمير الغناء العربى، وحينما بدأ الإرسال التليفزيونى فى مصر فى يوليو 1960 اختير له اسم التليفزيون العربى، وأصبح الفيلم المصرى هو الفيلم العربى، ليس فقط للتمييز بينه وبين الفيلم الأجنبى، وهكذا بدا جليًا أن الأمر ليس مصادفة أو اختيارًا عشوائيًا للمسميات، وإنما كان الغرض الأسمى هو تحديد الجمهور المستهدف ومن الذى يراد توجيه هذا الإبداع له، ومن ثم اجتمع المواطن العربى حول الوسيلة، وتوحد خلف المحتوى، حتى فى الأوقات التى تخاصم فيها بعض القادة لأسباب عابرة، كانت القاعدة قوية ومتينة لم تهزها هذه الخلافات الاستثنائية.

أما عن المحتوى فقد تلاقت توجهات المبدع مع هذا الوعى الجمعى العربى، فكان التأثير الذى ظل باقيًا حتى اليوم، خذ لذلك مثلًا نشيد «الوطن الأكبر» الذى كتبه أحمد شفيق كامل ووضع موسيقاه الموسيقار محمد عبد الوهاب وقام بتوزيعه الموسيقار على إسماعيل، وأخرجه للتليفزيون عز الدين ذو الفقار، وأهدته مصر إلى كافة محطات التليفزيون العربية، والأثر الذى تحقق بين الشعوب بفعل هذا النشيد العروبى الذى خاطب اهتمامات كل شعب ثم وحدهم على هدف الوحدة والتلاحم العربى، والقائمة فى ذلك تطول وتتشعب، ربما وصولًا إلى نشيد «الحلم العربى» فى تسعينيات القرن الماضى، الذى انتهج النهج نفسه فى الأفكار والتنفيذ والمشاركة العربية من كافة الأقطار، فأثبت للجميع أنه رغم هذا الزحام الحادث فى وسائل الإعلام - على عكس ما كان فى السابق - فإن الفن العربى لا يزال قادرًا على مخاطبة الوعى الجمعى العربى والتأثير فيه.

وعلى مستوى آخر من التعاطى مع هذا الهدف النبيل، كان المبدعون المصريون خير مبشرين بهذا التوجه وسفراء مميزين حينما ذهبوا إلى كافة الأقطار العربية من أجل تأسيس نهضة فنية كبرى وحقيقية، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر: زكى طليمات فى الكويت، كرم مطاوع وتوفيق صالح فى العراق، سعد عبد الوهاب فى الإمارات العربية المتحدة، عمر الحريرى فى ليبيا، وغيرهم، وكان من نتائج هذه البعثات ظهور جيل من المبدعين العرب آمن - كل فى وطنه - بوحدة الهدف ونبل المقصد، واستطاع هذا الجيل الناشئ أن يورث تلامذته تلك المعانى السامية التى حافظت للوعى العربى على حضوره الدائم وزخمه المستمر.

وفى المقابل نجح الفن العربى فى تذويب أية فوارق بين الجنسيات المختلفة، إذ لم تكتف البعثات الفنية بذلك، وإنما نجحت القاهرة، باعتبارها هوليوود الشرق ومهد صناعة الفن، فى اجتذاب كل موهبة عربية أصيلة إلى العمل فى مصر، فاختفت الجنسيات، ولم يعد الجمهور - إلا على سبيل المعلومات العامة - معنيًا بكون نجيب الريحانى عراقيًا، أو عزيز عيد وروز اليوسف وبشارة واكيم وفريد الأطرش وأسمهان وصباح ونور الهدى ونجاح سلام وسعاد محمد من بلاد الشام، وربما كانت لوردة الجزائرية خصوصية معينة فى اختيار اسمها لأنها ظهرت - أول ما ظهرت - مع بشائر استقلال الجزائر، فكان من الضرورى التأكيد على الهوية الجزائرية، وترديد اسم الجمهورية الوليدة ما شاء له أن يتكرر، فإذا ما ثبتت الجزائر الشقيقة استقلالها، ورسخت أقدام المطربة الكبيرة، لم يعد أحد يقرن اسمها بلقب الجزائرية، وبات اسم وردة كافيًا للتدليل على شخصها وقيمتها الفنية الكبيرة، أما جارة القمر فيروز، فلتجربتها هى والرحابنة خصوصيتها وتفردها، فقد لعب صوتها المنطلق من لبنان دورًا مماثلًا فى الالتفاف حوله، وأول المتيمين بهذا الصوت كان المصريون أنفسهم دون غضاضة أو حساسية، إيمانًا منهم بأن الفن الأصيل قادر على تجاوز الحدود والجنسيات وتجميع الناس حول هدف واحد ونبيل، وقد انسحب هذا الإرث العروبى على أجيال الفن اللاحقة، لا سيما فى زمن الفضائيات ووسائل الاتصال الحديثة، فلم يعد أحد منشغلًا بجنسية أى من محمد عبده أو طلال مداح أو عادى الجوهر أو صابر الرباعى أو عبد الله الرويشد أو ماجدة الرومى أو نانسى عجرم أو لطيفة أو سميرة سعيد أو كاظم الساهر، تمامًا مثلما هم لا يفرقون فى إبداعهم الغنائى بين جنسيات الأذن التى تستمع إلى فنهم، والأمر نفسه ينسحب على نجوم ونجمات التمثيل فى السينما والتليفزيون.

وأذكر أن المطرب الكبير كاظم الساهر قال لى ذات يوم فى تسعينيات القرن الماضى إنه تربى على قيم فنية نبيلة غرسها فيه صوت أم كلثوم وعبد الوهاب، وموسيقى السنباطى وزكريا وبليغ، وأنه رغم شهرته فى بلاده فإنه حينما أتى إلى مصر لم يشعر بأى غربة لأنه اعتاد على الوجوه المصرية واللهجة المصرية والطباع المصرية، الأمر نفسه أكده لى فى مناسبات أخرى كل من المايسترو سليم سحاب القادم من لبنان، هو ومواطنه فنان الرقص الحديث وليد عونى وعازف العود العراقى نصير شمة، الذين وجدوا فى مصر مناخًا مرحبًا بمشاريعهم الفنية، فوضحت بصماتهم على المتلقى المصرى، وباتوا هم أيضًا خير سفراء لبلادهم، وانطلقوا من مصر ليعلموا شعوبًا عربية أخرى ما أضافته لهم تجربتهم فى مصر.

وما يدعم ذلك كله ما اتفق عليه العرب على المستوى التنظيمى من أجل التنسيق ودعم التجارب الأدبية والفنية والإعلامية، فكان مجمع اللغة العربية، والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، واتحاد الإذاعات العربية، واتحاد الفنانين العرب، وغيرها من الجهات التى تسعى دائمًا إلى رسم السياسات المشتركة بين كافة المبدعين العرب فى شتى مجالات الإبداع.

وهكذا يثبت الإبداع العربى قدرته الفعالة والمستمرة على مخاطبة الوعى الجمعى العربى والتأثير فيه، والوصول إلى اجتماع الشعوب حول أهداف مشتركة توحد ولا تفرق، تبنى ولا تهدم، وتكون قاعدة صلبة ومتينة فى مواجهة حروب الجيل الخامس التى تهدف إلى ضرب الهوية العربية فى الصميم وتقويض دعائمها والنيل من ثوابتنا وتماسكنا وقوتنا.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة