رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الرياضة تجمع شعوبنا


25-9-2026 | 12:56

.

طباعة
بقلـم: علاء محجوب

فى زمن صعب، تشظَّت فيه الجغرافيا العربية، وتعددت فيه الولاءات، وتاهت فيه البوصلة، بقيت الرياضة وحدها هى المساحة التى لا يختلف عليها عربيان. بقيت هى اللغة الوحيدة التى نفهمها جميعًا؛ لغة الفرحة الواحدة، والدمعة الواحدة، والعلم الواحد.

 

إن دور الرياضة العربية فى توحيد الشعوب العربية ليس دورًا ترفيهيًّا، بل هو دور تاريخي، وأمن قومي، وحبل سُرِّى أخير يربط بين المحيط والخليج، بين طنجة والبصرة، بين طفل فى نواكشوط يحلم بقميص محمد صلاح، وشاب فى غزة يعلِّق صورة رياض محرز.

هذا المقال ليس عن المباريات، بل عن أمة تحاول أن تتذكر أنها أمة واحدة.

لم تكن البطولات العربية مجرد مسابقات؛ كانت دائمًا مشروعًا سياسيًّا مغلفًا بالرياضة. بدأت الفكرة فى عام 1947، وانطلقت أول دورة فى الإسكندرية عام 1953، بمبادرة من جامعة الدول العربية وجمال عبد الناصر. كان الهدف واضحًا: «جمع الشباب العربى فى ميدان واحد».

فى تلك الدورة، وقف رياضيون من مصر ولبنان وفلسطين والأردن والعراق جنبًا إلى جنب. لم تكن المنافسة هى الأهم؛ كان المشهد هو الأهم، مشهد وحدة لم يكن يحدث فى أى مكان آخر.

وتوالت الدورات: بيروت 1957، والدار البيضاء 1961، والقاهرة 1965. وفى كل مرة كانت الدورة تحمل رسالة سياسية: نحن هنا، ونحن معًا، رغم كل شيء.

وإذا كانت دورة الألعاب العربية هى الأصل، فإن كأس العرب لكرة القدم هو الذروة. من منا ينسى بطولة كأس العرب الأخيرة فى قطر عام 2021؟ عندما امتلأت شوارع الدوحة بأعلام الجزائر وتونس ومصر والمغرب؟ عندما احتفل السورى واليمنى بهدف قطري؟ وعندما بكى الجزائريون والمصريون معًا فى النهائي؟

تلك البطولة لم تكن مجرد بطولة كرة قدم؛ كانت استفتاء شعبيًّا على الوحدة العربية وكانت النتيجة.. نعم، ما زلنا أمة واحدة.

والبطولة العربية للأندية، التى تحمل اليوم اسم كأس الملك سلمان، تلعب الدور نفسه. حين يلعب الأهلى المصرى مع الهلال السعودي، أو الوداد المغربى مع الترجى التونسي، فإن ملايين العرب يجلسون أمام الشاشات؛ ولا أحد يشجع بحياد. الكل يشعر أن هذه مباراته، وأن هؤلاء أبناؤه.

وأخيرًا، رأينا «خليجى 25» فى البصرة. رأينا كيف فتح العراقيون بيوتهم وقلوبهم لكل الخليجيين، وكيف تحولت البطولة من كرة قدم إلى مهرجان للحب. العراق الذى حاصرته السياسة لسنوات، عاد بحضن كرة القدم.

وكذلك دورة الألعاب الرياضية العربية التى ستقام فى القاهرة، ودورة الألعاب الإفريقية العربية المشتركة؛ كل هذه البطولات تقول شيئًا واحدًا: الملعب هو المكان الوحيد الذى لا يحتاج فيه العربى إلى تأشيرة.

ولكن يبقى التساؤل قائمًا: لماذا نجحت الرياضة فيما فشلت فيه السياسة والاقتصاد والإعلام؟

لأنها لغة لا تحتاج إلى ترجمة.

الهدف فى كرة القدم معناه واحد فى كل اللهجات العربية. الفرحة بهدف لا تحتاج إلى محلل سياسي، والدمعة بعد الهزيمة لا تحتاج إلى مترجم. الرياضة تخاطب القلب مباشرة، بينما السياسة تخاطب عقلًا مليئًا بالشكوك.

وحين نسأل: من هو قدوة الشاب العربى اليوم؟ ليس السياسي؛ إنه اللاعب.

محمد صلاح قدوة فى مصر والجزائر والسعودية، ورياض محرز قدوة فى فلسطين والأردن، وأشرف حكيمى قدوة فى مصر والعراق. هؤلاء النجوم وحَّدوا وجدان الشباب العربى أكثر من ألف خطاب.

وعندما يسجد صلاح شكرًا لله، يسجد معه الملايين من المحيط إلى الخليج. هذه وحدة وجدانية لا تُقدَّر بثمن.

وعندما ينتقل لاعب مصرى إلى الدورى السعودي، أو لاعب مغربى إلى الدورى المصري، أو مدرب تونسى إلى الدورى القطري، فإن الأمر ليس مجرد احتراف؛ إنه نوع من الاندماج.

اليوم، يتابع العرب الدورى السعودي، ويتابعون الدورى المصري، ومع كل مشاهدة تزيد الألفة، وتزداد المحبة، وتتسع اللغة المشتركة. فالرياضة تخلق سوقًا عربية مشتركة حقيقية، سوقًا من المشاعر قبل أن تكون سوقًا من الأموال.

فى كل بطولة عربية، نسمع النشيد الوطني، ونرى العلم، ونرى الدبكة الفلسطينية فى المدرجات، والطربوش المغربي، والشماغ الخليجي. الرياضة تذكرنا بمن نحن، وتذكرنا بأننا لسنا 22 دولة متفرقة فحسب، بل أمة واحدة بثقافات متعددة.

وإذا كنا نؤمن بأن الرياضة هى آخر قلاع الوحدة، فلا يجب أن نتركها للصدفة. يجب أن نحولها إلى مشروع قومي.

والبداية تكون بإنشاء «الاتحاد العربى للرياضة الموحدة»؛ ليس اتحادًا بيروقراطيًّا، بل كيانًا تنفيذيًّا يمتلك ميزانية، ويهدف إلى إقامة بطولة عربية كبرى كل عام فى لعبة مختلفة.

كما يمكن إنشاء قناة رياضية عربية موحدة، بمعلقين من مختلف الدول العربية، تنقل البطولات العربية بلا تشفير؛ قناة تجعل الطفل فى موريتانيا يشاهد الدورى اليمني، والطفل فى اليمن يشاهد الدورى الموريتاني. فمن يشاهد بعضه، يحب بعضه.

ويمكن كذلك إنشاء أكاديمية فى كل إقليم: فى القاهرة لشمال إفريقيا، وفى الرياض للخليج، وفى عمّان للشام والعراق. يدخلها أفضل 100 موهبة عربية من عمر 14 عامًا، ويتعلمون ويتدربون ويعيشون معًا لمدة أربع سنوات. هؤلاء سيكونون سفراء الوحدة فى المستقبل.

ومن المقترحات أيضًا تخصيص 10فى المائة من عقود الاحتراف لدعم فلسطين. وهو اقتراح رمزي، ولكنه قوي؛ إذ يخصص من كل عقد احتراف عربي-عربى 10فى المائة لدعم المنشآت الرياضية فى فلسطين، فى رسالة تؤكد:

«رياضتنا وحدة، وقضيتنا واحدة».

ثم يأتى إيقاف خطاب الكراهية بين الجماهير العربية على وسائل التواصل الاجتماعي؛ فلا يجب أن تتحول مباراة بين مصر والجزائر، أو المغرب وتونس، إلى معركة سباب. فالرياضة للوحدة، لا للفرقة، ومن يخالف ذلك يجب أن يخضع للقواعد والجزاءات المناسبة.

لقد جربنا كل شيء. جربنا الوحدة السياسية فتعثرت، وجربنا الوحدة الاقتصادية فتأخرت، وجربنا الوحدة الثقافية فتبعثرت، ولم يبقَ لنا إلا الرياضة.

الرياضة هى الحلم العربى الوحيد الذى ما زال حيًّا؛ هو الحلم الذى يجعل مواطنًا بسيطًا فى القاهرة يفرح لفوز المنتخب السعودي، ويجعل طالبًا فى الرباط يبكى لهزيمة المنتخب المصري.

إن ملايين العرب ينتظرون منا أن نحافظ على هذا الحلم، وألا نلوثه بالتعصب، وألا نبيعه بالمال، وألا نتركه للصدفة.

إن دور الرياضة العربية فى توحيد الشعوب العربية ليس مهمة الاتحادات الرياضية فقط، بل هو مهمة كل عربي.

لقد آن الأوان أن نعلنها صراحة:

الرياضة العربية هى مشروعنا القومى الأخير.

فلنبدأ الآن؛ من الملعب، ومن الرياضة، ومن هدف واحد يفرح له 22 شعبًا فى اللحظة نفسها.

حينها فقط سنقول:

ما زلنا أمة واحدة.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة