فى أوقات الأزمات الكبرى تفرض بديهية معروفة نفسها على الجميع، وهى التركيز على القواسم المشتركة بين من يتعرضون للخطر والتحديات، وتجميد أو تأجيل أو حتى حل المشاكل الفرعية التى تفرق بينهم وتشتت جهودهم، والتى لو جمعت بحزمة واحدة لما استطاع أعداؤهم اختراقهم أو إلحاق الهزيمة بهم.
هذا هو من أهم دروس التاريخ، وكل الشعوب التى استوعبته وعملت بموجبه حققت الانتصار أو على الأقل أجهضت مخططات الأعداء، فما أحرانا اليوم نحن العرب أن نطبق هذه القاعدة، وأن نضع خلافات الأنظمة العربية، سواء كانت موضوعية أو مفتعلة، خلف الظهر، ونركز فقط على ما يجمعنا ويوحد طاقاتنا وقدراتنا لكى نستطيع إنقاذ شعبنا فى كل مكان من الوطن العربي.
إن التضامن العربى لم يعد مجرد شعار، بل أصبح ضرورة وجودية، فالأمة العربية تعانى من أسوأ الكوارث فى تاريخها كله، وما حصل فى العراق وسوريا والسودان واليمن وليبيا ولبنان، وبصورة أقل فى بقية الأقطار العربية، هو أمثلة حية تقرع جرس الإنذار لنا جميعًا كى نستعد ونتوحد. وما جعل هذا الخطر يصل إلى ذروته هو أن أعداء الأمة العربية تحالفوا فيما بينهم ونسوا الخلافات التى توجد بين صفوفهم، فرأينا إثيوبيا وإسرائيل وأطرافًا أخرى تتحد ضد العرب وتستخدم حرب المياه وغير المياه وسائل ضغط على الأمة العربية لإضعافها.
وهذا العامل يضاف إلى العوامل الأخرى، فالأعداء متحدون ونحن متفرقون، ولذلك يبدو بديهيًا أن نخسر المعارك واحدة تلو الأخرى، ومن لم يخسر المعركة حتى الآن سيجد نفسه فى موقع الخسارة لاحقًا لا سمح الله.
ومما يعزز إمكانية تحقيق التضامن العربى هو أن المخططات المعادية للأمة العربية قد انكشفت وأعلنت، مثل مخطط الصهيونى برنارد لويس الذى يقوم على تقسيم الأقطار العربية كلها على أسس عنصرية وطائفية ومناطقية، ومصر تقع فى قلب هذا المخطط، حيث يجب تقسيمها طبقًا له إلى دويلات، كما أن المخطط الصهيونى أصبح مفضوحًا، وتحت ظل اليمين الإسرائيلى المتطرف فإن هذا المخطط لا يقتصر فقط على المنطقة المحصورة بين الفرات والنيل، بل إن نتنياهو وحكومته قد وسعا مساحة هذه المنطقة التى تريد إسرائيل السيطرة عليها، فضموا المزيد من أراضى سوريا ولبنان والعراق.
وإيران منذ سنة 1979 عملت على التغلغل والتوسع فى جسد أمتنا العربية بغطاء مذهبي، مستخدمة أبناء الدول العربية وثرواتها للوصول لمرحلة السيطرة على العواصم العربية: بغداد وصنعاء وبيروت، قبل أن تنسلخ منهم دمشق.
وهذا يعنى أن المطلوب هو ليس فقط وعى هذه الحقيقة، وإنما الانتقال من مرحلة الوعى إلى مرحلة العمل الجدى المدروس والمخطط والثابت الخطوات لكى تستطيع الأمة العربية مواجهة هذه التحديات وإنقاذ مواطنيها ودولها من الخراب الذى رأيناه فى العراق وسوريا واليمن ولبنان وليبيا والسودان.
لذلك فلا خيار للأمة العربية بكل أقطارها وأنظمتها غير أن تتوحد وتقف صفًا واحدًا متماسكًا ضد كافة الأعداء.
ويكفى أن نذكر بأن ميليشيا وليست دولة مثل ميليشيا الحوثي، وبدعم إيراني، تحتل أراضى هائلة وتصل إلى منطقة الخطر، وهى مضيق باب المندب، والذى إذا أغلق سوف يلحق ذلك ضررًا فادحًا بالجميع، خصوصًا بمصالح مصر الحيوية، لأنه سيؤدى إلى الإضرار بقناة السويس عمليًا، وهى إحدى أهم مصادر الثروة المصرية.
لقد تجرأ الأعداء على أمتنا ليس لأنهم أقوياء، بل لأنها أمة متفرقة، كل نظام يعمل بمفرده، بل إن هذه الأنظمة تتصارع فيما بينها رغم وجود الكوارث التى تتزايد يومًا بعد يوم ولا تتراجع.
فما هو الطريق للخروج من هذا المأزق القاتل الذى تواجهه أمتنا العربية؟
إنه التضامن العربى العملى وليس النظرى فقط، ولطالما دعا الرئيس عبد الفتاح السيسى للعمل العربى المشترك وتفعيل اتفاقية الدفاع العربى المشترك للحفاظ على الأمن القومى العربي، إن عقد الاتفاقات مع الأجانب من غير العرب أثبت فشله، وما يجرى الآن خير دليل على ذلك، ولكن إذا تذكرنا أن التضامن العربى قد حقق إنجازات كبرى مثلما حصل فى السبعينيات من القرن الماضي، حينما وقف العرب جميعًا صفًا واحدًا واستخدموا سلاح النفط فأجبر الأعداء على التراجع والاعتراف بمصالحنا.
فليكن شعارنا التضامن والتعاون والوحدة فى الموقف بين الأقطار العربية، وبغض النظر عن نظمها وخلافاتها.
